الخطوات العسكرية اللازمة للقضاء على فلول داعش في العراق

تقدير موقف

اللواء الركن/ م. ماجد القيسي
About

مدير برنامج الامن والدفاع ودراسات مكافحة الارهاب في مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية


من المؤكد أن التنظيمات الإرهابية في كل مكان بارعة في استغلال الارتباك والفوضى لتعزيز أهدافها الأيديولوجية، وفي العراق، تشير خريطة العنف في البلاد عن نشاط مسلح متنام عند ضواحي المدن التي احتلها تنظيم داعش سابقا  وتحديداً في جنوب وغرب الموصل وصلاح الدين وكركوك والأنبار، وغالبية هذه الضواحي مطلة على مناطق جغرافية صعبة، بعضها وعرة تكتنفها سهول وهضاب وأخرى صحراوية شاسعة كما هو الحال في الأنبار، وبعد هزيمته عسكرياً, فإن تنظيم داعش لم يعد يسيطر على أية منطقة مأهولة اليوم، لكن هذا التنظيم لم يفقد قوته المزعجة بعد في العراق فعناصر تنظيم داعش قد انسحبوا إلى المناطق الجبلية أو الصحراوية، وبالتالي فهم يتحصنون في مناطق يصعب على قوى الأمن الوصول إليها، بالرغم من مرور ثلاث سنوات على تحرير المدن وهزيمة التنظيم عسكريا، هناك عديد من الأسباب التي أدت الى تنامي التصعيد في الهجمات التي يشنها داعش بعضها سياسية اثرت على اداء القوات وأخرى عملياتية بعد تعليق نشاط التحالف لشهرين، وانتشار فايروس كورونا والذي اثر كثيرا على انفتاح القوات وسحب بعض دول التحالف لقواتها من العراق  مثل بريطانيا وفرنسا. 

 مناطق تحت دائرة الخطر

تتركز المساحات التي ينتشر بها خطر التنظيم وفلوله في المناطق الجغرافية الاتية: 
1-  مناطق جنوب وغرب الموصل.
2-  شمال وغرب صلاح الدين وجنوبها.
3-  غرب كركوك وجنوبها. 
4-  شمال وشرق ديالى.
5-  سلسلة جبال مكحول وحمرين .
6-  المناطق المحيطة بحوض العظيم ومطيبيجة.
7-  بادية الانبار والمناطق القريبة من الحدود.

تشكل هذه المناطق المسرح المناسب لتنظيم داعش، لأنها توفر له الاختباء والتنقل وخصوصا تلول مكحول وحمرين والتي تسيطر على مدن قريبة رئيسية كما و تربط مناطق صحراوية وهضاب وعرة ويمر فيها اهم طريقين استراتيجيين يربط بغداد بالموصل وكركوك ومن ثم أربيل.

أسباب تنامي هجمات داعش

على مدار الأيام الماضية، نفذ تنظيم داعش عددا من الهجمات على مواقع عديدة في المدن العراقية، فقد نفذ التنظيم في الأيام الأخيرة هجمات في محافظة صلاح الدين وشمال وشرق ديالى و جنوب الموصل
لكن أكثرها دموية، الهجوم الذي وقع يوم الجمعة الماضية، وراح ضحيته 10 مقاتلين من قوات الحشد العشائري  في منطقة مكيشفية في صلاح فقد زادت وتضاعفت هجمات التنظيم خلال شهر أبريل ونفذ ١٥٠هجوما في هذا الشهر وحده.
ان هجمات التنظيم أصبحت معقدة ومميتة وأصبحت تنفذ بطرق معقدة كما حدث في هجوم مكيشيفة ان اهم الأسباب وراء تنامي هجمات داعش:

1- استغل تنظيم داعش  تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران وانسحاب التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن من خمسة مواقع عسكرية في العراق، ورغم ان واشنطن تمتنع عن تقديم الدعم الى الحشد الشعبي والتي تعتبر فيه تشكيلات موالية الى ايران وتأتمر بأمر فيلق القدس الإيراني، الا ان انتشار القوات الامريكية سابقا على مساحة واسعة من العراق بحد ذاته  كانت كافية لردع التنظيم بالقيام بعمليات ارهابية كبيرة ومعقدة. 

2- الفراغ المعلوماتي والعملياتي

انسحاب القوات الامريكية والتحالف من قاعدتي القيارة جنوب الموصل، و K1 جنوب كركوك، والتي كانت تغطي مناطق جنوب الموصل الى جنوب تكريت والعظيم والحويجة بالرصد والمراقبة، بالإضافة الى قيامها بالعمليات مع القوات العراقية احدث فراغ عملياتي وشحة بالمعلومات أصبحت المنطقة مكشوفة أمام تحركات عناصر داعش، واستطاع تجميع بعض القدرات فيها وتنامت عملياته وهي الان اكثر منطقة تتعرض للهجمات مقارنة بباقي مناطق العراق الأخرى وبمقارنة على سبيل المثال مع الانبار فأن التنظيم مقيد ولا يتمكن من تجميع عناصر القدرة رغم وجود خلايا وبؤر لديه في الصحراء لأنها معرضة للكشف والاستهداف من قبل القوات الامريكية والعراقية في قاعدة عين الأسد المجهزة بالتقنيات والطائرات من دون طيار.

المناطق التي يركز تنظيم داعش عملياته فيها بعد انسحاب وتوقف عمليات التحالف الدولي 


3. ضعف التنسيق

ركز التنظيم العمليات في المناطق البعيدة عن المدن وعلى الحدود الفاصلة بين قيادات العمليات والتي تعتبر مناطق رخوة لضعف التنسيق بين القيادات سهلت له القدرة على الحركة والضرب والعملية التي جرت في مكيشيفة نفذت في منطقة تقع على الحدود الفاصلة بين قيادة عمليات صلاح الدين وسامراء. 

4. التجانس بين القطعات
تعدد القطعات وطبيعتها المختلفة بين تشكيلات جيش وشرطة اتحادية وحشد شعبي وعشائري اثر على تنسيق الجهود والقدرة على التدخل السريع وتبادل المعلومات وخلق ترهل بيروقراطي في اتخاذ القرارات وخصوصا في المواقف المفاجئة والمباغتة.

كان للحشد الشعبي دورا كبيرا في تحرير الأراضي ودحر داعش وتعمل قواته تحت مسميات مختلفة رغم انها تشترك بهدف واحد لكن تختلف في مرجعيتها، وان كانت تعمل تحت مظلة هيئة الحشد الشعبي، البعض منها مرجعيته النجف وأخرى على خط السيد مقتدى الصدر وقسم الاخر  مرجعيته ولاية الفقيه في ايران كما ان لبعضها حضور كبير في الساحة السورية مما شكلت خلافات واضحة حول دورها الذي تشكلت بموجبه، عندما قامت بأدوار عابرة للحدود وضعت نفسها في مواجهة امريكا 
فعلى الرغم من وجود هيئة الحشد الشعبي ولاتزال هذه التشكيلات  الخاضعة لها عبارة عن كيانات مستقلّة ذاتيّاً، وأحياناً، تنشب خلافات بينها وبين الدولة أو بين بعضها البعض مما يؤثر على ادائها وربما تخرج قسم من التشكيلات لترتبط بجهات اخرى مثلما فعلت فرقة العباس القتالية وفرقة الإمام علي القتالية وانصار المرجعية ولواء علي الأكبر عندما فكت ارتباطها بالحشد لترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة 

6- الانتشار 
تنتشر القوات الامنية في المدن الكبير وركزت خططها على مراكز المدن ولكنها لم تغطي الضواحي والمناطق المفتوحة  بالكامل لأسباب عسكرية منها صعوبة توفير قوات أمنية برية كافية لتحقيق تغطية شاملة للمناطق البعيدة والاكتفاء بنشر نقاط غير قادرة على تأمين التبادل بالرصد والنيران وقلة العنصر الاستخباراتي والوسائل المتطورة في مراقبة هذه المناطق.

7- الجغرافية
بعد عمليات التحرير والقضاء على تنظيم داعش عسكريا فأن قسم من  مقاتلي تنظيم داعش قد انسحبوا إلى المناطق الجبلية أو الصحراوية، وبالتالي فهم يتحصنون في مناطق يصعب على القوات الأمنية  الوصول إليها، رغم الكثير من العمليات التي قامت بها، ولكن يدرك التنظيم ان هذه المناطق لا يمكن مسكها من قبل القوات والاحتفاظ بها للتعقيدات الجغرافية وبدأ بعد خسارته للمدن الانتقال الى هذه المناطق وانتقل الى استراتيجية ( تشكيل البؤر ) في المناطق النائية والتي قد تحوي مخابئ لأسلحة دفنها هناك،  ويكاد لا يمر أسبوع من دون أن تعلن القوات الامنية من العثور  على أسلحة فيها.

أهداف عمليات داعش


يحاول داعش تحقيق أهداف من خلال التصعيد بهجماته الارهابية ومنها: 
1-  تحقيق موطئ قدم له في بعض المناطق وخصوصا الطرفية والواقعة بعيدة عن المدن لتكون قواعد متقدمة له
2-  استنزاف القوات الامنية و شن الهجمات في عدة مناطق وفق استراتيجية حرب العصابات باستخدام المفارز الصغيرة.
3- محاولة التقرب من المدن الكبيرة وخلق بيئة أمنية غير مستقرة حولها وقطع الطرق التي تربط المدن. 
4- يحاول اعادة التفوق النفسي لعناصره بعد مقتل أبو بكر البغدادي وخسارة المدن والأراضي التي كان يحتلها.
5-  اعادة عامل الشك وعدم الثقة لدى المواطنين بقدرة القوات الامنية لحماية المدن وإدامة الاستقرار
6-  يحاول التنظيم وخصوصا في المناطق النائية والبعيدة بناء حاضنة منسجمة معه او حاضنة منتجة للإرهاب مستغلا ظروف الصعبة لهذا المناطق والفقر والبطالة.
7-  يستهدف تنظيم داعش اللعب بالورقة الطائفية في المدن المتعددة الطوائف والمذاهب  وهي استراتيجية اتبعها الزرقاوي عام ٢٠٠٥ لخلق انقسامات تؤدي الى خلافات وفوضى يستفاد منها 

تكتيكات داعش

أدت تجربة داعش السابقة الى خسائر جسيمة بقوته الصلبة وتمويله، والى خسارة قيادات كبيرة وأبرزهم ابو بكر البغدادي، ونتيجة لذلك عمد الى اتباع التكتيكات الاتيه: 
  1-  الشروع في عملية التحول الى تكتيكات الحروب الهجينة والعودة الى التخفي والانعزال  بعيدا عن المناطق الحضرية الى المناطق الزراعية والقروية والمفتوحة  والصحراوية والوعرة ومغادرة فكرة ارض التمكين والقتال وفق بيعة الموت.
 2-  الاعتماد  على مجموعات مقاتلة صغيرة مرنة ولها قدرة حركة لا تتعدى  عشرة عناصر. 
3-   الالتحام المباشر مع المدافعين وعلى بقع جغرافية صغيرة كما حدث في منطقة مكيشيفة والتملص من مواجهة قوات عقائدية متفوقة عددياً  بشكل مباشر مثل الحشد الشعبي. 
4. الخلايا النائمة ومحاولة شراء الوقت كي تتمكن من تنفيذ عمليات داخل المدن ورغم انه لم يؤشر على عمليات قامت بها هذه الخلايا لكن تبقى عنصر مفاجئة واحتياط ومصدر للمعلومات. 
5. اعادة النشاط لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعي فقد اشرت تفعيل مواقع قديمة واستحداث اخرى جديدة من اجل تحريك الآلة الإعلامية له. 


الخطوات العلاجية اللازمة 


ينبغي على أجهزة الامن العراقية  التكيّف مع التكتيكات الجديدة لتنظيم داعش والتي حقّقت نجاحات في استعادة أراضٍ  ومدن من التنظيم، وأن تعدّل بالمثل نهجها كي تحافظ على ميزة التفوق والاحتفاظ بالمبادأة، وفي سبيل ذلك فان عليها ان تفعل التكتيكات الاتية: 
1. اعادة توزيع الموارد العسكرية بما يتناسب مع التهديدات الارهابية وخصوصا في المناطق التي تتنامى فيها عمليات التنظيم.
3. القيام بإدامة زخم عالي من العمليات العسكرية ضد ما تبقى  من عناصر داعش والتركيز على العمليات الخاصة النوعية.
4. اعادة النظر بقيادات العمليات لعدم وجود تجانس في عديد القوات ونوعها وتعدد مرجعيتها. 
5. وضع خطط من المقرات الأعلى لتغطية الحدود الفاصلة وتحديد المسؤوليات لأنها دائما ما تكون الحدود الفاصلة مناطق رخوة ومقلقة.
6. اعادة تفعيل عمل قوات التحالف الدولي  واستئناف العمليات والمتوقفة لمدة ٦٠ يوم لدعم القوات العراقية بالمراقبة والرصد والاستطلاع والضربات الجوية.
7. توحيد جهود وكالات الاستخبارات العاملة وان تكون ذات مرجعية محددة لتجاوز الترهل البيروقراطي في التعامل مع المعلومات وتوزيعها والتي تؤدي في بعض الأحيان الى تنافس هذه الوكالات لاحتكار المعلومات. 
8. ادخال تقنيات المراقبة والرصد والاستطلاع مثل الطائرات المسيرة والكاميرات الحرارية لتغطية المناطق التي يصعب مسكها مثل الصحراء او الحدود الفاصلة ومراقبة الطرق الرئيسية. 
9. تشكيل احتياطات في قواطع العمليات تمتاز بالتسليح الجيد وذات قابلية حركة عالية، وان تكون بجاهزية عالية يستخدمها القادة للتدخل بسرعة لحسم المواقف المباغتة وتدمير عناصر داعش ومنعها من تحقيق أهدافها. 
10. مسك الحدود بقوة مع سوريا وتعزيز قوة الحشود العشائرية القريبة من الحدود لان الأزمة السورية المستمرة مع وجود ١٢ الف من عناصر داعش معتقلين لدى قوات سوريا الديمقراطية بدون وضع حلول لملفهم من قبل دولهم، وسوف يشكلون خطرا على العراق سيما وان هناك محاولات لكسر السجون لهروب عناصر التنظيم مثلما حدث في الشهر الماضي في سجن غويران جنوب الحسكة .
11. ويبقى الأمر الذي يشكل قلقا بشكل خاص هو التعزيزات اللوجستية التي تعمل بها الخلايا داعش بعد تدمير كل امكانياتها وبنيتها التحتية،  ومعرفة من أين تأتي تلك التعزيزات واين عمقها الاستراتيجي واين تقع مقرات التحكم والسيطرة ومضافاتها. وهذا يمكن مراقبته وتتبع الدعم اللوجستي عن طريق العمل الاستخباري المكثف ومراقبة عمل الشركات والمناطق التجارية ومكاتب التحويلات المالية والقيام بالتدقيق الأمني. 
12. إن إحدى النتائج  التي يمكن أن يسفر عنها تزايد التوتر بين واشنطن وطهران  والتدخلات الخارجية هو انتعاش الهجمات الارهابية وبعد تشكيل حكومة الكاظمي من الممكن ان يركز الحوار الاستراتيجي بين واشنطن وطهران في حزيران القادم على مناقشة هذه التوترات والتدخلات وتجنب العراق ان يكون ساحة صراع بينهم ولمنع تنظيم داعش من استغلال هذا الصراع للبروز مرة اخرى 
13. من الضروري أن يبقى للولايات المتحدة وجود عسكري في العراق، مهما كان متواضعا، لضمان هزيمة تنظيم داعش بشكل نهائي، فالقوات العراقية لازالت  تحتاج الى الدعم والتسليح والتجهيز والذي يشكل ٨٠٪؜ منه امريكي وغربي وحتى الفصائل التي تعادي امريكا وترفض وجود قواتها في العراق عليها ممارسة العقلنة السياسية وفق قاعدة ( خذ من عدوك ما ينفعك، وكن منه على حذر ).
14. العمل الجدي لإعادة النازحين الى مدنهم والعمل على إعمار المدن المحررة كي لا يصبح هؤلاء فريسة للتجنيد من قبل تنظيم داعش، وعلى الحكومة ان تضع في أسبقيات منهجها اعادة النازحين.

أخيرا فان القوات العراقية من خلال التجارب السابقة هي اليوم أقوى من قبل ولديها القدرة على تدمير تنظيم داعش لكنها ايضا مطالبة بتغير او تطوير الاستراتيجيات كي تحافظ على ميزة التفوق وسوف يكون هناك مضاعفات لقوتها لو تم العمل على دمج القوات الموازية لها ضمن تشكيلات الجيش والقوات الأمنية، وهذا سوف يوفر الاقتصاد بالجهد ويقلل تعقيدات القيادة والسيطرة ريسهل ادارة القوات تحت قيادة موحدة، مع مراعاة الطاقة الاستيعابية للجيش وفق الاستراتيجية العسكرية.