العراق في عين العاصفة

التصعيد الايراني الامريكي في العراق وتداعياته المستقبلية

اللواء الركن/ م. ماجد القيسي
About

مدير برنامج الامن والدفاع ودراسات مكافحة الارهاب في مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية

قامت الولايات المتحدة الأمريكية برد غير مسبوق ضد كتائب حزب الله العراقي حسب ما أعلن عنه وزير الدفاع الأمريكي أسبر بعد ان شنت الطائرات الأمريكية غارات جوية على لواء 45 في منطقة عكاشات غرب الانبار ولواء 46 داخل الأراضي السورية أوقعت خسائر كبير بالأرواح والبنية التحتية والتي شملت 5 مواقع لتخزين الأسلحة والقيادة والسيطرة. جاء الهجوم الأمريكي والذي أعلن عنه البنتاغون ردا على استهداف احد المعسكرات في كركوك بصواريخ كاتيوشا ادى إلى مقتل متعاقد أمريكي وجرح 4 جنود امريكيين بالإضافة إلى إصابة جنود عراقيين ، وفي وقت سابق من هذا الشهر حذر وزير الخارجية الأمريكية بومبيو الحكومة العراقية وطلب حماية المعسكرات وقوات التحالف بعد سلسلة هجمات طالتها في مطار بغداد الدولي بالإضافة إلى استهداف السفارة الأمريكية في المنطقة الدولية (الخضراء)، وتوعد مراراً بان الولايات المتحدة الأمريكية سوف تقوم بعمل حازم لحماية جنودها والذي تعبره خطا احمرا لا يمكن تجاوزه.

ان رد الفعل الأمريكي يأتي في سياق توتر سياسي وأزمة تعيشها البلاد، نتيجة للاحتجاجات الشعبية المستمرة منذ شهرين ضد الحكومة العراقية وفي توقيت وظرف إقليمي حساس، كما ان التوتر الحاصل حول السفارة الامريكية نتيجة اقتحامها من قبل أنصار وأعضاء تابعين للفصائل الولائية، يطلق العنان للكثير من التداعيات والاحتمالات المستقبلية التي ستجعل العراق امام خيارات معقدة في الأيام القادمة.

 


من هي كتائب حزب الله العراق


تعتبر كتائب حزب الله العراق، من الفصائل الولائية ويحمل عقيدة ولاية الفقيه، كان اول بدايات تأسيسه بعد عام 2003 ومر بعدة مراحل بعد ان انضمت اليه فصائل مسلحة عام 2005 كانت تعمل بشكل منفرد واهمها (كتائب ابي الفضل العباس، كربلاء، زيد بن علي، كتائب السجاد) وكان للقيادي في حزب الله اللبناني عماد مغنية دور كبير في تأسيس عقيدة هذه الكتائب، الا انه تم الإعلان عنها لأول مرة في 21 آب عام 2007 وانضوت تحت مسمى المقاومة الإسلامية.

تمتاز هذه الكتائب بالغموض والسرية في التنظيم الهيكلي وبالتدريب العالي والتسليح المتطور وبعد الانسحاب الأمريكي نهاية عام 2011 حدثت تطورات تنظيمية لهذا الكتائب وتوسعت مهامها الميدانية إلى خارج العراق وشاركت مع فصائل مسلحة أخرى عام 2013 في سوريا. الا انها شهدت انتعاشا وتصاعدا كبيرا في دورها بعد احتلال تنظيم داعش لمدينة الموصل وتأسيس الحشد الشعبي الذي ضم فصائل ومليشيات متعددة، وبات هذا الدور متجاوزا للدولة ولهياكلها الرسمي لتستحق صفة الكتائب الأشد جرأة، والأخطر من بين جميع الفصائل الأخرى، حتى انها وبعد التصعيد الإقليمي الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، بدت متهمة في تنفيذ العديد من الهجمات على المصالح الامريكية، لتترك حرجا كبيرا للحكومة العراقية وللمنظومة الأمنية، كونها خارج القرار الأمني الرسمي الى حد كبير.

 


حرب قصف القواعد


منذ شهرين وسلسلة قصف القواعد التي تتواجد فيها القوات الأمريكية مستمرة وبلغت ما يقارب 11 هجوم خلال شهر تشرين الثاني وديسمبر من هذا العام، وكانت الأهداف  مطار بغداد الدولي والمنطقة الخضراء وقاعدة البغدادي والقطارة والتاجي، لكن الهجوم على قاعدة K1 في كركوك في  السابع والعشرين من هذا الشهر كان الأعنف، اذ نفذ برشقة صواريخ تقدر بـ30 صاروخ كاتيوشا نوع 107 أطلقت من شاحنة تم ضبطها بعد الهجوم على مسافة قصيرة من القاعدة، مما عدته واشنطن تجاوز الخط الأحمر بعد مقتل امريكي ممن يعملون في الخدمة الأمريكية في القاعدة. وحملت واشنطن مباشرة كتائب حزب الله العراقي مسؤولية الهجوم.

وقبل هذا كانت هناك هجمات جوية ضد معسكرات تابعة للحشد الشعبي في جنوب بغداد والعظيم وأمرالي اثارت جدلا واسعا فقد نفذتها طائرات إسرائيلية واتهمت القوات الأمريكية في العراق بان الهجمات جاءت بالتنسيق معها. لكن الثابت هو ان العراق تحول إلى ساحة صراع بين واشنطن وطهران في ظل ارتباك المشهد السياسي العراقي وعدم التعاطي من قبل الطبقة السياسية في حساب مصلحة العراق وأمنه واستقرارهبالإضافة الى وجود وكلاء وحلفاء لإيران فاعلين في المشهد السياسي والأمني في العراق.



فرض الإرادات

 

بعد القضاء على تنظيم داعش عسكريا وتحرير المدن بدأت بعض الأطراف السياسية بمرحلة فرض ارادتها داخل الدولة العراقية من خلالها تمثيلها السياسي وأجنحتها العسكرية لأسباب عديدة:

1.     الإخفاق الحكومي في التعاطي مع فصائل معروفة لها تعمل لصالح مشاريع خارجية والتي قامت بعمليات ضد مصالح وقوات اجنبية داخل العراق جعلت منه ساحة صراع مفتوحة لتصفية الحسابات.

2.     النفوذ الايراني السياسي والأمني فهي تعتبر العراق عمقها الدفاعي الاستراتيجي ودعمها لمجاميع مسلحة لم تضع مصلحة البلاد العليا في حساباتها. واعتبرت انها جزء من مشروع عابر للحدود ادى إلى هذا التصعيد الخطير غير المسبوق.

3.     السلاح خارج إطار الدولة والتي لم تستطيع السيطرة عليه أو سحبه.

4.     النفوذ الأمريكي في الشأن العراقي واعتبارها العراق ساحة صراع مع إيران وفق هذا السياق بين نفوذ أمريكي وآخر إيراني بالإضافة إلى تدخلات إقليمية أخرى والخلل الواضح في البنية التركيبية للعملية السياسية أظهرت انقسامات أفقية وعمودية أدت الى ضعف كبير في القرار العراقي، واضعاف واضخ للمؤسسات الرسمية عن القرار السياسي والأمني في البلد. في ظل بيئة إقليمية متوترة.

 

 

أهداف القصف الأمريكي

 

جاء الرد الأمريكي ليحقق مجموعة من الأهداف تجاه من تعتبرهم خصومها في العراق:

أولًا: أشار المبعوث الأمريكي ريان هوك بان الهدف من الضربات الأمريكية هو رسالة ردع ضد سلوك إيران وأدواتها في المنطقة.

ثانيًا: حماية المصالح الأمريكية وقواتها في العراق بعد تعرضها لعمليات قصف في معسكراتها المشتركة مع الجيش العراقي وان هذه القوات دخلت إلى العراق بموجب اتفاق مع الحكومة العراقية عام 2014 لدعم القوات العراقية في حربها ضد داعش.

ثالثًا: تخفيف الضغوط الداخلية على الرئيس ترامب والانتقادات التي وجهت له منذ إسقاط طائرة الاستطلاع الأمريكية آر كيو 4 (RQ4) فوق مضيق هرمز والهجوم على منشآت أرامكو في السعودية لعدم اتخاذ قرارات بشأن عمليات عسكرية ضد إيران لردعها.

 

 

التداعيات المحتملة

 

في سياق الازمة السياسية وصراع الاجنحة التي يمر به العراق، وفي إطار الرد الأمريكي على استهداف مصالحها في العراق، فان الأخير على مجموعة من التداعيات التي قد تؤثر على كامل مشهده الأمني والسياسي والتي تتمثل بالآتي:

أولًا: الانتقال إلى المواجهة المباشرة مع القوات الأمريكية داخل العراق من قبل الفصائل المسلحة الموالية لإيران، ما قد يؤدي إلى الفوضى وخروج الأوضاع عن السيطرة في حالة توسعت رقعة المواجهة.

ثانيًا: التأثير على جهود مكافحة الإرهاب والتصدي لتنظيم داعش واحتمالات بروز التنظيم مرة أخرى وتهديد الأمن الوطني.

ثالثًا: المطالبة بخروج القوات الأمريكية من العراق وبالفعل بدأت احزاب وقوى سياسية بالضغط على الحكومة ومجلس النواب للتحرك بهذا الاتجاه. وهو ما يجعل العراق وإيران في سلة واحدة، ويترك تداعيات خطيرة جدا على الابعاد السياسية والاقتصادية والعسكرية في العراق.

رابعًا: مطالبات بإلغاء أو الانسحاب من الاتفاقية الأمنية (صوفا) بين الولايات المتحدة الأمريكية والعراق واعلنت قوى سياسية فاعلة في المشهد السياسي العراقي بإعادة النظر بهذه الاتفاقية واعتبرتها مذلة.

خامسًا: القصف الأمريكي ادى إلى خلط الأوراق والتشويش على المظاهرات السلمية وتحويل المواجهة بين المتظاهرين والحكومة إلى مواجهة بين إيران والفصائل الموالية لها وبين الولايات المتحدة الأمريكية.

ولذلك فان العراق سيكون على تحد امام خيارات صعبة في كافة اصعدته، وقد يواجه حرجا في الدعم الدولي الذي يتلقاه لمعالجة ازماته الاقتصادية وجهود مكافحة الإرهاب، وسط ضعف الدولة وغياب الإرادة السياسية في فرض القانون.

 

 

تطورات مستقبلية

 

صدرت إشارات متعددة من قبل قادة في الحشد بضرورة القيام بالرد على الهجوم الجوي الأمريكي على لواء 45 في غرب الانبار ولواء 46 قرب منطقة البو كمال السورية ما يدل على تصعيد أمني خطير قادم بين القوات الأمريكية والفصائل المسلحة إذا ما قررت الفصائل المسلحة الخيار العسكري. وإذا ما تطورت الأمور وانفلتت خارج السيطرة فان بنك الأهداف في العمليات التي تجري ستأخذ الاشكال الاتية:

1.     توسيع قائمة الأهداف لتشمل كل المواقع التي تتواجد بها القوات الأمريكية.

2.     المنطقة الدولية (الخضراء) التي تتواجد بها السفارة الأمريكية

3.     الشركات والمصالح الأمريكية في العراق.

4.     في المقابل فان واشنطن قد توسع رقعة المواجهة لتشمل مقرات ومعسكرات الفصائل المسلحة وحتى بعض القيادات الفاعلة.

ان العراق الان بات على مفترق طرق وبات على درجات متقدمة من الصراع بين الولايات المتحدة الامريكية وإيران، وسط انفلات الفعل الأمني وغياب الإرادة السياسية لفرض القانون، وأزمة سياسية عاصفة، وهو ما قد يخلق سيناريوهات متعددة تجر البلد الى مناطق خطيرة في الصراع وتعرض استقراره السياسي والأمني والاقتصادي لخطر محدق.