مأزق الكاظمي في مواجهة منطق اللادولة

هل نحن على مشارف مواجهة شيعية شيعية ؟

عبد الحميد الصائغ
عن الكاتب

زميل زائر لبرنامج دراسات الازمة

يكاد النظام السياسي في العراق امام فرصة أخيرة لحرف مساره نحو الهاوية التي يسير نحوها بشكل واضح فالدولة تم تشويه هويتها ووظائفها وتجزئة قراراتها الامنية والعسكرية فضلا عن عبثية شكل اقتصادها وهويته المشوهة، والضغوط على شرعية النظام تتصاعد على نحو غير مسبوق. 
ما يحدث الان في العراق من صراع واضح بين الميليشيات العراقية الموالية لايران وما بين الدولة العراقية ما هو الا محصلة لانهيار اقتصادي كبير يعيشه البلد. حيث ان انهيار اسعار النفط في العالم بسبب جائحة كورونا وزيادة الضغط الامريكي على العراق كشف لنا بشكل جيواستراتيجي عابر ان هناك ثلاث دول على اقل تقدير تعيش على العراق بشكل شبه مباشر وهي لبنان وسوريا وايران ، ودليل ذلك ان الاقتصاد العراقي حينما اصيب بالاهتزاز بدت الاقتصادات في  لبنان وسوريا ومن قبلها الايراني بالدخول في مأزق اقتصادي حرج ! وهذا مؤشر واضح على ما فعلته اغلب الحكومات المتعاقبة بعد عام 2003 من تغذية لهذه الدول من منطلقات جيومذهبية بتوجيه من المرشد الاعلى علي خامنائي.
بالعموم ، يحاول الكاظمي اليوم ان ينقذ ما يمكن انقاذه في ظل انفلات اكثر من نصف الدولة ان لم يكن اكثر. حيث فشلت العملية الاولى له بضرب عناصر حزب الله العراقي ممن كانوا يرومون ضرب قواعد القوات الامريكية والمنطقة الخضراء ، لا بل ان خسارة الكاظمي لم تقف عند هذا الحد بل تجاوزت ذلك لتصل الى اغتيال الخبير الأمني والمستشار غير الرسمي للكاظمي وللعديد من المؤسسات وهو احد أصدقائه  وهو هشام الهاشمي الذي اسهم بشكل كبير في تفكيك خلايا الكاتيوشا وهو من اسهم كذلك في نصح الكاظمي بإيقاف هذه المجاميع المنفلتة المهددة للسيادة العراقية.
وبعد كل ذلك لم يعد للكاظمي ولا حتى للدولة العراقية ما يكفي من الوقت للدخول بمنطقة وسطى والتفاهم مع هذه المجاميع التي لا تعرف الا اسليب التهديد والقتل حين الاقتراب من مصالحها، لهذا فهو يبدو امام خيارين لا ثالث لهما لكي يبقي العراق على قيد الحياة ويسهم في انعاش هذا البلد وهما كالأتي :
الخيار الاول : ضرب الفاسدين بشكل حازم وصلب، ليس لانه يريد ضربهم فقط بل لان طريق النجاح لحكومته لا يمكن له المرور الى عبر هذا الخيار عبر استخدام القوة المفرطة ضدها لاعادة ثقة الدولة بنفسها اولاً من ثم اعادة ثقة المواطن بها.
الخيار الثاني : وهو مهادنت  هذه المجاميع والتفاهم معها سواء عبر تهديدهم له وهذا سيجعله امام تحدي الفشل بشكل كبير وتكرار سيناريو عبد المهدي مع مستجدات جديدة، وهو ما سيشكل تهديد حقيقي للنظام السياسي الذي بدت مستجدات شرعيته بالاختناق مع تأسيس لدولة موازية لدولة هشة. 

ماذا تمتلك هذه الفصائل لتحرج الكاظمي بهذا الشكل ؟

ببساطة تمتلك هذه الفصائل اوراق عديدة اهمها وعلى رأسها خلق الفوضى وجر الدولة الى مساحة الاقتتال الشيعي- الشيعي ، وهذا الاقتتال سيعني بشكل من اشكاله ان هناك انهار من الدم الشيعي ستسال في مواجهة مفتوحة بين الدولة واللادولة وقد يستمر ذلك الى اشهر وربما سنوات !! وهذا يعني تعريض الحكم الشيعي في العراق لخطر الانهيار، مما سيجعل اغلب المرجعيات الدينية تقف بالضد من الكاظمي، كونه دخل في مساحة تهدد الامن المذهبي سياسياً، لا بل ان اسطورة المرجعيات وحجم سلطاتها وصلاحياتها الرمزية ستتعرض لاختبار قاسي يتهدد وجودها !
هذا الرهان الفصائلي قد يكون واقع حال في حال تجرأ الكاظمي الدخول الى مساحة هذه الميليشيات لانهاء دورها، لكن لا حل الا عبر هذه العملية. ويمكن استحضار مقاربة تجربة الموصل مع التنظيمات الإرهابية مع فارق التشبيه، والتي كانت متغللغة ومسيطرة على المشهد في المدينة منذ عام 2006 حتى عام 2014 ، بالتالي اضطرت الدولة على مواجهة هذا الارهاب بشكل مباشر مما ادى الى انهاءه بشكل كبير،وقد كان يفوق قدرة الدولة ووجودها باضعاف على الرغم من عدم تصدره للمشهد. السيناريو نفسه يتكرر الان في الوسط المجتمعي الشيعي، حيث تهيمن الميليشيات على اغلب المفاصل المهمة ولا يمكن للدولة ان تتفاهم معها بالتالي سيكون الحل الحتمي هو حدوث المواجهة هذا ان قرر الكاظمي اجراء اصلاحات حقيقية فعلاً.
من الواضح ان جهاز مكافحة الارهاب - وهو اكثر جهاز ثقة لدى العراقيين وأكثره قرباً من الكاظمي حالياً – هو اكثر الاجهزة جهوزية للقيام بهذه العملية ، لكن علينا ان نعترف ان اغلبية اعضاء هذا الجهاز هم من المكون الشيعي، لا بل ان فكرة تشكيل هذا الجهاز ظهرت لمحاربة التطرف الذي حسب على المكون السني بعد عام 2005، اي انه صمم لمكافحة الارهاب المحسوب على السنة ، وهو اليوم في مهمة معقدة للغاية كونه سيذهب لمكافحة ارهاب شيعي بأدوات شيعية وهذا من اكثر القضايا تعقياداً على الاطلاق في فكرة المواجهة الشيعية- الشيعية. ولا ادل على ذلك الا حينما انتدب ضابط سني من الجهاز في قيادة المجموعة التي قامت باعتقال خلية البوعيثة التي كانت تخطط لهدوم على المصالح الامريكية، فكيف سيكون الحال مع مواجهة واسعة النطاق؟! 

الاقتصاد كحلقة اخيرة من عمر النظام السياسي العراقي: 

تبدو خلاصة الوضع العراقي انها مأساوية للاسف الشديد بكل المقاييس ، حيث تسيطر الميليشيات على مفاصل اقتصادية كالموانئ والمطارات وطرق النقل والحدود والمنافذ ، وضرب هذه المفاصل يعني ضرب مصالحها بالتالي ستذهب هذه الفصائل اتجاه المواجهة مع الدولة ومحاولة افشال الكاظمي واحراجه لا بل تهديده بمواجهة شيعية شيعية ، لكن لا يمكن للدولة ان تنهض الا عبر اعادة اقتصادها لحضنها بعد ان تم اختطافه من قبل هذه الفصائل ، لهذا امام الكاظمي خيارين كما تحدثنا ، اما ضرب هذه الميليشيات او تركها تسيطر على كل شيء ويكرر تجربة سلفه عبد المهدي.

اين تقع الولايات المتحدة الامريكية من كل ذلك ؟ 

لاتبدو الادارة الامريكية ومن فترة ليست قريبة انها جادة على دعم العراق كدولة بقدر ما هي تدعمه كجزء من صراعها مع ايران ، وهذه النقطة هي من اوصلت النفوذ الايراني الى هذا الحد ، حيث لا استراتيجية امريكية واضحة ومنهجية لمساعدة العراق وتقوية مؤسساته ، لانه ببساطة عراق قوي في المنطقة يعني عراق جامح ونموذج لا يمكن السيطرة عليه بسهولة ! كما ان الرهانات الامريكية غير طويلة الامد، حيث غادرت العراق عام 2011 وتركته بيد ايران من ثم داعش من ثم عادت واشتركت في تحريره عام 2014 من ثم تركته للمزيد من النفوذ الايراني عام 2017 ، وها هي الان تحاول دعمه الخجول عبر عدة اجراءات لا ترتقي لأي جدية . لا بل ان المنطق الامريكي في العراق وصل الى مرحلة انها تطلب من الحكومة العراقية ان تتخذ اجراءات مباشرة من ايران ! في تغاضي عن هيمنة ايران على القرار العراقي ،فايران تدير العراق من تلعفر والسليمانية حتى الفاو ولم يتبقى لديها الا اربيل ودهوك لكي تسيطر عليها! وبالرغم من كل ذلك تمتلك ايران مصالح اقتصادية كبيرة مع اربيل ودهوك ! فكيف تطلب الادارة الامريكية من العراق ان تقطع علاقاتها مع ايران او على اقل تقدير تحجمها في ظل هذا الدعم الامريكي الخجول الذي لا يرتقي لإستراتيجية واضحة تتحدث حول اعادة بناء مؤسسات الدولة العراقية !

بالمحصلة الختامية ، من المؤسف القول ان المواجهة الشيعية الشيعية قادمة بشكل حتمي سواء الان او بعد حين ، حيث لا يمكن للدولة ان تستوعب هذا الكم الكبير من الكيانات الموازية المسيطرة على وظائفها وتستمر، وان كان الكاظمي الذي يمتاز بالتردد والضعف قد اطلق شرارة المواجهة نتيجة لضغوط عدة، فان حكومته تترنح في مأزق صلب من المواجهة او الاندثار امام قوى اللادولة التي تضغط باتجاه خلق عراق بلا سيادة.