الشمال السوري وخطوط المواجهة الجديدة

ما بعد الانسحاب العسكري

اللواء الركن/ م. ماجد القيسي
About

مدير برنامج الامن والدفاع ودراسات مكافحة الارهاب في مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية

 

بعد اعلان الرئيس الأمريكي  في 19 من هذا الشهر قراره بإعادة القوات الأمريكية إلى بلادها برزت ردود أفعال عديدة على الصعيد الدولي والإقليمي بين مشكك في القرار وبين من اعتبر الأمر إعادة انتشار للقوات الأمريكية ، واطراف أخرى تأخذ التطور الجديد الأمريكي على محمل الجد، وبدأت بإعداد الخطط لملئ الفراغ أو لاستثمار الفرصة لتحقيق مكاسب ميدانية لتحسين مواقفها التفاوضية والدبلوماسية فيما يتعلق بمصالحها، ويبقى مستقبل الصراع في شمال وشرق سوريا رهن خطط وتفاهمات اللاعبين في الملف السوري وعلى آلية تنفيذ الانسحاب الأمريكي.

 

جاهزية الخطط:

أعلن وزير الدفاع التركي بأنش خطط العملية العسكرية في شرق الفرات من سوريا تم اعدادها وفق جداول زمنية، كما غرد ترامب بأنه ناقش خطط انسحاب القوات الأمريكية مع الرئيس أردوغان وسوف يكون انسحاباً منسقاً وبطيئاً في حين أعلن وزير خارجية تركيا  جاويش أُغلو بأن العملية العسكرية سوف تجري بأسرع وقت ممكن وأنّ تركيا أبلغت واشنطن بذلك إضافة أيضاَ لقد أبلغنا المسؤولين الأمريكان يجب ألّا تخدم عملية الانسحاب الوحدات الكوردية، أما الناطق الرسمي باسم الحكومة التركية فقد أوضح بأن العملية العسكرية لعبور الفرات لا تشمل منبج فقط وإنما قد تطال الرقة ومناطق أخرى.

 

 

توسيع الرقعة والاهداف:

تشمل منطقة نفوذ القوات الأمريكية قبل انسحابها  27% من مساحة سوريا في شمال وشرق سوريا عدا نفوذها في التنف 3%، في حين نفوذ تركيا (عمليات غصن الزيتون ودرع الفرات) نسبة 2.2% أي على 4200 كلم مربع، وتلوح تركيا بان المنطقة التي تتواجد فيها القوات الكوردية والخاضعة للنفوذ الأمريكي هي هدف هذه العملية لذا فإنها على تنسيق مستمر مع واشنطن، ترامب أعلن بأن تركيا سوف تقاتل تنظيم داعش لكن ما تبقى منه يقع خارج المنطقة الكوردية في جنوب دير الزور من منطقة هجين والسوسة والباغوز والقريبة من الحدود العراقية مقابل منطقة القائم ف حين  تتواجد القوات الكوردية (قسد) في شرق دير الزور الغنية بالنفط  حيث تبعد دير الزور عن مدينة البات (درع الفرات) 300 كم وتبعد عن الحسكة القريبة من الحدود التركية السورية 190 كم.

 

خطة العمليات المتوقعة:

إن خطط عملية شرق الفرات سوف تكون على مراحل:

المرحلة الأولى:

دخول مدينة منبج والتي تقع تحت سيطرة الأكراد والبالغة 5180 كم مربع خلال عملية انسحاب القوات الأمريكية منها حيث يتواجد فيها مقر قيادة ومراقبة في عين دادات غرب منبج على الخط الفاصل بين منبج وقوات درع الفرات بالإضافة إلى قاعدة في صرين شرق منبج تضم قاعدة جوية لطائرات الشحن وقوات فرنسية وإلى شمال منبج قاعدتين على الخط الفاصل مع جرابلس والغندورة وقد توصلت أنقرة وواشنطن في تشرين الثاني الماضي الى اتفاق حول عمل دوريات مشتركة على الخطوط الفاصلة في منبج وقوات درع الفرات لكنها توقفت لخلافات بينهم، وبعد اعلان واشنطن قرار الانسحاب ارتفعت درجة الاستعدادات لجميع الاطراف على خط المواجهة.

 

المرحلة الثانية:

تعتمد هذه المرحلة على توقيتات انسحاب القوات الأمريكية والتي حددها البنتاغون من 60 - 100 يوم وأن المنطقة المستهدفة من العملية العسكرية في هذه المرحلة تضم (9) قواعد و(4) مواقع مراقبة بين رأس العين وتل أبيض و(2) قاعدة في الحسكة، وجميعها على مقربة من الحدود أو ملاصقة لها وتبلغ جبهتها (طولها) 300 كم من الدرباسية مروراً برأس العين وتل أبيض وصولاً إلى عين العرب والتي سوف تشملها العملية العسكرية في المرحلة الثانية وهي جبهة طويلة سوف تفتح فيها على الأقل (4) محاور هجوم.

 

المرحلة الثالثة:

هذه المرحلة تعتمد على تطورات موقف المرحلة الثانية وفيما لو فكرت تركيا الوصول إلى الرقة مثلما أشار الناطق الرسمي باسم الحكومة التركية من احتمال عدم استبعاد الرقة من العملية والتي تتواجد فيها (2) قاعدة بالإضافة الى (2) شرق دير الزور سوف تنسحب منها القوات الأمريكية.

 

استعدادات على خطوط المواجهة:

إن الانسحاب الأمريكي والعملية العسكرية التركية في منبج وشرق الفرات تأاتي ضمن تنسيق بين أنقرة وواشنطن لإجراء انسحاب (آمن) للقوات الأمريكية وضمن جدول زمني بين 2-3 شهور. إن هذا التنسيق ضروري لتنفيذ مراحل وآليات الانسحاب كما وأن واشنطن وموسكو على تواصل مستمر من أجل الوصول إلى تفاهمات لملئ الفراغ بعد انسحاب القوات وقد أكدت أنقرة أنها تفتح مع موسكو أيضاً قنوات تنسيق باعتبارها الضامن الأساسي والمحوري في الملف السوري والتي تعتبر الوجود الأمريكي عقبة أمام التسوية في سوريا  وتحاول إعاقة جهود ممانعة بعض الأطراف الأمريكية للانسحاب والتي أشار بعض أعضاء الكونغرس إلى إعداد مشروع قرار يمنع الانسحاب، إن المرحلة القادمة في سوريا تعتبر تطور كبير وحساس قد يضيف تعقيدات على الوضع السوري لكثرة اللاعبين من جهة ومناطق النفوذ المتداخلة من جهة أخرى بينهم كما لا يمكن فصل أي مسرح عمليات عن الآخر ضمن ساحة العمليات السورية فهناك ملف إدلب واتفاق سوتشي حولها، ومنطقة شرق دير الزور التي تسيطر عليها قوات كردية مدعومة أمريكياً وأيضاً إصرار دمشق لإعادة  السيطرة على كامل جغرافية سوريا والتي بدأت بإرسال تعزيزات مدعومة بقوات روسية صوب مدينة منبج الخاضعة لسيطرة مجلس منبج العسكري واتجهت قوات سورية أخرى من الفيلق الخامس نحو دير الزور قادمتاً من منطقة إدلب وأعاد الجيش الروسي فتح مركز التنسيق (السوري الروسي) في قرية العريمة غرب مدينة منبج بعد انسحابه منها قبل عام ونصف.

وفي ذات السياق واصلت قوات سورية معارضة مدعومة من تركيا تعزيز خطوطها الأمامية وأكمل الجيش الثاني التركي جميع أدوات المعركة بانتظار ساعة الصفر والتي قد تكون وشيكة بعد تفكيك القوات الأمريكية قواعدها في منبج وانسحاب القوات الفرنسية من محيط المدينة الى شرق الفرات.

أما القوات الكوردية -الهدف الأساسي للعملية العسكرية التركية-  والتي تسيطر على مساحة الحسكة بالكامل والبالغة 23300 كم مربع ومساحات كبيرة في حلب والرقة ودير الزور يحاولون ايجاد حليف آخر من خلال محاولتهم تحويل ملفهم إلى موسكو بعد أن اعتبروا أن القرار الأمريكي طعنة لهم.

 إيران بدورها وعلى لسان بهرام قاسمي تعتبر أي عملية عسكرية خرق للسيادة السورية ويجب أخذ موافقة دمشق عليها وهي تمتلك نفوذ قريب من قوات غصن الزيتون في منطقة نبل والزهراء في الريف الشمالي الغربي لحلب وصولاً إلى المدينة نفسها وإلى الشرق في الجانب الغربي لدير الزور الذي يقابل قوات سوريا الديمقراطية على الضفة الشرقية لنهر الفرات وفي البوكمال وتشارك القوات السورية التي تسيطر على نسبة 64%؜ من الجغرافية السورية،

 تعتبر إسرائيل بدورها الانسحاب الأمريكي أمراً لا يؤثر على جهودها الرامية باستهداف أي قوات إيرانية في سوريا لمنع كسر التوازن وبالفعل بعد أيام من قرار الانسحاب شنت ضربة جوية على مطار دمشق.

 

دخول سعودي بعد تبديل واشنطن بأنقرة:

إن أحد أسباب قرار ترامب الانسحاب الأمريكي من سوريا هي التكاليف الباهظة لانتشار القوات الأمريكية في سوريا، وهذه معادلة لا يتمناها  ترامب لأنه أضيف إلى نفقات البنتاغون 54 مليار دولار لتتجاوز 711 مليار في عام 2018 بعد أن كانت 662 مليار في 2017 والمفروض أن تكون أي زيادة في ميزانية الدفاع تخصص إلى الوسائل الاستراتيجية (البعد الخامس وهو الفضاء وتحديث الدرع الصاروخي) ولا يمكن تحمل اقتطاع من هذه الميزانية المضافة تكاليف الحرب في سوريا حيث بلغ معدل الإنفاق السنوي 40 مليار دولار في العراق وسوريا (تقرير البنتاغون في مجلة أتلانتك المختصة بالشؤون الخارجية الأمريكية)، خاصة أن معظم العمليات الجوية للتحالف نُفّذت بطائرات أمريكية؛ الأمر الذي دفع "ترامب" إلى اتخاذ قراره المفاجئ بالانسحاب من سوريا وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن السعودية وافقت على تقديم الأموال اللازمة للمساعدة في إعمار سوريا  بدلاً عن الولايات المتحدة.

وأضاف ترامب في تغريدةٍ على حسابه بموقع "تويتر": "أليس أمراً جيداً أن تساعد دول ثرية للغاية بجهود الإعمار لجيرانها، بدلاً من مساعدة بلد عظيم.. الولايات المتحدة التي تبعد 5000 آلاف ميل.. شكراً للسعودية".

وكانت قالت وزارة الخارجية الأمريكية، في أغسطس/آب الماضي، إنها جمعت 300 مليون دولار من شركاء في التحالف لجهود إعادة الإعمار في مناطق مستردة من تنظيم داعش في شمال شرق سوريا.

 

تحديات ما بعد الانسحاب:

أعلنت روسيا على لسان الناطق الرسمي باسم الكرملين بأنه يجب على واشنطن تسليم المناطق التي تنسحب منها إلى الحكومة السورية، في وقت أعلنت باريس بأن قواتها باقية في الشمال والشرق السوري رغم الانسحاب الأمريكي والذي لم يكن بالتنسيق معها ووفق هذا السياق تعتزم أنقرة أن تملأ الفراغ في منبج وشن عملية لاستهداف الوحدات الكوردية المصنفة لديها إرهابية. في شرق الفرات واحتمال أن تتوسع العملية إلى الرقة ودير الزور لمقاتلة الوحدات الكوردية المتواجدة هناك وهي عملية ليست سهلة ويكتنفها الكثير من التحديات بدءً بتأمين القوات الكافية لتغطية منطقة سيطرة الأكراد بالإضافة أن تركيا قد أعلنت بأنها سوف تقاتل تنظيم داعش الذي يتمركز قرب الحدود العراقية السورية في جيب هجين جنوب دير الزور وبذلك سوف تكون العملية (مركّبة) وقد تأخذ وقت طويل لإنجاز المهمة.

إن وجود القوات الفرنسية في هذه المنطقة سوف يشكل عائقاً آخراً سيما وأن باريس أعلنت أنها سوف لن تنسحب من هناك.

إن عدم توصّل الفاعلين الأساسيين في الملف السوري حول تفاهمات ما بعد الانسحاب قد يعرض مسارات استانا وسوتشي للانهيار وإلى مواجهات عسكرية بين أطراف متعددة ومختلفة في المصالح وقد تدخل أطراف جديدة في الصراع السوري مثل العراق الذي يعتبر الحدود السورية الخاصرة الرخوة من الممكن أن يستثمرها داعش مرة أخرى وخصوصاً وأن تقارير البرلمان الفرنسي قد أشارت إلى وجود 40 ألف من عناصر التنظيم في العراق وسوريا.

إن أهم ما تتسم بها الإدارة الأمريكية الحالية في عهد ترامب هو عدم الاتساق والتناقض في المواقف والقرارات وأن فترة الانسحاب الأمريكي خلال 2-3 شهر من الممكن أن تتغير المواقف الأمريكية وتتوقف عملية الانسحاب أو تؤجل والتي قد تؤدي إلى خلط الاوراق من جديد.

         او قد يتغير جدول الانسحاب ليتحول الى انسحاب سريع وبذلك تتقلص مناورة الجهود الدبلوماسية والتفاهمات والتنسيق مما  تمهد لتحول في المنطقة  وتضعها على حافة الصدمة والإختلال والفراغ والإستدراج نحو التنازع والصراع وتجدد القتال والحرب وإثارة المزيد من الإضطراب والإنكسار