جدار العزل الامريكي يمتد من ايران باتجاه تركيا

تقدير موقف

د.عمار مرعي الحسن
About

مدير برنامج الدراسات التركية في مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية

د. احمد يوسف الجميلي
About

زميل برنامج الدراسات التركية في مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية


       تشكل تركيا وايران القوتان الاقليميتان المتنافستان تاريخياً، حيث تمثل منطقة الشرق الاوسط ساحة تنافسهما الجيوستراتيجي، وقد شجعت المتغيرات المتسارعة في المنطقة البلدين على إقامة علاقات ثنائية متطورة لا تقتصر على مجال محدد بل تشمل مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية وبما يعزز المصالح القومية لكل دولة، لاسيما وان تلك المتغيرات لم تقتصر على البيئة الاقليمية فحسب بل امتدت بتأثيراتها الى البيئة الداخلية لكلا الدولتين، وهذه المتغيرات دفعت بالدولتين (تركيا وإيران) للسعي إلى توظيفها لتعزيز مصالحهما القومية التي أخذت تتفق في مواضع معينة وتتقاطع في مواضع أخرى. ومن هنا بدأت الولايات المتحدة تتحين الفرص للنفوذ داخل حدود البلدين من زاوية جذب مصالح طرف على حساب طرف اخر. ومن اجل تحليل سياسات الدول الثلاث من الضروري الاجابة على التساؤلات الآتية: 

ماذا يربط تركيا وإيران

تتقاطع مصالح كل من تركيا وايران في العديد من الملفات اهمها: الاقتصاد والامن المشترك والازمة النووية مع الغرب، وتتضارب في ملفات أخرى اهمها: التنافس على مناطق النفوذ في الشرق الاوسط وآسيا الوسطى، بالإضافة الى قضية النفوذ في العراق والصراع في سوريا والتي اعطت لعوامل التنافس والصراع دفعة جديدة بين هاتين القوتين الاقليميتين. ولكن بحلول العام (2017)، وبعد تطورات احداث الأزمة السورية والاستفتاء في إقليم كوردستان العراق، بدأ البلدان تعاوناً مشتركاً وتقارباً في الرؤى مع العراق في قضية الاستفتاء، ومع روسيا في حل الأزمة السورية. إن عدم الاستقرار والفوضى في هذه المناطق يؤثر تأثيراً مباشراً في أمن واستقرار البلدين، بالتالي لم تجد تركيا وايران بُدّاً من التعاون المشترك في جوار اقليمي ملتهب بالأزمات. ففي الازمة السورية تملك إيران وتركيا إلى جانب روسيا القدرة على التحكم بمساراتها ومفاتيح حلها. ولكن ليس من دون التعاون مع الولايات المتحدة التي تمتلك هي الاخرى اوراقاً وملفات مهمة في هذه القضية.
أما فيما يخص قضية استفتاء اقليم كوردستان وتأثيره المباشر على امن البلدين وسلامتهما الاقليمية، فقد اتفقت تركيا وإيران على تعزيز علاقات التعاون العسكري ، اذ يمثل الملف الكردي العنصر الاهم والاكثر تأثيراً في التقارب بين البلدين لاسيما مع الدعم السياسي والعسكري الامريكي للأكراد في سوريا، ومن ثم، فإن بمقدور البلدين توحيد الموقف السياسي وتوسيع التعاون العسكري والامني بتبادل المعلومات وإجراء المناورات العسكرية على الحدود مع العراق من أجل مواجهة المخاطر المشتركة وعدم الاستقرار الإقليمي بشكل فعال.
وبالرغم من تأرجح العلاقات السياسية بين البلدين على مدى السنوات القليلة الماضية. لكن علاقاتهما الاقتصادية المتميزة على قدر كبير من الاهمية، فايران تمثل الشريك التجاري المهم لتركيا وأحد اهم مصادر الطاقة لاقتصادها، وإذا كانت السوق الإيرانية تفتح شهية الشركات التجارية العالمية العملاقة، فإن تركيا في وضع مناسب للغاية للدخول إلى هذه السوق، كونها الجار الأقرب لإيران ومنفذها الاقتصادي وقت العقوبات، وخاصة في ظل سعي البلدين لتوسيع الاستثمارات وتعزيز العلاقات التجارية القائمة بين البلدين. 

ايذاء الحليف التركي عبر الجار الايراني

تفرض الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية ضد طهران، تخدم مصالحها حصرا، متجاهلة بذلك المصالح الاقتصادية التركية، وتضغط بالمقابل على تركيا من اجل ان ترضخ للقواعد الأمريكية دون أدنى مقاومة، على امل ان يؤدي ذلك بالنتيجة الى الاضرار بالعلاقات المتميزة بين تركيا وايران. وفي الواقع، يدلل ذلك على أن هنالك خللاً في السياسة التي تنتهجها واشنطن مع انقرة، ففي حال استمر الأمريكيون في سياسة إرغام تركيا على العمل ضد مصالحها، فإن الاتراك لن يترددوا بالمقابل في الاعتراض على جميع الخطوات الأمريكية بل والعمل على عرقلتها. 
وحتى تلتزم تركيا بقانون العقوبات، تحتاج الولايات المتحدة إلى التشاور معها والتوصل إلى تفاهمات تأخذ بعين الاعتبار مصالح تركيا بشأن قضايا محددة تتعلق بضمان مصالحها ونفوذها في المنطقة، فضلاً عن تجاوز الخلافات بين البلدين فيما يتعلق بالأزمة السورية، وعلى وجه الخصوص مسألة مستقبل الاكراد في سوريا ووحدات حماية الشعب الكردية.

ميزان المصالح التركي ومعيارية العقوبات الامريكية على إيران:

ترى تركيا أن من حق أي دولة امتلاك الطاقة النووية وانتاجها للأغراض السلمية، وهو ما تفعله كل الدول النووية، لذلك فإن لإيران الحق في انتاج طاقة نووية لأغراض سلمية وتحت اشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما تدافع تركيا عن فكرة أن قضية البرنامج النووي الإيراني لا يمكن أن تحل بالقوة وإنما بالحوار والوسائل الدبلوماسية وتدعو إيران في الوقت ذاته إلى عدم التصعيد وإبقاء الباب دائماً مفتوحاً على الحوار.
لقد انتقدت تركيا في مناسبات عديدة تركيز الغرب على البرنامج النووي الإيراني فيما يُغمض عينيه عن الترسانة النووية الاسرائيلية، لمجرد أن تل أبيب غير موقعة على معاهدة حظر انتشار السلاح النووي. وقد انتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان القرار الأحادي الجانب من واشنطن بالانسحاب من الاتفاق النووي كما عبر عن رفضه لقرار إعادة العقوبات على إيران، مشيراً إلى أن إيران شريك استراتيجي لتركيا مثل الولايات المتحدة وقرارات واشنطن غير ملزمة لتركيا، واستمر الموقف التركي الرافض لفرض عقوبات على تركيا بشكل أحادي والتأكيد على أنها غير مضطرة إلى الامتثال لقرارات أي دولة بخصوص العقوبات على إيران. لهذا حذرت تركيا من خطورة اتخاذ أي خطوات متهورة تجاه إيران، لأن أي تطورات سلبية في إيران ستؤثر على تركيا والمنطقة بأكملها.
وارتكز موقف أنقرة على معطيات رئيسية: أهمها المعطى الاقتصادي وفي مقدمته أمن الطاقة التركي، فتركيا دولة غير منتجة لمصادر الطاقة التي يتزايد طلبها عليها في شكل مضطرد حتى أضحت تستورد ما يربو على (90%) من احتياجاتها منها( ). كما ان لدى تركيا مخاوف من تأثير ما يجري داخل إيران على استقرار تركيا والمنطقة برمتها، فبينما حذر وزير الخارجية التركي من تداعيات أية خطوات تصعيدية متهورة تجاه إيران على مستقبل الإقليم ككل، فضلاً عن فقدانها لسوق إيران الواسع، مشيراً إلى أن مستوى التعاملات التجارية والاقتصادية بين البلدين سينخفض بالمحصلّة حتى لو حاولت أنقرة اللجوء إلى أساليب غير مشروعة لاستمرار التجارة.

العقاب الامريكي على الفعل التركي :

التساؤل الذي يثار هنا هو : هل ستقاوم تركيا في موقفها ضد العقوبات الأميركية؟ وما هي إمكانياتها للحد من ضغوط العقوبات على إيران؟ وما هي العوامل المؤثرة في تحديد الموقف التركي بهذا الشأن؟
أن تركيا تعيش حالياً أسوأ أزمة اقتصادية في العقد الأخير، والليرة التركية تشهد هبوطاً ملحوظاً أمام العملات الأجنبية، حيث انخفض سعرها مقابل الدولار منذ مطلع العام الحالي بنحو(20%)، كما تؤكد المؤشرات الاقتصادية والتجارية التركية صعوبة الأزمة الاقتصادية، وتصاعد الدين الخارجي بشكل ملحوظ، ففي مثل هذه الوضع قد تشكل فرصة جني الأرباح من إيران نتيجة للعقوبات الأميركية، مغريات لا تقاوم، وقد تدفع السلطات في أنقرة إلى المقاومة بوجه الضغوطات الأميركية.
لهذا السبب أعلنت تركيا مراراً أنها لن تساهم في فرض الحصار الاقتصادي على إيران، رافضة العقوبات الأميركية الجديدة على طهران.
 رغم ذلك يرى المراقبون أنه ينبغي الانتظار لمعرفة مدى تجاوب تركيا مع حزمة المقترحات الأميركية لها مقابل الالتزام بالعقوبات الأميركية على طهران، خاصة وأن الاقتصاد التركي يحظى بتنوع المصادر التجارية والصناعية وتعدد قنوات الاتصال بالاقتصاد العالمي، بما يُمكّن أنقرة من استبدال ما تفقده من طهران بما قد تجده في عواصم أخرى. إذ ان خروج إيران من دائرة المصلحة التجارية التركية سيؤثر بالضرورة على مؤشرات الاقتصاد التركي، لاسيما وان حجم التجارة بين البلدين وصل في العام(2017) الى (10.7)مليار دولار، لكن يبقى الأمر المهم لتركيا هو تعويض حاجتها الملحة لاستيراد النفط والغاز من إيران، وإيجاد البدائل المناسبة في حال التزامها بالحزمة الثانية من العقوبات الأميركية في الرابع من تشرين الثاني المقبل، والتي ستشمل النفط والغاز والنقل والتأمين، خاصة أن تركيا تستورد من ايران نحو(51%) من حاجتها من النفط، ونحو(18%) من الغاز( )، وفي حال التزامها بحزمة المغريات الأميركية، على تركيا أن تعوض الوقود الإيراني بالبديل العراقي أو الأذربيجاني.
 
ختاماً يمكن القول ان العقوبات الأمريكية على إيران ستزيد من محنة الاقتصاد التركي، اذ أن الاقتصاد التركي على موعد مع أزمات جديدة، فإضافة لتراجع قيمة العملة والعقوبات الأمريكية ضد أنقرة، فإن إعادة فرض واشنطن للعقوبات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، سيلقي بظلاله على الاقتصاد التركي بشكل كبير .
وعلى الرغم من أن إيران وتركيا غريمين إقليميين ويقفان على النقيض في مواقف بعضهما البعض في قضايا كثيرة كالأزمة السورية، إلّا أن هذين البلدين يتعاملان ببراغماتية عالية في ادارة الملفات الخلافية بينهما، ويحرصان على وضع سقف للخلافات حتى لا تتحول إلى صراعات، فتركيا ترى دائماً أن بإمكانها أن تستفيد من تحسين العلاقات بين إيران والدول الغربية، وخاصة من خلال النفط الإيراني والتجارة معها وقت العقوبات من خلال الاعيب معينة تستغل فيها رجال أعمال أتراك من أصول إيرانية.
بيد ان كل المؤشرات تبين ان جدار العزل الذي تحاول الإدارة الامريكية ضربة تجاه تركيا لن يذهب بعيدا ليرمي تركيا في المعسكر المضاد بقدر ما هو استخدام التهديد والتصعيد لجر تركيا الى المعسكر الغربي من جديد بعيدا عن ايران وروسيا ، ويبدا أيضا ان انقرة لا تفكر في مواجهة الولايات المتحدة بقدر الوصول الى أرضية مشتركة تعالج الشرخ الذي ضرب العلاقة في السنوات الخمس الماضية تجاه الملفات المهمة لها، وهو ما يدلل ان انقرة قد تسير باتجاه تحسين العلاقة بدل التصعيد في المرحلة القادمة ولن تكون الولايات المتحدة حينها مقاومة لهذا المسعى المتوقع.