اغتيال زاده وخيارات إيران المعقدة

الرد أم الانتظار

فراس الياس
عن الكاتب

مدير برنامج الدراسات الايرانية في مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية


        مرت ثلاثة أسابيع على عملية اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده، وهي عملية وجهت أصابع الاتهام فيها لإسرائيل، بسبب كونها المستفيد الأول من ورائها، كما إنها وحسب العديد من التقارير الاستخبارية التي صدرت فيما بعد، كانت قد سعت لاختراق هذا العالِم منذ عام 1993، عبر العديد من المحاولات، حتى نجحت في 27 نوفمبر الماضي بتصفيته في شرق العاصمة طهران، في عملية لم تستطع الأجهزة الأمنية والاستخبارية الإيرانية الوقوف على تفاصيلها الدقيقة، أو إنها توصلت إليها، إلا إنها لا ترغب بمصارحة الرأي العام الإيراني بالخرق الأمني الكبير الذي أصابها، وتحديداً عندما يتعلق الأمر بصورة الحرس الثوري في الداخل.
       بعد هذه العملية صدرت العديد من التصريحات النارية، سواءً من قبل الحكومة الإيرانية أو قيادات الحرس الثوري، متوعدة من يقف خلفها بدفع الثمن، ورغم أنها لغة خشبية اعتادت عليها إيران بعد كل تحدي تواجهه، إلا إن الضربة الأخيرة يبدو إنها أثقلت كثيراً على إيران، وتحديداً المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، الذي وجد نفسه محاصراً بخيارات حرجة، قد تعقد العلاقات الأمريكية الإيرانية مستقبلاً، خصوصاً وإنه يتطلع إلى أن تقدم إدارة جو بايدن جديد يذكر على صعيد الاتفاق النووي، ومن ثم فإن التصعيد السياسي الذي أقدمت عليه إيران قبل أيام، عندما أقر مجلس الشورى الإيراني الخطة الإستراتيجية لرفع العقوبات، وتخليها عن التزاماتها النووية في نوفمبر 2020، في حال لم تقدم إدارة بايدن على رفع العقوبات خلال الشهرين المقبلين، هو خيار أكثر نجاعة لإيران حتى اللحظة، ما قد يضعف إمكانية لجوئها لتصعيد عسكري في الأيام المقبلة.

لماذا فخري زادة دون غيره؟

     يمكن القول بدايةً بأن فخري زادة هو الركيزة الأساسية للمشروع النووي العسكري الإيراني، بل إنه كان يمثل أمل خامنئي بأن يشهد القنبلة النووية الإيرانية قبل وفاته، ولهذه الأسباب حظي فخري زادة بعناية خاصة من قبل خامنئي، ووفر له كل مستلزمات النجاح، وهو ما أثبتته الوثائق المسربة بخط يده، بأنه كان يدير مشروعاً سرياً لإنتاج القنبلة النووية، وفي الوثائق التي حصلت عليها الاستخبارات الإسرائيلية بعد تنفيذها لعملية استخبارية ناجحة في داخل إيران عام 2018، وتمكنت من خلالها الحصول على 111 ألف وثيقة سرية خاصة بالمشروع النووي السري الإيراني (عماد)، الذي يديره فخري زادة، وشوهدت أدلة على تورط فخري زادة في تطوير إيران للأسلحة، بما في ذلك تسجيل صوته وهو يتحدث فيه عن خمس قنابل نووية، وضرورة إجراء اختبارات من أجل ذلك.
     وللتأكد من هذه الشواهد الاستخبارية، حاول فريق الوكالة الدولية للطاقة الذرية مقابلة فخري زادة في أكثر من مناسبة، إلا إن الاستخبارات الإيرانية رفضت ذلك، كما حاولت الاستخبارات الأمريكية تتبع تحركاته الهاتفية والمعلوماتية، إلا إنها لم تصل لنتائج قاطعة بهذا الخصوص، بسبب التقييد الكبير الذي كان يفرضه جهاز استخبارات الحرس الثوري، فضلاً عن جهاز أمن الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية، حتى دخل الموساد (جهاز العمليات الاستخبارية الخارجية) الإسرائيلي على الخط، حيث تمكن الموساد من استخدام المراقبة التكنولوجية والرقمية، وكذلك العملاء على الأرض، وكشف نقاط الضعف في المنظومة الأمنية المحيطة به، لتتحرك نحوه في النهاية. 
     إن عملية اغتيال فخري زادة لم تكن لتتم، دون وضع خيار نشوب المواجهة العسكرية في الحسبان، وهذا يعني بأن هناك رغبة مسبقة في ذلك، إلا إن التساؤل المهم هو لماذا تمت عملية الاغتيال في هذا الوقت بالذات؟، وهل هناك تنسيق أمريكي إسرائيلي في هذا الخصوص؟
      قد تكون الإجابة البديهية لذلك، هو تأكد إسرائيل من خروج الرئيس دونالد ترامب من البيت الأبيض بحلول 21 يناير 2021، ومن ثم فإنها تطمح بأن تستفيد من الغطاء السياسي والدبلوماسي الذي توفره إدارة ترامب، لإخضاع إيران بأي طريقة كانت، قبل وصول جو بايدن للبيت الأبيض بحلول العام المقبل، وهي ميزة قد لا تتمتع بها إسرائيل مرة أخرى، وهو ما أكدته صحيفة ديلي بيست الأمريكية، من أن ترامب أكد على وزير خارجيته مايك بومبيو بتقديم أي مساعدة لإسرائيل في سبيل إخضاع إيران، وكرر ترامب لمساعديه أنه لا يريد مواجهة شاملة مع إيران تؤدي لمقتل جنود أمريكيين، لكنه مرتاح لدور إسرائيل في استهداف النظام الإيراني، وقال مسؤولان بارزان في إدارة ترامب، إن إسرائيل هي التي نفذت عملية اغتيال فخري زادة، وقال أحدهما إن الولايات المتحدة تشرك إسرائيل في المعلومات الأمنية المتعلقة بإيران، مع أنه لم يشر إلى تفاصيل أخرى، و يؤدي هذا إلى الاستنتاج بأن إسرائيل تأمل في استفزاز إيران قبل مغادرة ترامب، سواءً عبر جرها لساحة الحرب، أم تعقيد خيارات إدارة بايدن.

هل سترد إيران أم تنتظر؟

     عبرت إيران وعبر تصريحات عديدة، بأنها ستختار المكان والزمان المناسبين للرد على عملية اغتيال فخري زادة، لكن من جهة أخرى، يبدو إنها لا تريد التفريط بالفرص المتاحة للعودة إلى الاتفاق النووي مع إدارة بايدن، وبين هذين الخيارين لا زال خامنئي بوصفه المرشد الأعلى والممسك بالقرار الخارجي، مصمماً على إنه ينبغي أن يكون هناك مقابل مقنع نظير عدم الرد على عملية الاغتيال، وهو بهذا يوجه رسالة واضحة للرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن، بأن تكلفت عدم الرد ليست مجانية، حيث حرص خامنئي وخلال الأيام الماضية التصرف كمرشد وليس كقائد، عبر سماحه لحالة الخلاف الشديد بين الحكومة الإيرانية ومجلس الشورى الإيراني، بسبب إقرار الأخير للخطة الإستراتيجية لرفع العقوبات، وهو ما اعتبرته الحكومة الإيرانية، تقويضاً لجهود العودة للاتفاق النووي، ورسالة سلبية لباقي أطرافه.
      تدرك إيران بأن التحديات الداخلية التي تواجهها الولايات المتحدة، ستجعل إدارة بايدن غير مستعدة للدخول في أي حوار معها، قبل تصفير الأزمات الداخلية، وتحديداً الأزمة الاقتصادية وأزمة كورونا، على الأقل خلال الستة أشهر الأولى، وهي فترة ستشهد فيها إيران مرحلة الإعداد للانتخابات الرئاسية في يونيو 2021، ومن ثم فإن من شأن الرد على عملية اغتيال فخري زادة، أن تكون هناك ردة فعل أمريكية قد تزيد من جراحات النظام داخلياً، خصوصاً وإنه يواجه تحديات صعبة وعلى كافة المستويات اليوم. 
فضلاً عمّا تقدم، لا زالت إيران غير واثقة من نوايا إدارة بايدن بخصوص الاتفاق النووي والعلاقة مع إيران، وهو ما أكدته تصريحات بايدن لصحيفة نيويورك تايمز في 2 ديسمبر 2020، من إنه سيكون حريصاً للعودة إلى اتفاق نووي جديد وموسع مع إيران، إلا إنه لن يسمح لها بامتلاك السلاح النووي، هذا إلى جانب استحقاقات إقليمية جديدة، تأسست على بادرة الولايات المتحدة الانسحاب من الاتفاق النووي في مايو 2018، وأهمها التطبيع الخليجي مع إسرائيل، وحالة عدم ثقة عبر عنها خامنئي صراحة أثناء لقائه باعضاء المجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي في نوفمبر الماضي، بأنه لا خلاف بين الديمقراطيين والجمهوريين، وعلى هذا الأساس، قد يكون هناك أكثر من سبب لعدم رد إيران في الوقت الحاضر.
      تبدو الخيارات الإيرانية اليوم معقدة جداً، فهي إلى جانب رغبتها بالرد، وهو ما كشفته صحيفة نيويورك تايمز يوم 10 ديسمبر الجاري، من إن الاستخبارات الأمريكية رصدت معلومات تفيد بسعي إيران وحلفاءها شن هجمات في الأيام المقبلة، إلا إنها بالمقابل تدرك الخشية من تداعيات هذه الضربة، وهي خشية نقلها لي باحث إيراني عندما قال (إن شبح إسقاط الطائرة الأوكرانية بعد عملية اغتيال قاسم سليماني مطلع العام الحالي، والتظاهرات الشعبية التي نشبت على إثرها، لا زالت ماثلة في ذهنية المسؤولين الإيرانيين)، فهي اليوم محاصرة بعقوبات خانقة، وأزمات معقدة، أخرها أزمة القيادة والخلافة التي قد تنشأ في مرحلة ما بعد خامنئي، مع تصاعد الخشية من عدم استقرار حالته الصحية في المرحلة المقبلة.
     تجدر الإشارة الى ان التعبئة التي قامت بها القيادة المركزية الوسطى الأمريكية في منطقة الخليج عبر ارسال حاملة الطائرات USS Limit وكذلك طلعات القاصفة B52  فوق منطقة الخليج العربي، بعد ورود مؤشرات غامضة حول إمكانية تطوير ايران لرد محتمل على المصالح الامريكية او الإسرائيلية وفي محاولة لخلق حالة من الردع، قد يعيد خيارات صانع القرار الإيراني نحو التفكير بالرد على الاغتيال، خصوصا مع ذهاب المؤشرات لاستخدام صانع القرار الإيراني خيار الصبر الاستراتيجي ضد الضغط العالي الممارس عليها حاليا وصولا الى حقبة بايدن. 
     ورغم الأهداف المتاحة أمامها، سواءً من قبلها، أو عن طريق وكلائها في العراق واليمن ولبنان وغزة، إلا إنها تبدو محدودة بالنهاية على إلحاق الضرر البالغ بإسرائيل، أو المصالح الأمريكية، فحتى الروس ليسوا بوارد المساندة هذه المرة، ورغم نجاحها في شن هجمات سيبرانية على الداخل الإسرائيلي في مناسبات عديدة، فإن هذه الهجمات تبقى تأثيراتها طفيفة، وذلك بسبب محدودية القدرات السيبرانية الإيرانية، وهو ما يعني أن الخيارات الوحيدة المتاحة، هي شن عمليات نوعية منخفضة الكلفة وغير مسؤولة، والحديث هنا عن العمليات الاستخبارية، التي من الممكن أن تطال الأهداف الإسرائيلية والأمريكية في بيئات غير متوقعة، رغم إقدام إسرائيل في الآونة الأخيرة، بتشديد الإجراءات الأمنية حول سفاراتها في الخارج.