الحرب الصامتة

انفجارات ايران وتداعياتها على مسار الصراع الأمريكي الإيراني

اللواء الركن/ م. ماجد القيسي
About

مدير برنامج الامن والدفاع ودراسات مكافحة الارهاب في مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية



         ضربت ايران سلسلة من الانفجارات والحرائق التي طالت منشآت عسكرية ونووية، وبدى الارتباك واضحا على طهران، التي تبحث عن تبريرات لما يحدث، ففي انفجار منشأة نطنز وهي منشأة نووية تقع في اصفهان كان الارتباك الايراني واضحا، حيث صدرت تصريحات صحفية متضاربة، ولكن الثابت في الأمر أن الحريق الذي تسبب فيه انفجار بمستودع بالمنشأة سببت ضررا جسيما سيثبط من برنامج إيران النووي، خاصة وأنها تقوم بتجميع وتحضير أجهزة الطرد المركزي المتطورة والتي تتيح لها عملية تسريع وصولها للعتبة النووية.
  تحاول طهران إلقاء اللوم على إسرائيل أو الولايات المتحدة أو بتنسيق مشترك بينهما، وهو ما يظنه كثير من الإيرانيين، و لا يقلل أيضا المسؤولون الإسرائيليون من زخم هذه الرواية، إذ أنه عندما سئل وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس عن الأمر أجاب "ليس كل حادث يقع في إيران له علاقة بالضرورة في إسرائيل"، فيما قال وزير الخارجية غابي أشكنازي "لا يمكن السماح لإيران بامتلاك قدرات نووية"، وهو ما يعني بعدم النفي بشكل قطعي بوجود علاقة وأن كل الخيارات ممكنة. 
الانفجارات حدثت في مناطق شرق وغرب طهران في قواعد عسكرية يعتقد انها جزء من برنامج ايران الصاروخي واخرى ضربت مواقع في مؤسسات صحية ومواقع توليد الكهرباء في الاحواز. 

الاتهامات التي تحوم حول إسرائيل


بدأ الصراع الايراني الامريكي الاسرائيلي يشهد تنامي بعد قرار ايران بزيادة الانشطة النووية، ردا على العقوبات الامريكية وخروج واشنطن من الاتفاق النووي المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة وتعتبر خطوة ايران  الخامسة في إطار سياسة خفض التزاماتها النووية برفع نسبة تخصيب اليورانيوم  في مقارباتها لمواجهة استراتيجية الضغط القصوى الامريكية وموقف الدول الاوروبية من فض الخلافات حول برنامجها النووي. 
ووفق هذا السياق واعتبار المقاربة الايرانية بإعادة نشاطاتها النووية سوف تشكل تهديدا كبيرا تجاه إسرائيل، صدرت عدة اشارات من تل ابيب  بانها قد تكون وراء العمليات التي تشهدها المنشآت الإيرانية: 
1. إشارة صحيفة الشرق الأوسط الى أن مسؤولا في الاستخبارات في الشرق الأوسط ذكر لصحيفة نيويورك تايمز -دون الكشف عن هويته- أن إسرائيل هي المسؤولة عن الانفجار القوي الذي لا يزال غير معروف الأصل بدقة.
2. انتقد وزير الدفاع الإسرائيلي السابق أفيغادور ليبرمان هذا التصريح، ونسبه إلى رئيس الموساد يوسي كوهين، دون تسميته بصراحة، وقال إنه يجب إسكات هذا المسؤول.
 ٣. وبموجب السياسة الإسرائيلية المعروفة بعدم إنكار مثل هذه المعلومات أو تأكيدها رسميا، اكتفى وزير الخارجية الإسرائيلي غابي أشكنازي يوم الأحد الماضي بالقول إن هدف إسرائيل هو منع إيران من تطوير سلاح نووي، وإنها لذلك كانت تقوم "بأعمال من الأفضل عدم الحديث عنها".
4. وفي السياق نفسه، أعلنت إسرائيل  أنها أطلقت قمرا صناعيا جديدا للتجسس قادرا على تحسين مراقبتها أنشطة إيران النووية.
٥. قال موقع ستراتفور الأميركي إن إسرائيل مسؤولة على الأرجح عن الانفجار والحريق الذي نشب في منشأة نطنز النووية الإيرانية في 2 يوليو/تموز الجاري، وربما عن حوادث أخرى مماثلة وقعت بالقرب من طهران على مدى الأسبوعين الماضيين، ومنها تفجير مجمع خوجير الصاروخي في منشأة بارشين العسكرية شرق طهران في 26 يونيو/حزيران الماضي.
ويؤكد الموقع أن تل أبيب رغم أنها لا تعلن صراحة عملياتها السرية ضد إيران، فإن التاريخ والدافع يجعلانها الفاعل الأكثر احتمالا للقيام بمثل هذه العمليات "التخريبية" ضد البنية التحتية والمنشآت الإيرانية.

6. الضربات الوقائية استراتيجية إسرائيلية طبقها مناحيم بيغن في العراق عندما دمرت المفاعل النووي العراقي عام ١٩٨١ وايضا في سوريا عام ٢٠٠٧ عندما هاجمت المفاعل السوري في صحراء دير الزور، اسرائيل تطبق عقيدة (  بيغن ) الذي أعلن صراحة بعد تدمير المفاعل العراقي بعملية اوبرا ( أن الهجمة ليست حالة شاذة، وإنما سابقة لكل حكومة مقبلة في إسرائيل )أضافت هجمة إسرائيل الوقائية لمكافحة الانتشار بُعدًا آخر لسياستها القائمة التي تتمثل بالغموض المتعمد، إذ أنها تتعلق بالقدرة النووية لدول أخرى في المنطقة.

سيناريوهات الهجوم:


اذا صحة التقارير بان إسرائيل تقف وراء سلسلة الهجمات فأنها من المحتمل ان تستخدم مسالك محتملة للهجوم أهمها: 

.الهجوم السيبراني:

تحمل فرضية الهجوم السبراني على المواقع الإيرانية العديد من المؤشرات التي تدعمها بقوة على بقية الخيارات التي وهي:  
- تزامنت هذه الهجمات مع اطلاق اسرائيل قمر تجسس لمراقبة انشطة ايران النووية  سُمي "أوفيك 16"، ولمراقبة التهديدات العديدة في جميع أنحاء المنطقة.
- الهجمات الالكترونية شبيهة بفيروس ستوكسنت الأميركي-الإسرائيلي والذي تسبب بتدمير آلاف أجهزة الطرد المركزي في نتنز في عام 2010، حيث تم التلاعب بسرعة دوران أجهزة الطرد المركزي والتي جعلت العلماء الإيرانيين يعتقدون إنها مشكلة ناجمة عن خطأ بشري أو عطل في الأجهزة.
تقع منشأة نطنز في اصفهان وسط البلاد وعلى عمق ٨ متر تحت الارض وبمساحة ١٠٠ الف متر مربع وبإمكانها تشغيل ٥٠ الف جهاز طرد مركزي وهي اخطر المنشأت النووية الايرانية والتي تعرضت الى انفجارات في ٢ يوليو ٢٠٢٠
- كيوان خسروي، المتحدث باسم المجلس الأعلى للأمن القومي يؤكد أن بعض هذه الأحداث ومنها حادثة نطنز على الأقل، لم تكن حادثة عادية.
-  اشار المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الايرانية عباس موسوي  في ١٣ تموز احتمالات ان يكون وراء هجوم نطنز النووية كيان او دولة. 

صورة للاقمار الصناعية تبين حجم الضرر الحاصل في منشأة نطنز النووية التي احدثها الانفجار، الصورة عبر @Maxar 

. فرضية التسلل الجوي


تمتلك اسرائيل طائرات F35 الجيل الخامس وهي الاحدث في العالم، وتستطيع القيام بمهام التسلل الجوي لأنها تمتلك خاصية التخفي ومدى طيران ٢٢٠٠ كم  بخزانات الوقود الداخلية ولا تحتاج الى التزود بالوقود ضمن هذه المسافة، 
بيد أن استخدام طائرات F35 لضرب منشأة نطنز والتي تبعد عن اسرائيل بحدود ٢٠٠٠ كم وموقع خوجير في منشأة  بارشين  العسكرية المختصة بصناعة صواريخ شهاب الايرانية والتي تقع شرق طهران  وتبعد بمسافة ٢٠٠٠ كم ايضا عن اسرائيل  يحتاج الى دعم خارجي ضمن مسرح حرب الخليج، وهناك قواعد امريكية منتشرة في هذه المنطقة بإمكانها تقديم الدعم لهذه الطائرات ولكن فيها محاذير خطيرة سياسية وامنية متعلقة بدول الطوق الغربي لإيران والتي ترغب بالنأي عن الصراع الامريكي - الاسرائيلي الايراني 
وفي استخدام طائرات F35 من قبل اسرائيل عليها عبور اجواء عدة دول لتنفيذ هذه المهمة وهذا بالغ التعقيد بالنسبة لإسرائيل وفيها مخاطر اختراق سرية وكتمان العملية مما قد يولد رد فعل ايراني يستهدف هذه الدول وتوريطها في صراع يهدد امنها القومي.
ويجب أن نتوقّع رفض كل هذه الدول إعطاء مثل هذا الترخيص وذلك قياساً على رفض العديد منها وخصوصاً تركيا إعطاء الإذن للقوات الأميركية في عام ٢٠٠٣ لمهاجمة العراق بالرغم من كل الضغوط والإغراءات التي مارستها واشنطن عليها.
وتمثّل قضيّة الهجوم بمقاربة جوية  على إيران كدولة إسلامية من قبل اسرائيل مشكلة لجميع هذه الدول، ويصعب بالتالي تصوّر تجاهلها لمثل هذا العبور الإسرائيلي لأجوائها دون القيام بعمل ما سياسي أو عسكري، وما ينطبق على تركيا ينطبق على السعودية وحربها مع الحوثيين والقاعدة  في اليمن  لا يسمحان تحت أية ظروف إعطاء أية تسهيلات للهجوم على إيران، سواء كان الهجوم إسرائيلياً أو أميركياً.
وإذا تغاضى الأردن عن عبور الطائرات الإسرائيلية لأجوائه، فإن عليها المرور في الأجواء العراقية للوصول إلى إيران، والتي تسيطر عليها القوات الأميركية، وإن مثل هذه الموافقة الأميركية ستزيد من المعضّلات التي يواجها الوجود الأميركي داخل العراق، حيث يمكن أن تنضم كل القوى الشيعيّة العراقية الخاضعة للنفوذ الإيراني او الغير خاضعة إلى المقاومة لمواجهة القوات الامريكية في العراق  سيما وان المطالبات بإخراجها بدأت داخل البرلمان.


- الفرضية الثالثة: 


اعلنت جماعة تطلق على نفسها (فهود الوطن) تعمل داخل ايران مسؤوليتها عن الانفجارات التي حدثت في ايران وهي جماعة تكاد تكون غير معروفة سابقا. الا ان هذا الإعلان يبدو غير متماسك اذ  تمتاز المنشآت العسكرية الاستراتيجية الايرانية بحماية ويصعب الوصول اليها واختراق المنظومات التي تحيط بها من قبل افراد او جماعة كما وان اختراق منظومة الامن وتجنيد بعضها للعمل امرا صعبا بالنظر لان هذه المنشأت خاضعة للحرس الثوري الايراني والذي يدين بالولاء الكامل لمرشد الثورة الاسلامية كما وان المعارضة الايرانية غير فعالة داخل ايران وحضورها ضعيف ولهذه الاسباب فأن اعلان فهود الوطن مسؤوليته عن هذه الانفجارات والحرائق لا يمكن الاخذ به او تصديقه لعدم تقديم ادلة وبالنظر لان هذه الانفجارات حدثت في مواقع استراتيجية بعضها تحت الارض وبعيدة عن التجمعات السكانية والحركة منها واليها مقيدة بشكل.

تردد إيراني


ان عدم الوضوح الإيراني في تفسير سلسلة الانفجارات رغم صدور بعض المؤشرات من طهران من خلال تصريحات المتحدث الرسمي باسم الخارجية الايرانية والمتحدث باسم المجلس الاعلى للأمن القومي الايراني  بانها عمليات خارجية ويعزو عدم وضوح ايران الى: 
-  الاحجام عن الانخراط في تصعيد عسكري، حيث يرى رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية السابق عاموس يدلين أن "مشكلة الإيرانيين هي أنهم لا يرغبون في التصعيد قبل الانتخابات الأميركية" المقرر إجراؤها في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
- أن إيران مقيدة بأزمة اقتصادية غير مسبوقة تحت تأثير العقوبات الأميركية ووباء فايروس كورونا والمخاوف من استفزاز القوات الأميركية في فترة ما قبل الانتخابات.
-    أن اي رد  من قبل ايران  يمكن أن تستفيد منه الولايات المتحدة، مما قد يجبر الأوروبيين على تأييد الولايات المتحدة الامريكية خصوصا وان العلاقة مع ايران لا تتسم بالإيجابية فضلا عن الضغوط التي تمارسها واشنطن على حلفائها الأوروبيين لتغير موقفهم تجاه ايران بشكل كامل.
-  تسعى ايران الى هدف هو رفع العقوبات وليس التصعيد العسكري الذي قد يكلفها الكثير وخصوصا وان مهلة العقوبات من مجلس الامن تنتهي في اكتوبر القادم.


تفجيرات ايران : تغير قواعد اللعبة


ان الهجمات الأخيرة قد تعبر عن تغير واضح في قواعد اللعبة ويعود ذلك لعدة مسارات: 

ـ ضربات سرية

  تعتبر هذه الضربات السرية تغيرات استراتيجية للواقع الراهن وتغيير في التكتيكات المتبعة،  حيث ان هذه التطورات سوف تغيير في مسارات الصراع الايراني من جهة والامريكي الاسرائيلي من جهة أخرى،
وإن الاستراتيجية الجديدة  الأميركية -الإسرائيلية سوف تواصل التطور إلى ضربات سرية لا ترقى إلى الحرب الشاملة وصعبة الاثبات  على ايران وسهلة الانكار من قبل واشنطن وتل ابيب.

صور الاقمار الصناعية التي تبين حجم الانفجار في قاعدة الصواريخ في خوجير في ايران والتي تظهر مبنى مدمر بالكامل الصور @Maxar



-       استهداف العمق


شهد الصراع الامريكي الاسرائيلي مع ايران طيلة السنوات الماضية نمط حرب الوكلاء في ساحات وجغرافية مجاورة لإسرائيل وايران ، والتصعيد بينهم كان يجري في الساحة العراقية والسورية وكانت الولايات المتحدة تستغل المنطقة الحرجة لأمن اسرائيل وتدفعها لشن هجمات على اهداف ايرانية داخل سوريا والعراق ، وايران كانت تستخدم ادوات خارجية من شبكة وكلاء سرية واخرى معروفة للقيام بوظائف استراتيجية من خلال الهجمات التي طالت المصالح والقوات الامريكية في العراق  
الاستراتيجية الجديدة الامريكية الإسرائيلية تحولت الى عمق ايران ضد مواقع استراتيجية عسكرية متعلقة بأنشطة نووية وبرامج صاروخية. 
ايران وحتى لا تبدو ضعيفة سوف تقوم بالرد   باستخدام هجمات الكترونية على مواقع اسرائيلية وهو متوقع من تل ابيب وسبق وان قامت ايران قبل شهرين بهجوم الكتروني استهدف محطات المياه الإسرائيلية في 24 أبريل الماضي، وتسبب في توقف مضخة في شبكة مياه بلدية في منطقة شارون عن العمل. 
ووجدت شركة أمنية تحقق في الحادث أن البرامج الضارة التي تسببت في الحادث جاءت من أحد مواقع الإنترنت التابعة للحرس الثوري الإيراني، وردت اسرائيل باستهداف ميناء رجائي، وأنها قد تكون وراء مقتل 19 جندي إيرانيا بالخطأ بين سفينتين إيرانية أثناء مناورة بحرية، كما وهناك احتمال كبير بتوجيه الفصائل الموالية لإيران لشن هجمات على مصالح الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها في المنطقة. 
وقد يشهد العراق موجة من الهجمات التي تقوم بها مجاميع مسلحة ضد مصالح الولايات المتحدة الامريكية، 
كما في اليمن من المحتمل قيام الحوثيين بزيادة جرعات القصف الصاروخي داخل السعودية وهو سيناريو مكرر عندما يتنامى الصراع الامريكي الإيراني. 


بالمحصلة سوف تعتمد اسرائيل على الحرب السيبرانية وتضاعف هجماتها الالكترونية ضد المواقع الاستراتيجية الايرانية في العمق،  وتحاول خلال الاشهر الاربعة القادمة قبل الانتخابات الامريكية استهداف اكبر ما يمكن من هذه المواقع بالمقاربة السيبرانية لأنها تؤمن المباغتة والمفاجئة وسهولة انكارها وكذلك تأثيرها الكبير حيث يتوقع ان تتعطل منشأت نطنز النووية لمدة عامين للعودة الى العمل بفعل تدمير الجزء الخاص بأجهزة الطرد المركزي، 
لقد عملت اسرائيل منذ عقد من الزمان على تطوير الحرب عبر الفضاء الإلكتروني وهو البعد الخامس الجديد للحرب في القرن الحادي والعشرين، وهذا يعني ان الصراع الإيراني الأمريكي الإسرائيلي قد دخل حيزا جديدا بكل المقاييس.