القدرات السيبرانية

سلاح روسيا الفعّال ضد الخصوم

د. احمد يوسف الجميلي
عن الكاتب

زميل برنامج الدراسات التركية في مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية



شهد العالم المعاصر منذ مطلع القرن الحالي سباقاً محموماً بين مختلف القوى الكبرى والاقليمية لاستغلال الفضاء السيبراني والاستفادة من المزايا الكبيرة التي يوفرها في تحقيق مكاسب استراتيجية حيوية لم تكن تحلم تلك القوى بتحقيقها عن طريق استخدام القوة العسكرية التقليدية. لقد اصبحت قضية "الارهاب السيبراني" او "الهجمات السيبرانية" واحدة من اهم واعقد القضايا التي تثير قلق الدول الكبرى المتقدمة تكنلوجياً قبل غيرها من دول العالم الاخرى الاقل تقدماً، وذلك لما تسببه من اثار وانعكاسات خطيرة تهدد امنها القومي ومصالحها العليا، في عصر تزايدت فيه الهجمات عبر الإنترنت، وتصاعدت النشاطات الإرهابية التي تمارسها جهات رسمية وغير رسمية واوقعت خسائر كبيرة وسببت انقسامات سياسية ومشاكل داخلية خطيرة للدول المستهدفة. 
يعرف الإرهاب السيبراني بأنه: "الاستخدام المتعمد للأنشطة التخريبية أو التهديد بها ضد أجهزة الكمبيوتر و / أو الشبكات، بقصد التسبب في ضرر أو تحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية أو ايديولوجية أو دينية أو ما شابه ذلك، أو ارغام أي شخص او تهديده لتحقيق تلك الاهداف". وتشمل الجرائم السيبرانية: الانتهاكات غير المرخصة للشبكة وسرقة الملكية الفكرية وغيرها من البيانات؛ ويمكن أن تكون تلك الجرائم ذات دوافع مادية، وعادة ما تكون الاستجابة القانونية لها من قبل اجهزة إنفاذ القانون، وضمن كل فئة من تلك الجرائم، يمكن للدوافع المختلفة فضلاً على تداخل النوايا والأساليب لمختلف الجهات الفاعلة أن تعقد من طرق وخيارات الاستجابة لتلك الجرائم. ويعتمد المجرمون والارهابيون والجواسيس السيبرانيون اعتماداً كبيراً على التكنولوجيات القائمة على الإنترنت لدعم الأهداف التنظيمية، وينتمي الإرهابيون السيبرانيون الى جهات حكومية وغير حكومية تشارك في الهجمات الإلكترونية لتحقيق أهدافها عن طريق سرقة المعلومات السرية أو الملكية التي تستخدمها الحكومات أو الشركات الخاصة للحصول على ميزة تنافسية أو أمنية أو مالية أو سياسية. كما ينخرط اولئك في هجمات إلكترونية غير قانونية لتحقيق مكاسب مالية او سياسية او ايديولوجية، فالمحاربين السيبرانيون هم عملاء أو شبه عملاء للدول القومية يطورون قدراتهم وينفذون الهجمات الإلكترونية ويصدون الموجهة منها ضدهم دعماً للأهداف الاستراتيجية للبلدان التي يخدمونها. 
وقد ظهر مصطلح "الارهاب السيبراني او الالكتروني" في ثمانينيات القرن الماضي واول من استخدمه هو باري كولين(Barry Colin) الباحث الاقدم في معهد الاستخبارات والامن في جامعة كاليفورنيا، والذي أطلقه على طريقة اندماج الكلمات الفيزيائية والافتراضية والمتعلقة ببعض جوانب الإرهاب، وقد انتشر هذا المصطلح بسرعة وعلى نطاق واسع منذ ذلك الحين مع تزايد استخدامه من قبل رجال القانون والأكاديميين ووسائل الإعلام للإشارة إلى حالات محددة ومشابهة وليس دائماً بصورة دقيقة. وعلى سبيل المثال، اعتبرت كلاً من الهجمات على البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والتسلط عبر الإنترنت إرهاباً عبر الإنترنت، في حين أن تلك الهجمات يجب تعريفها بشكل صحيح على أنها جرائم إلكترونية. بالتالي فإن الارتباك في تحديد المصطلح عادة ما يرجع الى حقيقة أن الأساليب التي يستخدمها مجرمو الإنترنت والإرهابيون السيبرانيون يمكن أن تكون متشابهة، على الرغم من أن الأهداف قد تكون مختلفة.

القدرات السيبرانية الروسية:

يختلف المنظور الروسي للحرب السيبرانية بشكل واضح عن نظرائه الغربيين، ويبدو ذلك واضحاً في الطريقة التي يعرّف بها المنظرون الروس الحرب السيبرانية؛ والتي تشير الى كيفية استخدام الكرملين لقدراته على الإنترنت لتحقيق الاهداف القومية لروسيا الاتحادية. فالمسؤولون الروس مقتنعون بأن موسكو تخوض عملية صراع وجودي مستمر مع قوى داخلية وخارجية تسعى إلى تحدي أمنها في عالم المعلومات، ويرون في الإنترنت والتدفق الحر للمعلومات التي يولّدها انها تشكّل تهديداً وفرصاً يمكن استغلالها بصورة ايجابية لخدمة اهدافها القومية على حدٍ سواء، كما انهم يصورون العمليات الإلكترونية ضمن الإطار الأوسع لحرب المعلومات، والذي هو عبارة عن مفهوم شامل يتضمن عمليات شبكة الحاسوب والحرب الإلكترونية والعمليات النفسية وعمليات المعلومات، وتماشياً مع المفاهيم السوفيتية التقليدية لمحاربة التهديدات المستمرة من الخارج وداخلها، ترى موسكو الصراع داخل "مجال المعلومات" مستمراً ولا يقف عند حدود معينة، بالتالي فإن للكرملين عقيدة معينة في استخدام الإنترنت تختلف عن تلك المتبعة في الولايات المتحدة والدول الاوروبية، كونها تمتاز بطبيعتها الهجومية وسياقها التصعيدي.
لقد أنشأت روسيا الاتحادية (وكالة أبحاث الانترنت)، أو ما يُعرف باسم "جيش المتصيدين-Troll Army"، تابع لوكالة الامن الاتحادي الروسي، يضم آلاف الموظفين، ويخصص له سنوياً نحو(300) مليون دولار من ميزانية الدفاع الروسية، إذ يعد الجيش الالكتروني الروسي خامس اقوى جيوش العالم الالكترونية بعد كل من: الولايات المتحدة والصين وبريطانيا وكوريا الشمالية على التوالي، وتتلخص مهمات الجيش الالكتروني الروسي بالآتي: 
•القيام بعمليات التجسس على الخصوم.
•شن الهجمات الالكترونية التي تسبب الضرر للبنى التحتية والاقتصاد والمواقع الحكومية في الدول الاجنبية المعادية. 
•حروب المعلوماتية في وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية، عن طريق القيام بعمليات اختراق الحسابات والبريد الالكتروني، وانشاء حسابات وهمية على شبكة المعلومات الدولية، وفتح الآلاف من الحسابات المزيفة على مواقع التواصل الاجتماعي: (تويتر، وفيسبوك،...وغيرها)، للرد على الآلاف من التعليقات والمقالات، ونشر الشائعات وتظليل الحقائق في محاولة لدعم الموقف الروسي وتوجيه الرأي العام ضد الخصوم.
وتلعب السيبرانية الهجومية دوراً أكبر في العمليات العسكرية الروسية التقليدية، وربما ستلعب دوراً اكبر في المستقبل في إطار استراتيجية الردع الروسية، بالرغم من أن الجيش الروسي كان بطيئاً في اعتناق العقيدة السيبرانية لأسباب هيكلية وعقيدية على حدٍ سواء، فقد أشار الكرملين إلى أنه يعتزم تعزيز القدرات الهجومية السيبرانية فضلاً عن الدفاعية للقوات المسلحة الروسية. وقد استخدمت روسيا الهجمات السيبرانية بحروبها المختلفة في جورجيا وأوكرانيا وسوريا، إذ يبدو أن روسيا تستخدم الإنترنت كسلاح في العمليات العسكرية التقليدية، حيث أتاحت تجربتها مع كل من جورجيا وأوكرانيا فرصاً لتحسين تقنياتها وإجراءاتها في مجال الحرب السيبرانية وعمليات الارهاب السيبراني، واستعراض قدراتها على الساحة العالمية وشكلت هذه القدرات في عدة مناسبات قوة ردع مهمة ضد خصوم روسيا.

الهجمات السيبرانية الروسية:

في العام(2007)، شنت روسيا اولى عمليات الهجوم السيبراني وكانت ضد استونيا، وذلك بسبب من محاولات الحكومة الاستونية التخلي عن إرثها السوفيتي بقيامها بنقل نصب تذكاري من الحرب السوفيتية من وسط العاصمة(تالين)، الامر الذي اثار غضب روسيا التي هددت بفرض عقوبات، وسرعان ما شنت روسيا عمليات هجوم سيبرانية أصابت مواقع الأجهزة الحكومية الاستونية والصحف والبنوك في البلاد بالتعطل، واستمرت الهجمات الإلكترونية لمدة ثلاثة أسابيع، وكانت تأتي على دفعات لتصيب مؤسسات استونيا الحكومية بشلل فعلي، إذ أرسل مخترقو الإنترنت الروس كميات كبيرة من المعلومات إلى المواقع الالكترونية المستهدفة في وقت واحد، مما أدى إلى زيادة الأحمال عليها وتوقفها في النهاية، كما وردت تقارير افادت بأن قراصنة الإنترنت الروس اخترقوا ما يصل إلى ربع أجهزة الكومبيوتر في العالم (حيث حولوها إلى أجهزة زومبي)، واستعانوا بروبوت برمجي لإغراق المواقع الاستونية بمعلومات وهمية عن وقوع هجوم حجب الخدمة (وهو هجوم يستهدف وقف خدمة إلكترونية ما بإغراقها بسيل من المعلومات من مصادر متعددة)، وانضم إلى القراصنة أشخاص عاديون حصلوا على تعليمات من مواقع روسية بشأن كيفية شن هجوم حجب الخدمة، حيث تم اختراق بعض المواقع وإعادة توجيه مستخدميها إلى صور لجنود سوفيت ومقولات لمارتن لوثر كينغ عن مقاومة "الشر"، وتزامن مع تلك الهجمات نشر معلومات خاطئة على مواقع إلكترونية أخرى مخترقة وأخبار كاذبة عن قيام الحكومة الاستونية بطلب العفو من روسيا ووعدها بإعادة النصب التذكاري إلى موقعه الأصلي، وشبهت حكومة استونيا هذه الهجمات الإلكترونية بالأعمال الإرهابية، واستطاع مسؤولون استونيون تعقب بعض عناوين الآي بي(IP) الأصلية الخاصة بالمخترقين وصولاً إلى مواقع تابعة للحكومة الروسية والإدارة الرئاسية، لكن مع ذلك واجهوا صعوبة في إثبات تنفيذ الحكومة الروسية لتلك الهجمات.
وفي انتخابات الرئاسة الامريكية في العام(2016)، قامت روسيا ايضاً بعمليات هجوم سيبرانية نجحت في اختراق البريد الالكتروني للحزب الديمقراطي الامريكي ومدير حملة مرشحته هيلاري كلينتون (جون بوديستا)، وقامت بتسريب رسائل البريد الالكتروني الى موقع (ويكليكس) لنشرها، كما استخدمت حسابات روسية شبه معلنة وأخرى خفية على مواقع التواصل الاجتماعي هاشتاغات (Hashtag) وعبارات منتشرة لإظهار ما يبدو أنهم مؤيدو المرشح الجمهوري (دونالد ترامب) المحافظون أو مشجعون يمينيون متطرفون على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تمتلئ تعريفاتهم الشخصية بكلمات مثل (الدولة)، (المسيحية)، (أميركا)، (الجيش)، ثم يدفعون بهاشتاغات مؤيدة لترامب مع أخبار كاذبة ومظللة إلى الجمهور الأمريكي، الامر الذي ساعد على إحداث حالة من التأييد لترامب والتشكيك في الحكومة الأميركية. وفي وقت سابق من العام(2015)، ساعدت روسيا مؤيدي خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الاوروبي (بريكست)، وذلك عندما رصدت أيضا حملة مشابهة حرضت فيها وسائل الإعلام الروسية على الخوف من المهاجرين وروجت للاتهامات التي أطلقها (نايجل فاراج) زعيم حزب بريطانيا المستقلة والمؤيد للبريكست عن الاستغلال الأمريكي لتغذية التأييد الشعبي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وفي 27 حزيران من العام(2017)، بدأت سلسلة من الهجمات السيبرانية الروسية القوية ضد مواقع حكومية في اوكرانيا باستخدام البرمجيات الخبيثة (بيتيا)، استهدفت الهجمات بنوك ووزارات وصحف وشركات كهرباء، وقد تأثرت العديد من الوزارات الأوكرانية والمصارف ونظم المترو والشركات المملوكة للدولة (مطار بوريسبيل الدولي، أوكرتيليكوم، أوكربوشتا، بنك الادخار الحكومي الأوكراني، السكك الحديدية الأوكرانية)، ولوحظ أن الهجوم الالكتروني على الأرجح يهدف إلى شل عمل الدولة الأوكرانية وليس لأسباب مادية، حيث جاء الهجوم عشية يوم العطلة الرسمية الأوكرانية احتفالًا بالذكرى السنوية لإقرار البرلمان الأوكراني دستور أوكرانيا في 28 حزيران من العام(1996)، وقد توجهت اصابع الاتهام الى روسيا بتدبير ذلك الهجوم.
مما تقدم يتضح بأن القيادة الروسية وعلى راسها الرئيس (فلاديمير بوتين) عملت في السنوات القليلة الماضية بشكل دؤوب على تنمية قدرات روسيا في المجال السيبراني وتطويرها بشكل كبير، وسخرّت تلك القدرات بصورة ذكية كسلاح فعّال لإيقاع الضرر المطلوب في قدرات خصومها، بالشكل الذي جعل من تلك القدرات السيبرانية احد عناصر الردع الاستراتيجي للدولة الروسية.