التوازن العسكري الجديد في سوريا وتداعياته على العراق

تقدير موقف

اللواء الركن/ م. ماجد القيسي
عن الكاتب

مدير برنامج الامن والدفاع ودراسات مكافحة الارهاب في مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية


تمثل مسارح العمليات المختلفة في سوريا متاهة بالغة التعقيد من حيث عدد الفاعلين واختلافهم، بالإضافة الى التغيرات الدينامية التي تصيب التوازنات التي تحكم الصراع في سوريا وعلى نحو لا يجعل أي طرف يمتلك قوة موازنة قادرة على الحسم، ومن بين كل التحولات التي تشهدها سوريا فان التحولات في الجبهة الجنوبية اثارت الكثير من الاهتمام بعد سيطرة النظام على درعا، لحساسية تلك الجبهة ومحاذاتها لإسرائيل والأردن، بالإضافة الى انها قد تمتد لتشمل جيب داعش الغربي في سوريا و ربما يثير التساؤل  حول مصير داعش هناك وتداعياته الإقليمية وعلى العراق بشكل خاص .
وفي سياق البيئة الإقليمية والدولية الملتهبة على نحو غير مسبوق، ومع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة مع ايران، فان النظر الى مسرح العمليات الحالية في سوريا يشير الى تساؤلات حول واقع التوازن العسكري الحالي بعد درعا، وتداعياته على الساحات الرخوة في المنطقة والذي يأتي العراق في مقدمتها.

التوازن الاستراتيجي الإقليمي الدولي في سوريا :

يمكن القول بأنه لا صراع اكثر حساسية من  تحقيق معادلة التوازن على الأرض وتعلقه بالحسابات الدولية والإقليمية مثل الصراع الدائر في سوريا منذ سنوات، الى الحد الذي تحولت في سوريا الى ساحة تلتقي عندها اسوار الصراع والتنافس بين الفواعل الإقليمية والدولية المهمة، وبات أولئك اللاعبين  اطرافاً مباشرين في الصراع الدائر هناك.
اولاً: الولايات المتحدة الامريكية :

تنتشر  في مسرح العمليات الشمالي الشرقي من سوريا قوات امريكية موزعة بين قواعد عسكرية و مطارات و مراكز قيادة و سيطرة يبلغ عددها مابين ( ١٠ - ١٢ )  اضافة لوجود 2000 جندي امريكي ومئات الجنود  من بريطانيا و فرنسا و هولندا و ايطاليا و المانيا و التشيك و من بعض دول البلقان. ان وجود القوات الأمريكية جاء وفق قانون صلاحية استخدام القوة العسكرية و المعروف بـ ( اومفست Authorization for Use of Military (Force (AUMF ) و الذي اتخذه الكونغرس الأمريكي بعد احداث 11 ايلول 2001 لملاحقة عناصر تنظيم القاعدة و قد استفاد الرئيس اوباما من هذه الصلاحية لادخال القوات الأمريكية الى سوريا تحت ذريعة مقاتلة تنظيم داعش و دعم القوات المحلية الكردية بيد ان هذا القانون لا يسمح للرئيس الأمريكي ترامب باعلان الحرب إلا بموافقة الكونغرس لذا فإن العمليات العسكرية التي تقوم بها القوات الأمريكية في سوريا يمكن تصنيفها بالعمليات ( ما دون الحرب ) وهي عمليات محدودة تجري تحت غطاء ودعم القوات الجوية الأمريكية المنتشرة في الخليج والبحر الابيض المتوسط وقاعدة إنجرليك  التركية لاسناد قواتها العاملة في سوريا وحلفائها المحليين، وتنتشر اهم القواعد العسكرية الأمريكية في سوريا في التنف على الحدود العراقية السورية جنوب البوكمال و قاعدة الرميلان وعين عيسى وخراب عشق والطبقة ودير الزور والشدّادي والقامشلي.
تتبع الاستراتيجية الامريكية في سوريا اهدافا متعددة ومن خلال قراءة انتشارالقواعد العسكرية الأمريكية في سوريا تبين ان اهم تلك الأهداف هي ممارسة الضغط على النظام السوري من خلال سيطرتها على حقول نفط عمر و غاز كونيكو في دير الزور و حقول نفط الحسكة و التي تقدر بـ 80 % من مصادر الطاقة السورية لتكون لاعب اساسي في اي عملية سياسية لتسوية القضية السورية، اما اهم الأهداف الإستراتيجية الأمريكية في ظل تواجد هذه القواعد هو احتواء إيران و منعها من الوصول إلى البحر المتوسط و جعل الشرق السوري هو ( منطقة عزل ) مابين إيران و دمشق و لبنان و المحافظة على امن إسرائيل، كما وأنها تعتبر تواجدها شرق الفرات هو ورقة ضغط أخرى على روسيا في سياق التنافس الأمريكي الروسي دوليا. ان هذه النوايا و المقاصد و الأهداف الأمريكية متسقة مع الهدف الإستراتيجي في  القضاء على تنظيم داعش، وإدارة الصراع في سوريا. 
ثانياً: روسيا الاتحادية :

جاء التدخل الروسي في سبتمبر عام 2015 في سوريا بذريعة مقاتلة تنظيم داعش و حسب طلب الحكومة السورية ليضفي على هذا التدخل الصفة الشرعية، والذي غّير موازين القوة لصالح نظام  الأسد بعد ان كان يخسر 73 % من جغرافية سوريا بيد ان معظم العمليات العسكرية الروسية و النظام كانت موجهة ضد الجيش السوري الحر و الفصائل المسلحة المعارضة للنظام.
وتنتشر القوات الروسية في قاعدة حميم الجوية ( مطار باسل الأسد ) في اللاذقية و في القاعدة البحرية في طرطوس و في قاعدة الشعيرات في ريف حمص الجنوبي ومطار حماه العسكري ومطار حلب العسكري و قاعدة T4   الجوية في ريف حمص الشرقي و ويقدر  عدد افراد القوات الروسة في سوريا بـ ( 4 ) الآف جندي بحسب تقارير امريكية و تنشر روسيا ما يقارب 21 طائرة هجوم ارض و 12 مقاتلة اعتراضية اضافة الى طائرات اخرى ومنظومات  S 300  S 400  الصاروخية  كما يرتبط بالقوات الروسية شركة امنية تدعى ( فاغنر)  تعمل مع  المجموعات المسلحة المدعومة من النظام و إيران.
ياتي في مقدمة الأهداف الإستراتييجية الروسية من وراء التدخل في سوريا الحفاظ على بقاء النظام السوري من اجل المصالح الروسية و المتمثلة في تأسيس قواعد جوية و بحرية في حميم و طرطوس ونشر صواريخ في القاعدة البحرية ( طرطوس ) لمواجهة الدرع الصاروخي للناتو في شرق اوربا ( لاتفيا ، لتوانيا ، استونيا ، بولندا ) و في دول اوربية اخرى. و تشكل هذه القواعد الخاصرة الرخوة للنظام الصاروخي الأوربي.
ان الغطاء الجوي مابين روسيا والمياه الدافئة صار مفتوحا عبر ايران والعراق الى سوريا  ولاول  مرة في تاريخ روسيا تقوم صواريخ كاليبر و القاصفات الإستراتيجية بعبور هذا الفضاء و الوصول الى المياه الدافئة في البحر المتوسط لتعزيز حضورها غرب الممرات البحرية الإستراتيجية في مضيق البسفور و قناة السويس وتكون بذلك قد حققت هدفا استراتيجيا ظل حاضرا في الذهنية الاستراتيحية الروسية منذ الاتحاد السوفيتي بالوصول الى المياه الدافئة.
كما و ان طرطوس ( القاعدة البحرية الروسية ) هي خط الدفاع الاول عن شبه جزيرة القرم و البحر الأسود. بذلك فان الأهداف الخفية لروسيا تأخذ بعدا دفاعيا ضد توسع الناتو و ثانيا في القضاء على الجماعات الإسلامية المنحدرة من القوقاز و اسيا الوسطى و التي تتواجد ضمن تنظيمات كالنصرة و داعش و محاربتها خارج روسيا و جعل سوريا محطة قطع بوجه تمدد الاصولية الاسلامية من منابعها الى روسيا والدول المحيطة بها. 
 
ثالثاً: إيران: 

يتواجد في سوريا حوالي 2000 مستشار ايراني من فيلق القدس و 7000 مقاتل من حزب الله و 9000 مقاتل من فرقة  فاطميون واغلب عناصرها من الشيعة الافغان ( الهزارة ) وفرقة زينبيون وعناصرها من شيعة باكستان القاطنين في شرق ايران وكان لهتاين الفرقتين دورا كبيرا في استعادة حلب الشرقية عام ٢٠١٦ و يتوزعون في مناطق القلمون الغربي و الغوطة الشرقية و جنوب دمشق و في حلب و البوكمال و تدمر و مناطق حماه. اضافة الى ( 12 ) مجموعة عراقية مسلحة تتوزع في ريف حمص و منطقة السيدة زينب وفي العاصمة  دمشق و السيدة زينب و في ريف دمشق و حلب و في الغوطة الشرقية و في البوكمال و مابين دمشق و البوكمال و التنف و هناك معلومات عن ارسال قسم منها الى الحدود مع الجولان بالاضافة الى  لواء الباقر واغلب عناصره من السوريين ويتواجد في مناطق دير الزور والمناطق القريبة من البوكمال  
رابعاً: تركيا: 

تقوم تركيا بدعم فصائل مسلحة معارضة للنظام  في مناطق غصن الزيتون و درع الفرات و في منطقة ادلب. واهم هذه الفصائل فرقة الحمزة و فرقة السلطان مراد و حركة احرار الشام و جيش التحرير و يقدر اعداد هؤلاء من 25 – 30 الف مقاتل. تسيطر تركيا على منطقة درع الفرات الممتدة من جرابلس الى الباب و منطقة عفرين كما لديها حضور في ادلب من خلال ( 12 ) نقطة مراقبة حسب مخرجات استانا ، ان  هذا التدخل عدا قيامها بطرد داعش من منطقة درع الفرات  يهدف الى فصل المنطقة الكوردية في شمال سوريا الى كانتونات منفصلة و تمنع وصولها الى البحر الأبيض المتوسط ومنع قيام اي كيان كوردي  لانها تعتبر المنطقة مع سوريا والبالغ طولها ٩١١ كم هي منطقة حرجة للامن القومي التركيوتتحرك وفقا لذلك الادراك لمنع قيام اي كيان تراه معاديا على حدودها.



 التوازن العسكري المحلي: 

كان التوازن العسكري قبل سبتمبر من عام 2015 يميل لصالح المعارضة السورية والتي كانت تسيطر على مساحة كبيرة و لكن شهدت الثلاث سنوات الأخيرة تحولات كبيرة على فصائل المعارضة المسلحة في سوريا، وذلك تبعاً للمتغيرات التي عصفت بها اما بسبب الدول المتدخلة بالشأن السوري و التي دعمت فصائل على حساب اخرى او بسبب النزاعات البينية بين تلك الفصائل على مناطق النفوذ او انضمام قسم كبير منها الى تنظيمات مصنفة على انها تنظيمات ارهابية،  وانحسرت سيطرتها مجتمعة ٢٠ الف كم، ويقتصر  وجودها في ادلب و في مناطق جنوب ادلب وشمال حماه وفي مناطق ريف اللاذقية الشمالي واما اهم الفصائل العاملة في الجبهة الشمالية وابرزها هي جبهة تحرير سوريا والتي تشّكلت من اندماج احرار الشام وحركة نور الدين زنكي وبعض الفصائل الاخرى لمواجهة جبهة تحرير الشام وعمودها الفقري جبهة النصرة ودخل الفصيلان بمواجهات لازالت مستمرة من اجل النفوذ والسيطرة على الموارد كما وان هناك فصائل عديدة في هذه المنطقة واهمها  فيلق الشام وحركة تحرير الوطن  والفرقة ١٦ والفرقة ١٣ والفرقة الشمالية والوسطى ، اما في الجنوب السوري فقد خسرت المعارضة مدينة درعا و ريفها وتكاد تخسر القنيطرة لحساب النظام.
وكانت  الجبهة الجنوبية تضم 49 فيصلاً تدعمهم امريكا عن طريق غرفة إلموك في الاردن من خلال برنامج يدعى ( خشب الجمبيز ( Timber Sycamore ) وكانت تشرف عليه المخابرات المركزية الامريكية منذ عام ٢٠١٣ والذي تم الغائه من قبل ترامب في يناير عام ٢٠١٨ نتيجة لفشل هذا البرنامج،  و اهم هذه الفصائل هي لواء احمد العبدو ولواء شهداء القريتين ومغاير الثورة واسود الشرقية في التنف اضافة الى فصائل درعا والتي كانت تضم  جيش الابابيل والوية الفرقان وفرقة الحمزة  وفجر الاسلام وتحالف الجنوب ولواء المهام الخاصة والوية حوران بيد ان جميع هذه الفصائل قد خسرت تواجدها في مثلث درعا – دمشق- القنيطرة واستطاع النظام السيطرة على معظم مناطق الجنوب والمناطق المحاذية للشريط الحدودي مع اسرائيل في الجولان، ولم يتبقى سوى جيش خالد بن الوليد يضم ثلاث فصائل هم لواء اليرموك وحركة المثنى وجيش الجهاد واغلب عناصره من منطقة وادي حوران وهو فرع من داعش يسيطر على حوض اليرموك والتي تقدر مساحة سيطرته ب ( ٢٥٠ ) كم٢ ويتألف من  1500 مقاتل وهناك احتمالات بترحيلهم   الى البادية السورية بعد ان قامت قوات النظام بهجوم وقصف عنيف على مناطق تواجده في حوض اليرموك،  ورغم محاولات هذا التنظيم من البقاء في هذه المنطقة من خلال شن هجمات على مناطق السويداء ودرعا الخاضعة لسيطرة النظام الا ان المعطيات العسكرية وفارق القوة المائلة لصالح قوات النظام تشير الى عدم تمكنه من الحفاظ على وجوده في حوض اليرموك واحتمالات تسليم اسلحته والترحيل الى البادية السورية الشرقية.
اما قوات سوريا الديمقراطية والتي تدعمها امريكا فهي تسيطر على 26%من مساحة سوريا من الحسكة  ومناطق شرق الفرات وصولاً الى دير الزور والتي تقدر اعدادها بـ 50 الف مقاتل.

من خلال هذا السياق فان خارطة توزيع مناطق السيطرة والنفوذ في سوريا تغير لصالح النظام ليصبح كما يلي
قوات سوريا الديموقراطية ٢٦٪ 
تنظيم القاعدة ( جبهة النصرة )5.2% ادلب 
تنظيم داعش 3% بضمنها  0.13% لجيش خالد في وادي اليرموك من مساحة جغرافية سوريا واحتمال ان تتقلص اذا استعاد النظام وادي اليرموك
قوات المعارضة ودرع الفرات وغصن الزيتون 11.5% بضمنها 1.2% تسيطر عليها فصائل «درع الفرات» التي تقودها تركيا وغصن الزيتون 2% من جغرافية سوريا. 
قوات النظام تسيطر على 54.3% من جغرافية سوريا بشكل عام 
قد تتقلص سيطرة المعارضة اذا تم الاتفاق حول مناطق ريف اللاذقية الشمالي في جسر الشغور وتل رفعت والذي تسعى تركيا لضمه الى مناطق نفوذ الفصائل الموالية لها.   

تنظيم داعش في سوريا ( استراتيجية تحطم الفخار )

تمكن تنظيم داعش من احتلال مناطق دير الزور و الرقة والذي انتزعها من المعارضة بعد ان خسرها النظام لصالحها  بعد سيطرة داعش عليها لم يضع النظام في حساباته استعادة هذه المناطق من تنظيم داعش بل سمح للأخير العمل فيها و مقاتلة المعارضة السورية و جبهة النصرة و بالتالي فقد اضعف كل خصومه من معارضة و منظمات متطرفة مثل النصرة و داعش و هذا يعني ان القتال بين المعارضة السورية و جبهة النصرة من جهة و بين تنظيم داعش اشبه ما يكون الى كسر الفخار عندما يسقط بعضه على بعض و عندها  يكون النظام باستطاعته و بسهولة التغلب على اي طرف مستقبلاً وهذا ماحدث ويحدث في السنة الاخيرة من عمر الحرب السورية . كانت اسبقية الأسد هي إضعاف المعارضة و القضاء عليها من خلال السماح لداعش بمقاتلتها اضافة الي ان اغلب عمليات النظام كانت موجهة ضد المعارضة حيث ذكر مركز جاين و المختص في دراسات الإرهاب و التمرد في تقرير له في نوفمبر 2014 ( لم يوجه الجيش السوري من عملياته العسكرية سوى 6 % فقط ضد تنظيم داعش )وغياب خطوط المواجهة بين النظام و داعش وقد مكن ذلك الأخير من الإستيلاء على مناطق غنية بالمواد، فالنظام لم يتدخل عندما احتل داعش مخيم اليرموك عام 2015 وقام تنظيم داعش من طرد المعارضة من جبال القلمون  الغربي عام ٢٠١٤ وما  حدث في درعا مهد الثورة السورية عندما اقدم جيش خالد بن الوليد التابع الى تنظيم داعش من السيطرة على  حوض اليرموك ومناطق ارياف السويداء ودخل في معارك مع فصائل الجبهة الجنوبية المعارضة . لم يكتفي النظام بالسماح لتنظيم داعش من مقاتلة الفصائل المعارضة له وانما تبنى استراتيجية لتعويض النقص في الطاقة من خلال بناء علاقة مع داعش  في مناطق سيطرة الاخير على مراكز الطاقة في دير الزور والبوكمال وريف حمص الشرقي تستند الى التعامل برغماتيا مستغلا حاجة التنظيم لحيازة الاموال من اجل ديمومة بقائه واستمرارية زخم معاركه في التوسع، فكان النفط المستخرج من مناطق سيطرة داعش يصل الى مناطق سيطرة النظام من خلال وكلاء وشركات تبنت نقل النفط والمنتوجات الزراعية الاستراتيجية كالحنطة والشعير ومن ابرز هذه الشركات هي مجموعة حسام قاطرجي عضو البرلمان السوري ، ساهمت هذه المجموعة بشراء النفط من تنظيم داعش ونقله الى مناطق مختلفة من سوريا واللافت في الامر ان امدادات النفط كانت تعبر من خلال مناطق تسيطر عليها المعارضة السورية وجبهة النصرة ، كما كان النظام يعتمد على استراتيجية تتيح له دفع مرتبات موظفي السدود والطاقة الكهربائية والخدمات في مناطق سيطرة داعش في الرقة والطبقة وفي دير الزور والبوكمال وحتى ضمن مناطق سيطرة المعارضة في حلب الشرقية وشمال حماة والتي فشلت المعارضة من تقديم هذه الخدمات لسكان هذه المناطق كما وان مناطق سيطرة الكرد كان للنظام فيها حضور من خلال وجود مؤسساته الرسمية في القامشلي والحسكة، ان هذه العلاقة اتاحت للنظام في الدخول بتسويات في عدة مناطق مع تنظيم داعش تمكن من خلالها إعادة سيطرته بمعارك غير مكلفة  كان التنظيم يحتلها مثل مخيم اليرموك جنوب دمشق ومناطق حدودية مع لبنان في عرسال ونقل مقاتلي هذا التنظيم الى مناطق قريبة من الحدود مع العراق.

الخاصرة الرخوة ... التداعيات على العراق 

تمكن النظام السوري من استعادة معظم الأراضي و المدن التي كانت تسيطر عليها المعارضة و جبهة النصرة و تنظيم داعش بعد ان تغير ميزان القوة لصالحه على اثر التدخل الروسي في عام 2015 و ربح معركة حلب الشرقية و مخرجات استانا التي مهدت له بناء استراتيجية تعتمد على ركيزتين: الاولى استراتيجية عمليات تسمح له بقضم  الارض و الثانية على التسوية مع الفصائل المعارضة و مع التنظيمات الارهابية مثل النصرة و داعش. حيث قام بتسوية اوضاع عناصر تنظيم داعش في جرود عرسال في اغسطس ٢٠١٧ و نقلهم الى دير الزور و البوكمال و الذي كان تبلغ اعدادهم ما يقارب 700 مقاتل مع عوائلهم اضافة الى قيامه بنقل اكثر من 1200 مقاتل من عناصر التنظيم من مخيم اليرموك جنوب دمشق الى البادية السورية في ايار عام 2018 و استمر في اعتماد هذه الاستراتيجية في معارك درعا و حوض اليرموك حيث يقوم بالمفاوضات مع جيش خالد بن الوليد و هو فرع من تنظيم داعش يسيطر على حوض اليرموك جنوب غرب سوريا عام 2015 و الذي تشكل من اندماج ثلاثة فصائل مسلحة هي لواء شهداء اليرموك و حركة المثنى و جيش الجهاد و جميعها مرتبطة بتنظيم  داعش  و الذي يبلغ اعدادهم 1500 مقاتل ، دخل النظام معهم في مفاوضات بمساعدة الروس لترحيلهم الى البادية السورية المتاخمة  للحدود العراقية. واصبحت المنطقة المحصورة  بين شمال البوكمال الى جنوب الشدادي و من الحدود العراقية الى شرق تدمر منطقة تجمع مقاتلي التنظيم و لتكون منطقة عازلة مابين قوات سوريا الديمقراطية و مابين قوات النظام التي تسيطر على شمال البوكمال الى الحدود مع العراق قرب القائم وهو ما جعل  الطريق شاقا للقضاء على هذا التنظيم بسبب التناقضات مابين امريكا من جهة  و روسيا و النظام و ايران من جهة اخرى ، فضلا عن عدم وجود قرار امريكي او روسي في القضاء على التنظيم في هذه المنطقة و التي باتت تشكل خطراً على الحدود العراقية . 
يشعر العراق بخطورة الوضع في خاصرته الغربية والتي شكلت عقدة في الذهنية العراقية عندما قام داعش بكسر الحدود والتمدد الى داخل العراق واحتلال ثلاث محافظات كبيرة . ان هذا الجيب الذي يتموضع فيه تنظيم داعش والمحاذي  لحدود العراق مع سوريا اصبح مرتكز انطلاق هجمات التنظيم على مناطق القائم وتل صفوك وشن هجمات تعرضية واخرى انتحارية على القوات الامنية العراقية في محاولة لاحداث ثغرة يخترق بها الحدود واستنزاف القوات العراقية ومحاولة التنظيم احداث تفوق نفسي لعناصره مما استوجب على العراق تحشيد قوات كبيرة لتغطية وحماية الحدود اثرت على عديد قوته القتالية في داخل العراق واثرت على عملياته العسكرية لتامين المناطق المحيطة بالمدن الكبيرة مثل نينوى وصلاح الدين والانبار، كما وان غياب ثنائية التعاون عبر الحدود والتي تشكل ركيزة اساسية في تامين خطوط الجوار من اي تهديد وتلكؤ الفاعل الامريكي وحلفائه المحليين من مقاتلة داعش وعدم فعالية القوات النظامية السورية وحلفائها من المجموعات المسلحة للتقدم داخل هذا الجيب استدعى من العراق القيام بضربات جوية استباقية في محاو لة لاضعاف التنظيم من خلال استهداف مراكز ثقله من مقرات وتجمعات ومستودعات داخل سوريا لكن هذه الخطوة محفوفة بخطر انزلاق العراق في مستنقع الحرب السورية والذي هو اصلا متهم من قبل المعارضة السورية وبعض دول الجوار بدعم مجموعات عراقية شيعية تقاتل الى جانب النظام والتي تعتبرها المعارضة السورية هي امتداد لقوات الحشد الشعبي العراقي علما ان هذه المجموعات المسلحة العراقية في سوريا لا ترتبط بالحشد الشعبي العراقي والذي اصبح من المنظومة العسكرية العراقية بموجب قانون ٩١ الذي اقره البرلمان وترتبط بالقائد الاعلى للقوات المسلحة العراقية .
والخطر الاخر هو وجود العراق في تحالفات الاضداد عندما وضع قدم في التحالف الدولي بقيادة الولايات الامريكية وقدم اخرى في التحالف الرباعي والمؤلف من العراق وسوريا وايران وروسيا تعرض  الى تجاذبات مابين امريكا من جهة وايران وروسيا وسوريا من جهة اخرى ويصعب عليه  ايجاد توازن في الموضوع السوري  نتيجة لتناقضات هذه الدول ومصالحها المتضاربة فامريكا تحاول جر العراق لجانبها وفك ارتباطه بايران وجعل العراق دولة( فصل ) ضد المشروع الايراني وتحاول ان تجد توافقات تؤدي الى تحالف مع القوات الكوردية السورية والمدعومة من قبلها وقامت بعدة محاولات لايجاد تنسيق وتعاون على جانبي الحدود بين القوات العراقية والقوات الكوردية تحت مسمى مقاتلة داعش على الحدود  لكنها لم تصل الى ما تطمح اليه  ، وايران تحاول الحفاظ على تفوقها في العراق وجعله دولة ( وصل ) الى سوريا ولبنان والتي تتهم امريكا بدعم الجماعات الارهابية على الحدود في محاولة لتدوير الارهاب مرة اخرى وتؤيدها في ذلك بعض فصائل الحشد الشعبي العراقي والموالية لايران ، وفي ظل هذه التناقضات والاهداف المختلفة يقع العراق وسط بؤرة ملتهبة، لا سيما مع التجاذب الجديد في المنطقة، وقد يؤدي ذلك الى حدوث فراغ امني يستفاد منه التنظيم الارهابي ويوظفه لصالحه على الحدود مع سوريا وفي المناطق العراقية القريبة منها.