الكاظمي بين طهران وواشنطن

ما لم يقال بروتوكولياً وما تريده الادارة الامريكية من العراق استراتيجياً

عبد الحميد الصائغ
عن الكاتب

زميل زائر لبرنامج دراسات الازمة


     في زيارة تبدأ يوم 18 اغسطس 2020 يجريها رئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي مع طاقم وزاري ومستشارين رفيعو المستوى لواشنطن تستغرق اربعة أيام، ستناقش ملفات تتعلق بالطاقة والاستثمار والقطاع الثقافي والصحي والتعليمي والدعم العسكري والدولي المقدم للعراق، هذا ما معلن بروتوكولياً حول تفصيلات الزيارة، بيد ان غير المعلن هو الاكثر اهمية في طيات هذه الزيارة بشكل ادق بالتحديد وضع ايران في الشرق الاوسط والعراق على وجه الخصوص، فهل يستطيع الكاظمي ان يبتعد بالعراق اكثر عن مجريات هذا الصراع ويعود بمصلحة عراقية خالصة ؟!
    ويمكن اعتبار هذا الزيارة النقطة الأهم في مسيرة حكومة الكاظمي، فعلهيا قد يترتب دعما أمريكيا غير محدود للكاظمي في السياسة العراقية، وتحتمل هذه الزيارة مناقشة ملفات ملتهبة، كدور المليشيات الوئية، و الصراع الأمريكي الإيراني، والازمة الاقتصادية، ووجود القوات الامريكية ومهمة التحالف في محاربة الإرهاب. 

كيف تنظر الادارة الامريكية للعراق : ماذا يريد ترامب من الكاظمي ؟

      بكل وضوح يريد ترامب عراقاً يخدم مصالح الولايات المتحدة في صراعها مع ايران، حيث لا يريد ترامب ان تكون هناك دولة قوية فعلياً في العراق، بل لا ينظر له من زاوية انه دولة تستحق الدعم فعلاً، حيث لا تعدو زيارة الكاظمي القادمة للولايات المتحدة كونها زيارة تدخل ضمن الجزء الخارجي اليسير لترامب في حملته الانتخابية فضلاً عن كونها تدخل ضمن اطار رؤية الولايات المتحدة لصراعها مع الصين وإيران بشكل صريح.
     ولا يتأثر الناخب الامريكي كثيراً بقضايا الخارج بقدر ما يبحث عن قضايا تهمه في الداخل الامريكي، لكن يدرك اي رئيس امريكي ان هناك قلة قليلة من الناخبين قد تحسم السباق الانتخابي وهي تنظر لترامب ولسياسته الخارجية وما يمكن فعله اتجاه الصين وإيران وكوريا الشمالية كذلك بعين فاحصة.اذ يبحث ترامب في العراق عن تحجيم دور ايران بالتالي يبحث عن طريقة لإخضاع ايران باستخدامه للعراق في هذه الاستراتيجية، والعراق بحسب وجهة نظر ترامب حتى الان لا يخدم المصالح الامريكية كما ينبغي في هذا الاطار. 
      ان ما يطمح اليه الرئيس الامريكي يتلخص بتقليص نفوذ ايران ميدانياً في سوريا ولبنان والبحر المتوسط عبر العراق، وهنا التقليص يعني بشكل واضح التقليص فقط ليس انهاء للدور بقدر ما تقليم للدور الايراني، لان الدور الايراني مهم للولايات المتحدة في الشرق الاوسط وما تقوم به من افعال يجعل الولايات المتحدة تربح وتستثمر وتوظف في ادارة المخاطر الناجمة عن هذا الدور في هذه المنطقة سواء بالاكتساب من المملكة العربية السعودية بالدرجة الأساس، او من باقي الملفات في الشرق الاوسط كالتواجد العسكري والاستثمار النفطي وقطع طرق النقل القاري الذي تطمح اليه الصين هناك. اذ ان هناك قلق أمريكية من دور ممكن للعراق وسوريا ولبنان في مشروع الحزام والطريق الصيني اتجاه اوربا، حيث اوكلت الصين مهمة تطوير جزء مهم من الاطار الاستراتيجي لهذا الطريق لإيران في تلك المناطق، وهذا ما يؤثر بشكل بارز على تحالفات ترامب مع الخليج بالدرجة الاساس وإسرائيل وكذلك مع تركيا والجزء الحليف للولايات المتحدة في اوربا.

ايقاف الربط السككي الصيني الايراني اتجاه البحر المتوسط فوراً 

     ان سيطرة ايران على هذه الممرات التجارية عبر الربط السككي والقنوات الجافة يعني وجود ايران متعاظمة في النطاق الإقليمي، بالتالي احراجها للإدارة الامريكية ولمصالحها ولحلفائها هناك وعلى رأسهم إسرائيل، اذ تلعب ايران دور مهم في توظيف حزب الله في لبنان لترهيب اسرائيل واشعارها بالخطر المزمن، وتلعب كذلك طهران دور مهم في تنمية الميليشيات في العراق لتهديد الادوار الخليجية بشكل كبير.
     لهذا يدرك ترامب بشكل جيد ان العراق هو ورقة التوت التي تستر الفشل الايراني الكبير، وان العراق هو الممر والجسر لاستمرار الدور الايراني الكبير في تهديد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، كما يدرك ترامب ان تقليم دور ايران في العراق سيقود بالضرورة لاعادة رسم التوازن الاستراتيجي في المنطقة بشكل واضح لصالح قوى مثل السعودية واسرائيل وباقي الدول الحليفة.
     هكذا تفكر ادارة ترامب اتجاه العراق، وهو ما يعني ان الواضح في زيارة الكاظمي هي مناقشة القضايا التي تهم الولايات المتحدة، وقد لا يعني ان هناك رؤية واضحة في الزيارة بقدر ما يوجد لدى الكاظمي ادوار يجب لعبها لصالح تطوير قدرة الولايات المتحدة على تحجيم الدور الايراني بمعنى " هكذا تريد الولايات المتحدة " . وبالتحديد ستطلب الادارة الامريكية من الكاظمي بان يوقف كل الجهود التي تتعلق بالربط السككي وانشاء القنوات الجافة الذي يبدأ بموانئ البصرة قدوماً من ميناء الخميني في ايران على الخليج العربي وانتهاءً بموانئ طرطوس واللاذقية وميناء طرابلس وبيروت على البحر المتوسط.

تصحيح الفهم المشوه امريكيا اتجاه العراق بات ضرورة ملحة : ما يجب على الكاظمي فعله 

     إن لم ينطلق الكاظمي في زيارته الى الولايات المتحدة الامريكية من منطلق عزل العراق عما تريده الولايات المتحدة من ايران، لن يكون هناك قيمة حقيقية لهذه الزيارة ،على الكاظمي  التركز على هذه النقطة وان لا يعود بدونها كما عليه ان يقنع ترامب والإدارة الامريكية بشكل كامل بان العراق لا يمكن له ان يبقى جسراً للصراع الامريكي الايراني بهذا الشكل ولصراعات دولية تدخل فيها الصين والولايات المتحدة كذلك.
      واضح جداً حجم الصراع الامريكي الايراني في العراق وحجم التشوه الموجود في المنطقة وكذلك من الواضح ان مهمة الكاظمي شبه مستحيلة لكن على الكاظمي معرفة ان هناك هامش له للمناورة يمكن ان يتحرك عبره وان ينميه ويوسعه مع الايام والأحداث من اجل تعزيز وضع الدولة العراقية، ما لم يستطع تحييد هذا الصراع الخارجي في العراق لن يستطيع فعل اي شيء في مشروع بناء الدولة الذي يتبناه.
     كما ولن تكون هناك قيمة تذكر للقاء مع ترامب يوم 20 من اغسطس 2020 ما لم يُقنع الكاظمي ترامب ان العراق لا يمكن له ان يبقى بهذا الوضع، كما على الكاظمي معرفة ان الادارة الامريكية غير مهتمة حتى الان بان يكون هناك عراق قوي متماسك، لهذا تكمن مهمة الكاظمي بالتحديد في صنع هذا الاهتمام في المدرك الأمريكي،  لأنه ببساطة وضع العراق الحالي كنصف دولة يساعد كثيراً في توظيفه امريكياً من اجل مساومة ايران وصنع توازن باتجاهات ثانية في المنطقة، لا بل ان وضع العراق الحالي كذلك يساعد في توظيفه ايرانياً من اجل مساومة الولايات المتحدة. لذا على الكاظمي ان يدرك بان مهمته ستكون منصبة على اقناع الطرف الأمريكي على مساعدته في تصحيح انحراف التجربة العراقية، ومساعدته في مساعي تحجيم قوى اللادولة التي بدت تستفحل في العراق على نحو يهدد الدولة ومسار بناءها بشكل مباشر.
     ان لم يستطع الكاظمي اقناع ترامب بان تكون هناك علاقات عراقية امريكية محترمة بمعزل عما تريده الولايات المتحدة من ايران فقط،  وان يصحح الكاظمي هذا التشوه في الرؤية الامريكية اتجاه العراق، فربما لن  يكون هناك قيمة للزيارة يمكن الحديث عنها لصالح العراق بقدر ما ستكون الزيارة لصالح الولايات المتحدة فقط ولمشروعها في الشرق الاوسط.
كما وانه من الضروري ان تعلم الادارة الامريكية بان اعادة توجيه علاقات العراق مع ايران هو شان عراقي خالص ولا يمكن ان يكون هناك توجيه امريكي يتعلق بقطع او تحجيم هذه العلاقات مع ايران لمجرد ان الادارة الامريكية تريد ذلك ، لذلك فان على الكاظمي ان يقنع الإدارة الامريكية مستغلا صراعها مع طهران، ان العراق يحتاج لضمانات حقيقية من الولايات المتحدة تقدم للعراق وتدعمه كدولة وتقويه كمؤسسات قبل ان تطلب الولايات المتحدة شيء يتعلق بتحجيم العلاقات مع ايران. لهذا على الكاظمي، وان يوصل رسالة تلفت النظر الى المصلحة العراقية في العلاقات الامريكية- الإيرانية. وان تكون هناك رؤية عراقية لدور عراقي براغماتي في هذا الصراع المتصاعد.

بالعودة للمعلن في الزيارة بين بغداد وواشنطن

     بالعودة للمعلن من الزيارة والذي سيتضمن بكل تأكيد نقاشات مباشرة بين الجانبين تتعلق بإبقاء القوات الدولية والأمريكية في العراق ، ويتوقع ان يتم التركيز على اطار وجهود التحالف الدولي بالدرجة الاساس مع تقليص طرح موضوع القوات الامريكية ، حيث ان عبارة القوات الدولية غير مستفزة بشكل كبير في العراق بالنسبة للفصائل الموالية لإيران بقدر ما ان تسمية القوات الامريكية هو المستفز ، لهذا ولغرض تقليل الضغط عن الكاظمي امريكياً ، يتوقع ان تقلص الادارة الامريكية عدد قواتها ضمن جهودها الفردية مع تعزيز ادوارها ضمن جهود التحالف الدولي بالقدر الذي سيؤدي لتقليل الضغط عن الكاظمي ، حيث لا يؤشر في الاستراتيجية الامريكية حتى الان رغبات واضحة بالانسحاب من العراق ، وحتى وان حدث ذلك فلن يكون انسحاب كامل بقدر ما ستذهب القوات الدولية ومن قبلها الامريكية لكوردستان وبعض المناطق السنية والسفارة الامريكية في بغداد.
     بالإضافة لكل ذلك ، يتوقع ان يسهم ترامب في تطوير علاقات العراق بعض الشيء مع الجانب السعودي والخليجي بشكل عام لتقليل الاعتماد العراقي على الطاقة الايرانية في مجال الكهرباء والغاز وكذلك في مجال المواد الاستهلاكية والصناعية ، غير ان ما لا يدركه ترامب بان هذا الموضوع لا يمكن له ان يكون امر واقع في العراق " اعني عمليات تقليص الاعتماد على ايران" ، كما يوجد عقبات عديدة تقف باتجاه تطوير العلاقات العراقية مع محيطه العربي وغير العربي من غير ايران ، اذ يسعى حلفاء ايران في العراق على عرقلة وإيقاف لا بل تدمير اي جهود تضر بالمصالح الايرانية في العراق تتعلق بإقامة علاقات مع محيطه العربي وغير العربي. هذه النقطة لا تركز عليها الادارة الامريكية بشكل بارز ، بل لا يوجد في استراتيجيتها طريقة ناجحة لصناعة عراق قوي اقليمياً من شانه ان يقف بوجه ايران ، لهذا لا يتوقع ان يكون هناك نجاح واضح بالنسبة لحل ملفات الاقتصاد والطاقة بقدر ما سيكون هناك تنسيق يتعلق بالجهود العسكرية الدولية والأمريكية فقط والتي تتعلق بقدرة الولايات المتحدة على تحقيق ردع عسكري مباشر داخل العراق للجانب الايراني.
لكن يبدو ان احد ابرز الملفات التي ستكون على الطاولة هو الدور الواضح للمليشيات الولائية في السياسة العراقية، وتصاعد الاغتيال السياسي الذي تستخدمه هذه المليشيات، وحتى تهديدها للمصالح الامريكية في العراق بشكل مستمر، ستسعى الإدارة الامريكية الى تحجيم دور هذه المليشيات، وهي تتماها مع رغبة الكاظمي الذي يجد نفسه مكبل اليدين حيال تلك المليشيات، وربما سيكون ذلك مفتاح لدعم امريكي كبير للكاظمي وتقوية سلطاته، لكن من غير ان يكون للكاظمي رؤية واضحة في بناء توزانات في منطقة هائجة بالتفاعل، وأدوات حكومية هشة فان الدعم الأمريكي لن يكون فعالا في تعزيز سلطته، في ترميم مشروع الدولة وإنقاذ العراق من أزمات محدقة تهدد كيانه.