تحليل انفجار بيروت

قوة التفجير والاحتمالات

اللواء الركن/ م. ماجد القيسي
عن الكاتب

مدير برنامج الامن والدفاع ودراسات مكافحة الارهاب في مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية


      تعد الانفجارات سواء كانت من صنع الانسان او من فعل الطبيعة امراً مرعباً، وقد تكون لها تأثيرات آنية او مستقبلية على الحياة حسب طبيعتها وشدتها والمواد التي تخلفها،  ولقد شهد التاريخ انفجارات كانت لها تأثيرات مروعة ادت الى خسائر بشرية جسيمة وتدمير في  البنى التحتية . 
      وقد شهد القرن الماضي احداث لانفجارات كبرى متكررة ظلت راسخة في التاريخ البشري، نتيجة لفداحة خسائرها والصدمة التي خلفتها، ففي عام 1917 اصطدمت سفينة فرنسية محملة بالكامل بالأسلحة والمتفجرات المعدة للاستخدام، خلال الحرب العالمية الأولى بطريق الخطأ مع سفينة بلجيكية في ميناء هاليفاكس في  (كندا). وقع الانفجار بقوة 3 كيلوطن من مادة TNT  شديدة الانفجار، وغطت المدينة بسحابة هائلة الحجم، امتدت إلى ارتفاع 6100 متر، كما تسببت في حدوث تسونامي يصل ارتفاعه إلى 18 متراً، داخل دائرة نصف قطرها كيلومترين من مركز الانفجار، واحدث دماراً هائلا، وقتل حوالي 2000 شخص و9000 جريحًا. ويظل هذا الانفجار أكبر انفجار عشوائي من صنع الإنسان في العالم.
في الولايات المتحدة الامريكية، تسبب الحريق الذي اندلع على متن سفينة الشحن.   SS   Grandcamp ، التي رست في تكساس في عام 1947 ، بانفجار 2300 طن من نترات الأمونيوم  اثناء نقلها، وادت الى انفجار طائرتان في السماء بموجة صدمة، ودمر التفاعل المتسلسل اللاحق النباتات القريبة ، فضلاً عن سفينة مجاورة تحمل 1000 طن أخرى من نترات الأمونيوم، وبشكل عام ، يعتبر الانفجار أسوأ حادث صناعي في الولايات المتحدة ، حيث قتل 600 شخص وخلف 3500 جريح. اما قصة مفاعل تشرنوبل،  الذي احدث اكبر تلوث في التاريخ عندما انفجر أحد المفاعلات النووية إلى ترك آثار إشعاعية أكبر بمقدار 400 مرة من هجوم هيروشيما ، مما أدى إلى تلوث أكثر من 200 ألف كيلومتر مربع من الأراضي الأوروبية، وتعريض أكثر من 600 الف شخص لجرعات عالية من الإشعاع، وتم إجلاء أكثر من 350 الف  شخص من المناطق الملوثة.

    ان آخر الانفجارات المرعبة حدث يوم امس 4 اغسطس 2020 في ميناء بيروت، واعتبر الاضخم في القرن الحالي بالنظر لمساحة تأثيره والخسائر التي أحدثها.

بيروت تهتز 

حدث انفجار في مستودع رقم ١٢ ضمن ميناء العاصمة، ولم يتم معرفة الاسباب التي تقف وراء انفجار ٢٧٥٠ من مادة نترات الألمنيوم والمفرقعات التي تحتوي على البارود الأسود. 
أحدث الانفجار صوت هائل وعصف وصل الى مسافة ١٠- ١٢ كم داخل المدينة، وادى الى  وقوع اكثر من ١٠٠ قتيل ونحو ٤٠٠٠ جريح وانهيار مباني وتطاير اجزاء من منشأت اخرى وتهشيم سيارات وتأثرت مستشفيات، تسبب الانفجار بزلزال قوته 3.3،  زاد من هلع السكان وسمع لمسافات بعيدة 

كرة نار هائلة
 لتحليل الانفجار لا بد من الوقوف على مراحله، فقد كان الانفجار على مرحلتين: 

المرحلة الأولى
حدوث انفجار صغير تسبب بحريق هائل، ادى الى حدوث درجات حرارة عالية تصاعد منه سحاب دخان ابيض في وسطه برق، وهو عبارة عن مفرقعات تنفجر وتختفي مما يعني ان الانفجار بدأ بأكداس المفرقعات التي تحتوي على البارود الأسود. 
المرحلة الثانية 
استمر الحريق الذي سببه الانفجار الاول لدقائق كانت كافية لرفع درجات الحرارة، التي  ادت الى انفجار هائل خرجت منه غازات ذات لون مائل الى البرتقالي، وهو اللون المعروف عندما تنفجر نترات الألمنيوم لأنها تنتج نارجين او ما يسمى بحامض النتريك والذي يكون على شكل سحابة برتقالية اللون. 
ان نترات الامونيوم من الصعوبة ان تنفجر او تحترق بسهولة  الا بوجود عامل اخر معها. او إذا كانت ملوثة بمواد قابلة للاشتعال وبالنظر لوجود المفرقعات التي اشتعلت بجوارها او مختلطة معها وهي تحتوي على بارود اسود، يحتمل انها ساعدت على احتراقها للوهلة الاولى وادت الى انفجار هائل. 

دائرة الانفجار

المرحلة الثانية من الانفجار كانت عبارة عن بؤرة او مركز بقطر ٣ كم، وهو قطر الضرر، ومن ثم عصف شديد بدائرة قطرها ١٠- ١٢ كم. 

توثيق لحظات الانفجار الصورة عبر AFP

تقدير قوة الانفجار

تقدر قوة الانفجار بحوالي ١٨،٥ كيلو طن من TNT  شديدة الانفجار ( كيلوطن هي وحدة قياس وزن تعادل 1000 طن)  بالنظر لوجود ٢٧٥٠ طن من مادة نترات الامونيوم وعند استخدام مكافئ TNTوهي وحدة تستخدم لتقدير الطاقة الناتجة عن الانفجار، ويستخدم مكافئ TNT لتقدير شدة انفجار قنبلة نووية والمتفجرات في المناجم والصناعة وغيرها من أنواع المتفجرات، أو للمقارنة بالطاقة المنطلقة من انفجار مفاجئ ولتسهيل القدرة على التصور تستخدم مكافئ شدة الانفجار تعادل واحد كيلوطن أي تعادل ١٠٠٠طن من التي إن تي.
ووفق هذا السياق فان حساب شدة انفجار بيروت بوجود ٢٧٥٠ طن من نترات الامونيوم تعادل ١٨,٥ كيلو طن وان ١٠٠٠ طن من نترات الامونيوم تعادل ٦٧٥ كيلو طن حسب (الاستقراء الخطي من تيانجين ، والذي تضمن 800 طن من نترات الأمونيوم ولدت ٥.٤ كيلوطن قوة الانفجار لمادة نترات الامونيوم ).
 
صور الاقمار الصناعية للمستودع رقم ١٢ في ميناء بيروت 

بالنتيجة فإن شدة انفجار بيروت تعادل ١٨,٥ كيلو طن ، أي ان قوة الانفجار تعادل ١٨,٥ الف طن من مادة الـ TNT شديدة الانفجار، وهي تعادل حجم قنبلة نووية تكتيكة بمرة ونصف، اذ تتراوح طاقتها التفجيرية بين ١٠-١٢ كيلوطن. 
ولكن عند قياس القدرة التدميرية التي ولدتها طاقة الانفجار والتي طالت حتى ١٢ كم عن مركز الانفجار، فإنها تفوق حتى الرقم المهول المذكور أعلاه، وبما يعني وجود عنصر ثالث متفجر في المستودع لم يتم الإعلان عنه، الى جانب نترات الامونيوم، وهو ما يضيف غموضا مضاعفا على التفجير الذي هز العاصمة بيروت. 


صور الاقمار الصناعية لموقع الانفجار واثاره، الصورة عبر ImageSat Intl

احتمالات أسباب التفجير: 

هناك احتمالين وراء انفجار المستودع رقم ١٢ في ميناء بيروت

الاحتمال الأول العامل الداخلي:  
من المحتمل ان يكون سبب الانفجار هو من الداخل  باستخدام متفجر او قنبلة وضعت داخل المستودع من قبل جهات داخلية لبنانية لخلط الاوراق في ظل فوضى يشهدها لبنان وصراع بين القوى السياسية ان هذا الحادث جاء قبل ايام من صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية في قضية اغتيال رفيق الحريري
الاحتمال الاخر ضمن السيناريو الداخلي هو الاهمال وعدم التقييد بإجراءات السلامة وتحوطات الامان اثناء العمل داخل المستودع من الممكن حدثت شرارة تسببت بأحداث حريق في اكداس المفرقعات والتي انتجت حرارة عالية واختلط البارود الاسود مع نترات الامونيوم وحدث الانفجار

الاحتمال الثاني الهجوم الخارجي المباشر 
وجه الاتهام الى  إسرائيل، والتي اشارت عام ٢٠١٨  الى وجود مستودعات للأسلحة تابعة لحزب الله اللبناني ضمن هذه المنطقة، الا ان  طبقة التفجير لا توحي بان هناك مقذوف تم توجيها الى هذا المستودع لان استخدام صاروخ او اكثر يحدث انفجار مباشرة مع تصاعد اعمدة لهب، عكس ما حدث عندما تصاعدت اعمدة دخان مع انفجار مرفقات واختفائها وسط سحابة الدخان البيضاء ومن ثم حدث الانفجار الكبير بعد دقائق، لكن من الممكن  ان اسرائيل استخدمت عملاء لها داخل لبنان لتفجير او احراق المستودع.

أيا يكن المسبب الا ان هذا الحدث سيترك تداعيات مهمة على لبنان وربما امتدادها الى المنطقة، بالأخص بعد تصاعد الصراع الامريكية الإيراني، واعتماد الخصوم سياسة الحرب المفتوحة التي عرضت استقرار المنطقة الهش الى مزيد من العطب. مع ضعف الدولة ودورها لصالح قوى اللادولة التي تعتمدها ايران بشكل فاعل في استراتيجيتها.