تقرير : الانتخابات النيابية العراقية 2018

الاوزان – التحالفات – التداعيات

د.قاسم الغريري
عن الكاتب

مدير الابحاث في مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية

د. احمد الجميلي
عن الكاتب

زميل برنامج الدراسات التركية في مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية

د.علي اغوان
عن الكاتب

مدير برنامج ابحاث الجيبولتيك في مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية

د.عمار مرعي الحسن
عن الكاتب

مدير برنامج الدراسات التركية في مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية

فراس الياس
عن الكاتب

مدير برنامج الدراسات الايرانية في مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية



الملخص التنفيذي 

تشكل الانتخابات البرلمانية العراقية المزمع إجراءها في 12 مايو 2018، منعطفاً مهماً في التاريخ السياسي العراقي لما بعد عام 2003، ولأسباب كثيرة أهمها، أنها ستكون عنوان الحدث الأبرز بعد هزيمة تنظيم داعش في معظم الأراضي العراقية، هذا إلى جانب أن طبيعة الحراك السياسي الموجود على الساحة السياسية العراقية في الوقت الحاضر،  يعبر عن مدى حساسية المرحلة القادمة، فكل تيار أو تحالف سياسي يرى بأن هذه الانتخابات أو ماسيفرز عنها من نتائج، سيكون بلا شك مؤثراً في إعادة هندسة اوزان العملية السياسية في العراق بالإضافة الى تأثيرها بشكل كبير على تحركات العراق الخارجية، خصوصاً وأننا نعيش اليوم في ظل بيئة إقليمية ودولية يكتنفها الكثير من الغموض وعدم اليقين، وهو ما يفسر من جهة أخرى تسابق القوى الإقليمية والدولية، لتبني أطراف سياسية على حساب أخرى، لإدراكها أن المعادلة السياسية التي ستنتج عن هذه الانتخابات، لن تكون بمعزل عن صناعة مستقبل هذه المنطقة.
إن التأمل الجيد في طبيعة الخارطة السياسية العراقية قبل وبعد هذه الانتخابات، يشير إلى حقيقة مهمة، وهي أن عملية هندسة هذه الخارطة السياسية، ستخضع للكثير من الشروط والضوابط التاريخية والآنية والمستقبلية، إن العراق بعد هذه الانتخابات سيكون مقبل على عملية معقدة أخرى، وهي ما يطلق عليه بمصطلح "انتخاب الانتخابات"، والحديث هنا عن المفاوضات المفترضة لتشكيل الحكومة العراقية المقبلة، فالاهتمام الدولي والإقليمي المتزايد بها، سيفرض بدوره الكثير من الصعوبات على العملية التفاوضية بين الكتل السياسية، خصوصاً وأن التشظي الحاصل في الخارطة السياسية الحالية، يشير بوضوح إلى صعوبة تحقيق أي كتلة أو تحالف انتخابي على الأغلبية المطلقة في الانتخابات القادمة، هذا فضلاً عن الكثير من المشاكل الفنية والتقنية والدستورية والقانونية، التي قد تنقص بدورها من إثارة نتائجها.
وبالمجمل هناك الكثير من التوقعات التي تناقش مستقبل العراق بعد 12 مايو 2018، وهذه التوقعات هي بدورها مرتبطة درجة تحقيقيتها، بمدى توفر الظروف الموضوعية والمادية لبروزها، فهناك الكثير من التأويلات والتكهنات بشأن النتائج أو التحالفات التي ستنتج عن هذه الانتخابات، فتبني طروحات التغير السياسي والاقتصادي والأمني، عبر صيغ حزبية ضيقة، مدفوعة باستحقاقات إقليمية ودولية متضاربة، ستفرض نفسها بكل قوة على عملية إعادة هندسة النظام السياسي في العراق. 
ويبقى السؤال الأكثر أهمية في المرحلة القادمة، وهو مع التشظي المحتمل في نتائج الانتخابات القادمة كيف يمكن ان تكون التحالفات البرلمانية التي تليها، وكيف لها ان تؤثر على تشكيل الحكومة المقبلة وعلى توزيع القوة بين أطراف المعادلة العراقية على نحو يختلف عن القوالب التي كانت مشكلة للعملية السياسية خلال العقد المنصرم، ووسط اهتماما إقليمي ودولي غير مسبوق.


أولا: الاوزان التقريبية للائتلافات الانتخابية في الانتخابات القادمة

انقسم المشهد السياسي العراقي منذ العام (2003) قومياً وطائفياً واثنياً عاكساً ذاك التنوع الاجتماعي الذي يمتاز به المجتمع العراقي، لكن هذه الانقسام بعد سقوط النظام السابق كان حاداً ودموياً بصورة لم يشهدها العراق منذ تأسيس الدولة العراقية في العام (1920). واذا كان تشكيل الكتل السياسية المشاركة في انتخابات 12 مايو 2018 اختلفت نسبيا عن سابقاتها من حيث اعتماد المقاييس الطائفية والقومية في التشكيل الا ان السياقات العامة ظلت حاكمة للمشد على نحو كبير، الامر الذي ينعكس على الاوزان الانتخابية لهذه الكتل في الانتخابات القادمة والنتائج التي ستسفر عنها عمليات العدّ والفرز، ومن اجل حساب الاوزان التقريبية للكتل المشاركة في الانتخابات لابد من التعرف اولاً على خارطة الكتل السياسية العراقية وتوزيعها من حيث الكتل والائتلافات، ومن ثم توقع الاوزان التقريبية لكل منها وما يمكن ان تحققه في هذه الانتخابات.
- الخارطة السياسية الانتخابية بحسب المكونات: 
أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في 10كانون الثاني (2018) عن انتهاء مدة استقبال طلبات تسجيل التحالفات الانتخابية للأحزاب المسجلة لديها والبالغ عددها (320) حزباً سياسياً وائتلافاً وقائمة انتخابية –بضمنها نحو133 حزباً قديماً-، وأعلنت عن تسجيل (88) قائمة انتخابية، و(205) كياناً سياسياً، و(27) تحالفًا انتخابياً ضمت (143) حزباً، ستخوض الانتخابات بـ(6904) مرشحاً، في حين ستخوض الاحزاب التي لم تدخل في التحالفات الانتخابات بصورة منفردة. ووفقاً للمفوضية العليا؛ فإن نحو (24) مليون ناخب عراقي يحق لهم التصويت في هذه الانتخابات من مجموع الشعب العراقي البالغ تعداده نحو (34) مليون نسمة، بمعدل نائب واحد عن كل (100) ألف نسمة.  حيث تتنافس الاحزاب والكتل السياسية على (328) مقعداً تتوزع على (18) دائرة انتخابية تمثل جميع محافظات العراق، وذلك استناداً الى عدد سكان كل محافظة منها ونوع المقاعد واعداد المرشحين، حيث سيكون نصيب كل محافظة منها ما بين (7-34) مقعداً، بالإضافة الى نسبة خاصة للأقليات "كوتا" تشمل (9) مقاعد: خمسة مقاعد منها للمسيحيين، ومقعداً واحداً للصابئة، ومقعداً واحداً للأيزيديين، ومقعداً واحداً للشبك، ومقعداً واحداً للفيليين، وكما هو موضح على النحو الآتي:



المصدر: المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق
اما أبرز التحالفات المشاركة في الانتخابات النيابية الحالية وفقاً للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات فهي ( ):

1. ائتلاف النصر: يرأسه رئيس الوزراء العراقي (حيدر العبادي)، ويضم التحالف كلاً من: كتلة عراق النهضة والسلام، وحزب الفضيلة الاسلامي، والاتحاد الاسلامي لتركمان العراق، وتيار الاصلاح الوطني، والمؤتمر الوطني العراقي، وكلنا العراق، والتيار الوطني العشائري في العراق، وتجمع مقتدرون للسلم والبناء، وحركة الوفاء العراقية، وتيار العدالة والنهوض، وتجمع صوت الجماهير، وتجمع العراق الجديد، وتجمع ثوار الانتفاضة، وحركة عطاء، وتيار الابرار الوطني، وكتلة درع العراق، وامل الرافدين وغيرها.
2. كتلة الفتح المبين: يترأسها الأمين العام لمنظمة بدر (هادي العامري) ويضم هذا الائتلاف(18) كياناً سياسياً إلى جانب منظمة بدر، ابرزها: الحركة الاسلامية في العراق، وحركة الصدق والعطاء، وحزب الطليعة الاسلامي، وحركة الجهاد والبناء، وكتلة منتصرون، وحركة الصادقون، والتجمع الشعبي المستقل، وحزب المهنيين للإعمار، وتجمع كفى صرخة للتغيير، وتجمع عراق المستقبل، وحزب المهنيين للإعمار، وحزب الله العراق، والمجلس الاعلى الاسلامي العراقي، ومنظمة العمل الاسلامي العراقية، وحركة 15 شعبان الاسلامية، وتجمع الشبك الديمقراطي. وكانت كتلة الفتح المبين قد انشقت عن (ائتلاف النصر) بسبب "دخول أشخاص غير مرغوب بهم في تحالف النصر" بحسب القيادي في تحالف الفتح المبين (كريم النوري). ويمكن تسمية هذه الكتلة بكتلة (الحشد الشعبي) كونها تضم أبرز واغلب الفصائل الشيعي المشكلة للحشد الشعبي.
3. ائتلاف الوطنية: يتراسها اياد علاوي وتضم رئيس مجلس النواب سليم الجبوري وصالح المطلك  ويضم كلاً من: حزب العراق للإصلاح، وحزب الحوار والتغيير، وحزب الخيار العربي، وجبهة الوحدة الوطنية، وتجمع نهضة جيل، ووطني اولاً، والمشروع الوطني العراقي، وحزب العروبيون، والجبهة العراقية للحوار الوطني، والتجمع المدني للإصلاح (عمل)، وحركة العمل والوفاء، وحزب المسار المدني، وحزب التصحيح الوطني (تصحيح)، وجبهة النهضة والاصلاح العراقية، وتيار السلم المدني، والتقدم المدني الحر، واحرار الفرات، ومعاهدون، وباب العرب.
4. تحالف سائرون: جرى تشكيل قوة سياسية تحت أسم "سائرون" تضم كلاً من: حزب الاستقامة الوطني الذي أسسه زعيم التيار الصدري السيد (مقتدى الصدر)، والحزب الشيوعي العراقي، والعديد من القوى السياسية برئاسة زعيم التيار الصدري، بالإضافة إلى تحالفهم مع ثمانية أحزاب اخرى بينها أحزاب مدنية، مثل: الحزب الشيوعي العراقي، وحزب الدولة العادلة، والشباب وغيرها.
5. تيار الحكمة الوطني: ويرأسه السيد (عمار الحكيم)، بعد الانشقاق عن حزب المجلس الاعلى الاسلامي العراقي وابعاد القيادات السابقة للمجلس، ويضم التيار (7) احزاب أخرى كانت منضوية تحت تحالف النصر، وهي كلاً من: (تجمع ثوار الانتفاضة، حزب التطور العراقي، التجمع العراقي الجديد، حزب درع العراق، التيار العشائري في العراق، تيار الشهيد الاول، تيار الابرار الوطني).
6. ائتلاف دولة القانون: يرأسه نائب رئيس الجمهورية الحالي (نوري المالكي)، ويضم كلاً من: حزب دعاة الاسلام (تنظيم العراق)، وحركة النور الانتفاضة والتغير، وتيار الوسط، وحركة البشائر الشبابية، وكتلة معاً للقانون، والحزب المدني، والتيار الثقافي الوطني، وتجمع أُمناء بلدنا، وتيار ولائيون الاسلامي.
7. تحالف القرار العراقي: ويضم التحالف كلاً من: للعراق متحدون، والمشروع العربي في العراق، وحزب تجمع المستقبل الوطني، ومشروع الارادة الشعبية، وحزب الهيبة الوطنية، وحزب المجد العراقي، وحزب الحق الوطني، وحزب الغد العراقي، وحزب النداء الوطني، وحركة النهضة الشبابية عز، واتحاد صلاح الدين. ويضم كل من نائب رئيس الجمهورية أسامة النجيفي رئيسا وخميس الخنجر راعيا.
8. الأنبار هويتنا: ويضم اتحاد القوى الوطنية، وتجمع التعاون، وحزب الحل، والأصالة العربية، وحزب وحدة أبناء العراق. ويعد رجل الاعمال جمال الكربولي راعيها الرسمي.
9. تمدن: ويضم حزب الشعب للإصلاح، وحركة العراق الوطنية، والحركة المدنية الوطنية، وحزب الاتفاق الوطني العراقي. يرأسها النائب فائق الشيخ علي.
10. التحالف المدني الديمقراطي: ويضم التيار الاجتماعي الديمقراطي، والتجمع من اجل الديمقراطية العراقي، والمبادرة الوطنية (موطني)، والبصمة الوطنية.
11. قائمة السلام الكردستانية: ويضم الاتحاد الوطني الكردستاني، والحزب الديمقراطي الكردستاني، والحزب الشيوعي الكردستاني (العراق).
12. جبهة تركمان كركوك: ويضم الجبهة التركمانية العراقية، وحزب توركمن ايلي، وحزب العدالة التركماني، والحركة القومية التركمانية.
13. ليستي نشتيمان (القائمة الوطنية): ويضم كوران(التغيير)، والجماعة الاسلامية الكردستانية(العراق)، والتحالف من اجل الديمقراطية والعدالة.
14. ائتلاف كفاءات للتغيير: ويضم تجمع الكفاءات والجماهير، وحزب الوفاء الوطني العراقي، وتحالف قوى الانتفاضة في العراق، وجبهة الاعتدال الوطني، وكتلة دعم الدولة، ودعاة العراق لدعم الدولة.
15. الائتلاف الفيلي العراقي: ويضم المؤتمر الوطني العام للكرد الفيليين، وحزب الحوار الفيلي.
16. عابرون: ويضم حزب الوفاء، وحزب سور العراق، والكتلة العراقية الحرة، وحزب الجماهير الوطنية.
17. تحالف بغداد: ويضم جبهة انقاذ تركمان العراق، وحزب الاصالة العربية، وحزب وحدة ابناء العراق، وحزب الحل، وتجمع التعاون، وحزب الوفاء، وحزب سور العراق، وحزب الحرية والتقدم.
18. ائتلاف قلعة الجماهير الوطنية: ويضم حزب الجماهير الوطني، والكتلة العراقية الحرة، وتجمع القلعة.
19. ائتلاف الرافدين: ويضم الحركة الديمقراطية الآشورية(زوعا)، والحزب الوطني الآشوري.
20. تضامن: ويضم تجمع العزة الوطني، وأمل العراقية المستقلة، والعراق هويتنا.
21. نينوى هويتنا: ويضم هذا التحالف كلاً من: تجمع السلام الديمقراطي برئاسة محمد اقبال وجبهة انقاذ تركمان العراق، وحزب الاصالة العربية، ووحدة ابناء العراق، وحزب الحل، وحزب الوفاء، والحرية والتقدم، وتجمع التعاون، واتحاد القوى الوطنية، وحزب الشعب للإصلاح.
وهنالك تحالفات أخرى، مثل: تحالف البصرة المستقل، وتحالف البديل، وائتلاف الكلدان، وموصليون، وتحالف صلاح الدين هويتنا، والتحالف العربي في كركوك، وديالى التحدي.
وعلى الرغم من بنية هذه التحالفات التي حافظت بصورة عامة على السمة المذهبية والقومية في توجهاتها، إلّا أن ما يلاحظ على هذه الانتخابات هو محاولة بعض التيارات داخل هذه الكتل الخروج من العباءة الطائفية والقومية ومحاولة تشكيل احزاب تعمل على تشكيل تحالفات عابرة للانتماءات الضيقة وبناء هوية وطنية جامعة، وهذا ما حدث بالنسبة للتحالف الوطني والذي يعد الكتلة السياسية الاكبر الممثلة للمكون الشيعي في العراق، وذلك بخروج التيار الصدري منه وكذلك خروج (عمار الحكيم) من المجلس الأعلى الإسلامي ذو المرجعية المذهبية وتشكيل (تيار الحكمة الوطني)، فضلاً عن حزب الدعوة الإسلامية الذي سيدخل الانتخابات بكتلتين: الأولى/ كتلة النصر بزعامة رئيس الوزراء الحالي(حيدر العبادي) والأخرى/ ائتلاف دولة القانون بزعامة(نوري المالكي) الذي يشدد على مبدأ الأغلبية السياسية. وكذلك الحال بالنسبة للكتل السُنيّة وذلك بالانشقاقات التي تعرض لها الحزب الإسلامي العراقي على مستوى القيادات وتشكيل أحزاب وطنية عابرة للمذهبية كحزب التجمع المدني للإصلاح بزعامة رئيس البرلمان الحالي(سليم الجبوري)، وكذلك تشكيل تجمع السلام الديمقراطي برئاسة وزير التربية الحالي محمد اقبال  اما الاحزاب الكردية فقد مثّل إنشقاق(برهم صالح) القيادي في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني وتأسيسه لحزب جديد(التحالف من أجل الديمقراطية والعدالة) تغييراً في بنيتها القومية، وكذلك ظهور حزب(الجيل الجديد) بزعامة (شيسوار عبد الواحد) رجل الاعمال البارز والذي يعد الحزب الوحيد الذي يشارك بمرشحين في جنوب العراق.
- الاوزان التقريبية للكتل الانتخابية المتوقعة في الانتخابات
تعد انتخابات مجلس النواب العراقي لعام(2018) من اعقد الانتخابات واكثرها اثارة للجدل بالمقارنة مع سابقاتها التي شهدها العراق بعد العام(2003)، وذلك بسبب تركيبة التحالفات الجديدة والانشقاقات الغير متوقعة التي ألمت بأحزابها التقليدية الرئيسة التي تصدرت المشهد السياسي العراقي منذ انتخابات العام(2005)، وهي الانتخابات الاولى التي تمتاز بغياب التحالفات المهمة والتي يمكن من خلالها رسم خريطة العملية السياسية بصورة مسبقة، فالأحزاب والقوى السياسية التي تشارك فيها والنتائج التي ستحققها وطبيعة تركيبة الحكومة التي ستولد من رحمها لا يمكن التكهن بها، ما عدا بعض الاسس العامة التي تحددها  الاتفاقات الخارجية وتسالمت عليها اراء القوى السياسية نسبياً كأن تكون رئاسة الوزراء للمكون الشيعي ورئاسة الجمهورية للمكون الكردي ورئاسة مجلس النواب للمكون السُنيّ وهكذا بالنسبة لباقي الوزارات والمناصب، الامر الذي يجعل من الصعب بمكان التكهن بنتائجها. لكن بالرغم مما تقدم، يمكن توقع بعض النتائج التي ستحققها الكتل الانتخابية الرئيسة في الخارطة السياسية العراقية في الانتخابات البرلمانية الحالية وبحسب انتماءاتها العرقية والمذهبية، وكما موضح في ادناه:




كما يمكن توقع بعض النتائج التي ستحققها الائتلافات الانتخابية الرئيسة في الخارطة السياسية العراقية في الانتخابات الحالية، وكما موضح في ادناه:



مما تقدم، نستنتج ان اهم ما يميز المشهد السياسي العراقي ممثلاً بأحزابه السياسية وكتله الانتخابية المختلفة قبيل الانتخابات النيابية الحالية، هو الآتي:  
1. قيام بعض الاحزاب التقليدية الرئيسية بإعادة صياغة نفسها واعتزال بعضها رسميا المشاركة في الانتخابات فيما تقوم فعليا بالمشاركة عبر تحالفات ويافطات جديدة.
2. بعض الاحزاب والقوى السياسية في هذه الانتخابات تجاوزت في تحالفاتها كل التوقعات بإعلانها الدخول في كتل تضم قوى سياسية كانت بالضد منها في الدورات الانتخابية السابقة.
3. اضحت القوى والاحزاب العراقية مجرد تكتلات سياسية انتخابية، تستند في اهدافها الى حسابات انتخابية تقوم على تعبئة وقتية لقواعدها الجماهيرية لفترة قصيرة تسبق الانتخابات، وليس الى اعتبارات عقيدية او مبدئية. 
4. ان الاوزان التقريبية المحتملة للكتل الفائزة في الانتخابات العراقية ستفضي الى حراك صعب ومعقد حول تشكيل التحالفات البرلمانية بل لا استغراب إذا ما شهدت بعض الكتل الكبرى تفككا في اليوم التالي على اعلان النتائج وهو ما سيفضي الى مخاض عسير لولادة الحكومة القادمة.

ثانيا: ائتلافات ما قبل الانتخابات وتحالفات مع بعد الانتخابات

مدخل تأسيسي نحو تحالفات ما قبل الانتخابات
يبدو من المبكر للوهلة الاولى الحديث عن تحالفات سياسية لتشكيل الحكومة العراقية قبل معرفة النتائج التي ستفضي اليها العملية الانتخابية، غير ان الباب امام الاستشراف العلمي المستقبلي مفتوح لمثل هكذا رؤى بناءً على معلومات بنية الائتلافات الحالية وطبيعتها. ان ما يميز الانتخابات الحالية لعام 2018 عن غيرها من الانتخابات انها غادرت عملية التخندق الطائفي والقومي بصورة نسبية والتي كانت تشير الى تقسيمات افقية بينما ذهبت اليوم الائتلافات الى ابعد من ذلك لتصبح عامودية وافقية في ان واحد: 
حيث كانت قبل انتخابات 2018 على النحو الافقي الاتي:
1. الشمال الكوردي المغلق للكورد قومياً.
2. الوسط السني شبه مغلق للسنة مذهبياً.
3. الجنوب الشيعي المغلق للشيعة مذهبياً.
4. مع وجود مناطق مختلطة للسنة والشيعة والكورد الى حد ما كديالى وبغداد.
بينما أصبح التقسيم والتوسع في انتخابات 2018 افقياً وعامودياً معاً بحيث يمكن ان نشاهد مثلا:
1- قائمة النصر ذات الرأس الشيعي توسعت عامودياً والمتمثلة رئيس الوزراء حيدر العبادي من بغداد تتواجد في دهوك واربيل والسليمانية وتنافس فيها في معقل الكورد- رغم محدودية حظوظها - فضلاً عن منافستها في معقل السنة وهذا يعني صعود الشيعة نحو الوسط والشمال.
2- بينما نشاهد في الاتجاه الاخر وجود قائمة كوردية توسعت عامودياً في النجف وكربلاء تنافس داخل معقل الشيعة فضلا عن بغداد والبصرة وهي قائمة الجيل الجديد بزعامة شاسوار عبد الواحد من السليمانية وهذا يعني نزول بعض الكورد نحو الوسط والجنوب.
3- وكذلك تجد قائمة فتية ذات رأس سني من الموصل مثلا توسعت عامودياً تنافس في معقل مختلط مذهبيا وقومياً في بغداد والبصرة وكركوك وصلاح الدين والانبار وهي قائمة بيارق الخير برعاية السيد خالد العبيدي وهذا يعني نزول السنة نحو الوسط والجنوب.
4- مع قائمة شيعية قديمة حديثة استطاعت ان تتوسع قليلاً بالاتجاه العامودي بنزولها في السليمانية والموصل وصلاح الدين والانبار وهي قائمة تيار الحكمة برمزها السيد عمار الحكيم.
5- فضلا عن قائمة سائرون في الموصل والانبار وصلاح الدين التي اختطت لنفسها اطاراً أكثر توسعاً وفي الفضاء العامودي بغطاء السيد مقتدى الصدر.
6- فضلا عن قائمة الفتح بزعامة السيد هادي العامري والتي تتواجد اليوم بالمناطق العربية السنية كمحافظة نينوى وصلاح الدين وكركوك والانبار فضلاً عن منافستها في معاقل الشيعة.
7- بينما بقيت القوائم الكلاسيكي السنية (كمتحدون بنسختها المحدثة القرار العراقي بزعامة السيدان اسامة النجيفي وخميس الخنجر) والشيعية (كائتلاف دولة القانون بزعامة السيد المالكي) تدور بنفس الإطار الافقي المعتمد على نوع واحد من الزعامات المذهبية كما بقيت قوائم الحزب البارتي الكوردي (بقيادة السيد البرزاني) والايكتي بقيادة السيدة هيرو طالباني والسيد قوبات طلباني بنفس الإطار الافقي القومي.





تحالفات محتملة ما بعد الانتخابات 
يبدو عراق ما بعد الانتخابات أكثر وعورة من عراق ما قبله، هذا ما اثبتته كل التجارب الانتخابية التي عاشها العراق منذ عام 2005 حتى اليوم، وقد يتذكر الناخب العراقي وكذلك سياسيو الخط الاول ما حصل عام 2010 من عسر كبير في عملية تحديد من هو الاحق في تشكيل الحكومة هل هي الكتلة البرلمانية الاكبر ام الكتلة الفائزة مما ادى الى عسر سياسي بالغ أدى الى تأجيل عملية تشكيل الحكومة مدة طويلة. 
وتبدو الامور بنفس التعقيد عام 2018 من حيث المبدأ لما حصل عام 2010 من عسر في عملية تشكيل الحكومة مع الاخذ بنظر الاعتبار تفكيك الكتل المذهبية والقومية وتشتيتها في عناوين مختلفة، وستشهد سيناريوهات واحتماليات متعددة.
تفتت القوائم والائتلافات الانتخابية وإعادة تشكيل التحالفات: 
من بين أكثر الملامح بروزا للانتخابات النيابية العراقية 2018 هي ضعف الائتلافات الانتخابية وعدم تبنيها قضية جامعة وبرنامجا محددا بقدر ما هي تحالفات انتخابية انية، هذه الحقيقية ستتبعها نتيجة غير مسبوقة وهي إعادة تشكيل التحالفات الحالية من جديد وعلى نحو يؤدي الى تفتت الكثير من الكتل والتحالفات الانتخابية الحالية، في اليوم التالي لإعلان نتائج الانتخابات. 
تعود الأسباب الدافعة لذلك من طبيعة المنافسة الموجودة وضعف هيكل التحالفات الانتخابية وغياب برامجها فضلا عن نتائج الانتخابات التي ستخرج بنتائج متقاربة بين الفائزين وهو ما يمكن الكتل المتوسطة والصغيرة من لعب دور مهم في التحالفات بما يدفع الى إعادة تشكيل القوائم التي على أساسها تشكلت الانتخابات. 
ان القوائم المؤهلة لحدوث انشقاق او إعادة تشكيل بداخلها هي قوائم النصر والقرار والوطنية فضلا عن قوائم الكرد , ففي اطار التنافس المحتمل  بين قائمة دولة القانون وقائمة النصر فان انسحاب أعضاء من النصر وانضمامهم الى قوائم أخرى تشكل لاحقا , تمثل امر وراد جدا وسيكون ذلك احد ابرز مساعي رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي , كما ان بنية قائمة القرار لن تكون قادرة على الاستمرار لا سيما مع وجود السيد أسامة النجيفي على راس القائمة وضعف هامش مفاوضته مع بقية الكتل السنية , بذات الاتجاه تسير القائمة الوطنية لطبيعة تشكيلها وتعدد اقطابها وعدم وجود رؤية واضحة للتفاوض حول تشكيل الحكومة القادمة . مما يجعلها هي الأخرى عرضة للانشقاقات وإعادة التشكل. 
اما الكرد فللمرة الأولى منذ 2003 يشهد الواقع الكردي هذا التشتت وذهاب الأحزاب الكردية منفردة للتفاوض مع أحزاب في المركز بالإضافة الى ظهور فواعل جدد لذا فان قوائم كردية مفاوضة يبقى احتمالا واردا بدرجة كبيرة.
النتيجة المترتبة على ذلك هو ظهور تحالفات وقوائم جديدة تسبق المفاوضة على تشكيل الحكومة بما يعقد المشهد بشكل أكبر ويضفي ضبابية واضحة حول شكل ومسارات الحكومة القادمة.
تنافس العبادي - المالكي وسياسة المحاور: 
ان السياق الثابت في تشكيل الحكومة هو تشكيل كتلة شيعية أكبر من بين القوائم المتنافسة، ولما كانت الكتل الشيعية مختلفة باتجاهات متعددة وعلى نحو غير مسبوق فان المرجح ان تفضي التحالفات الى استقطاب محورين بعد ظهور نتائج الانتخابات، هذان المحوران سيكونان متمثلان بمحور العبادي ومحور المالكي وسيسعى كل محور الى ان يكون هو الكتلة الشيعية الأكبر القادرة على الموازنة وحسم ملف التفاوض لصالحها في تشكيل الحكومة.
بموجب هذه الاحتمالية فان محور السيد العبادي سيسر باتجاه التحالف مع كتلة سائرون برعاية الصدر وكذلك تيار الحكمة برعاية عمار الحكيم فضلا عن أحزاب خارج الدائرة الشيعية مثل حزب برهم صالح الجديد والقوى المنضوية في لوائه وحركة الجيل الجديد بزعامة شاسوار عبد الواحد، وبالرغم من كل ذلك لا يرجح ان تستطيع القوى الاخيرة المتحالفة تشكيل الحكومة لوحدها وتحقيق النصاب المطلوب غير ان وزنها القريب من النصاب سيزيد من حظوظها لاقتراب منها الكتل السنية والشيعية.
الا ان المشكلة التي تقف بوجه هذا التحالف هو رغبة الحكمة وسائرون بخروج منصب رئيس الوزراء من حزب الدعوة وتلويحهم بذلك مرارا وهو ما يشكل تحديا صلبا في وجه هذا التفاعل، الا انهم قد يتراجعون عن ذلك مقابل تنازلات من قبل العبادي لصالحهم في الحكومة القادمة وفي سياق وقوفهم ضد محور المالكي. وسيحظى هذا المحور بدعم إقليمي وامريكي بدرجة أساسية.
على الجانب الاخر فان محور دولة القانون بقيادة المالكي أحد المحاور المؤهلة للتشكل بالضد من العبادي، وسيعمل المالكي على تسقيط العبادي ووضع العقبات امام تحالفاته، كما ان النقطة الأساسية التي سيعمل عليها ابتداء هي محاولة تشتيت ائتلاف النصر عبر دعم وحماية الانشقاقات بين صفوفه، وهو لن يعمل الى جر أعضاء ائتلاف النصر الى جانب تحالفه بقدر ما سيشجع على انشقاقهم وانتمائهم الى التحالفات الجديدة التي ستلي الانتخابات لكن الهدف سيكون اضعاف تحالف النصر بقيادة العبادي وتسقيطه.
كما ان المرجح بقوة ان يكون المالكي على التفاهم مع ائتلاف الفتح بقيادة العامري للأرضية المشتركة بينهما، الا ان التحدي الأساسي الذي يواجهه المالكي هو رغبة ائتلاف الفتح في الحصول على منصب رئيس الوزراء، ولكن قد يتمكن المالكي من القفز على هذه العقبة على عبر طرح مرشح تسوية وإذا نجح في اقناع ائتلاف الفتح بذلك.
وقد استثمر المالكي العديد من المحطات السياسية لتحقيق تفاهم مع خصوم سابقين له خارج الدائرة الشيعية، إذا استطاع ومنذ الفترة الماضية الى تحقيق تنسيق عالي بين حزب الدعوة / جناح المالكي والحزب الديمقراطي الكردستاني في الوقت الذي يمتلك تنسيقا عاليا أيضا مع قوى عربية سنية ستكون قوة دافعة له في مواجهة محور العبادي.
هذان المحوران سيعتاشان بدرجة كبيرة على التحالفات المشكلة في مرحلة ما بعد النتائج والتي تكون قائمة على تفتت الائتلافات الانتخابية لان مثل تلك التحالفات سيكون موقفها التفاوضي واضحا وقويا وبراغماتيا الا ان النتائج هي من ستفرز بالنهاية من سيكون الموازن بين كل تلك التحالفات.
تحالفات ائتلاف الفتح: 
برزت كتلة تحالف الفتح الانتخابية من بين أبرز الكتل الانتخابية التي تملك حظوظا تنافسية على المركز الأول في الانتخابات العراقية، وشكلت هذه الكتلة مفاجئة انتخابات 2018 , كونها الكتلة التي تحوي لونا واحدا متمثلا بالأحزاب التي تمتلك فصائل مسلحة في الحشد الشعبي او تلك الفصائل التي تحولت الى أحزاب سياسية، ومستثمرة قتالها لداعش وشعبيتها القوية لتحقيق زخم انتخابي في الانتخابات القادمة.
المفاجئة التي جاءت بها كتلة الفتح هي تصميمها على حيازة منصب رئيس الوزراء على نحو يغير قواعد المعادلة الشيعية كون منصب رئيس الوزراء لم يخرج منذ البداية من حزب الدعوة الإسلامية، وكون ذلك سيغير الكثير من التحالفات والمعادلات في البيت السياسي الشيعي.
تصميم كتلة الفتح على الحصول على منصب رئيس الوزراء يأتي في إطار تقديم السيد هادي العامري لشغل هذا المنصب واعتباره المرشح الوحيد لذلك المنصب، وقد قدم السيد هادي العامري في إطار سعيه لذلك 25 مليون دولار لشركة علاقات خاصة أمريكية من اجل تسويقه داخل الولايات المتحدة الامريكية ولتحقيق أرضية يستطيع من خلالها التفاوض مع الامريكان حول منصب رئيس الوزراء.
بالإضافة الى ان هناك لقاءات مستمرة بين منظمة بدر بزعامة السيد هادي العامري ووكالة الاستخبارات المركزية الامريكية CIA للتنسيق حول العديد من الملفات في الساحة السياسية العراقية.
هذا التصميم سيغير الكثير من التوقعات المحتملة لتشكيل الائتلافات وستتراجع الكثير من الكتل عن شروط تعتبرها أساسية بغية استبعاد تشكيل الفتح للحكومة، كما سيدفع بالموقف الإقليمي والدولي الى اهتمام أكبر في تشكيل الحكومة لا سيما وان النظرة الى التحالف على انه الحليف الأقرب الى إيران. 
الهدف الأساسي الذي يسعى اليه الفتح هو انه وان لم يستطع تشكيل الحكومة فانه سيذهب الى دعم تشكيل حكومة ولكن بشرطه التي أبرزها ستتمحور حول دمج وضعه في الدولة العراقية وعلى النحو الذي يرغب به اقطاب تحالف الفتح. والحصول على وزارات سيادية مهمة كالنفط والداخلية وبدرجة اقل وزارتي النقل والتربية والتعليم. والذي بالنتيجة لن يكون بالمهمة السهلة.
هل سيتحالف العبادي والمالكي بعد الانتخابات لتشكيل الحكومة؟ 
تبدو هذه الفرضية من حيث المبدأ غير منطقية مقارنة بالتجاذبات القوية التي عاشها اقطاب الدعوة الامر الذي ادى الى انقسامه بشكل شبه رسمي الى تيارين رئيسين هما تيار العبادي وتيار المالكي على طول خط اداء حكومة عام 2014 حتى نهايتها عام 2018، غير ان الامر يكاد يكون مختلف حينما تسمع تصريحات عديدة من اقطاب داخل الدعوة تتحدث عن وجود اتفاق على التحالف بعد الانتخابات لتشكيل الحكومة تحت غطاء الدعوة. هذا السيناريو سيكون مرجحا بدرجة كبيرة إذا ما أصر تحالف الفتح على تشكيل الحكومة وإذا ما شعر الطرفان بإمكانية خروج منصب رئيس الوزراء من يد حزب الدعوة، وان مثل هذه الاحتمالية فان الطرفان سيتحول تخاصمهما الى توافق وربما سيكون حول شخصية ثالثة من حزب الدعوة بغية عدم خروج المنصب من حصة الحزب.

ثالثا: البعد الخارجي في الانتخابات النيابية العراقية:
بالقدر الذي تمثله الانتخابات العراقية أهمية بالغة الحساسية للداخل العراقي وتوازناته , فإنها تمثل كذلك حدثا إقليميا مهما لا سيما لدى القوى الرئيسية في المنطقة , وينبع ذلك من طبيعة إعادة تشكيل الأدوار والتوازنات الإقليمية في العراق , والاستحقاقات المترتبة على مرحلة ما بعد داعش , لذا فان الانتخابات العراقية تمثل الاختبار الصلب والحقيقي امام  تلك القوى التي استطاعت التفاعل مع احتلال تنظيم داعش للمدن العراقية على نحو جعلها تحوز تفوقا منقطع النظير على نظائرها من القوى والفواعل الأخرى , كما ان الصراع والتنافس بين القوى المتضادة يتعزز بشكل كبير خلال الانتخابات القادمة وما بعدها في اطار السعي لتحقيق الاستحقاقات الحالية في الساحة العراقية او إعادة تشكيلها من جديد . يأتي هذا التفاعل وسط دخول فواعل جدد على الساحة العراقية على نحو غير مسبوق، ولعل التفاعل البريطاني الأوربي والانفتاح السعودي الخليجي على العراق والسعي الى إعادة تسوية العلاقة التي لم تشهد استقرار منذ حرب الخليج الثانية، يمثل هو الاخر علامة فارقة تلقي بتداعياتها على الانتخابات العراقية ومسارها. 
دوليا كان التفاعل الدولي مع العراق مختلفا وملفتا في سياق الحرب على تنظيم داعش، هذا التفاعل كان له استحقاقه الذي يستلزم الالتزام به، وهو ما يضفي تساؤلات حول الدور الذي ممكن ان تلعبه في الانتخابات القادمة وما بعدها. 
- الولايات المتحدة الامريكية : عادت الولايات المتحدة الى العراق بعد ان انسحبت منه في العام 2011 من بوابة الحرب على داعش , وارسلت مستشارين وعسكريين وساعدت القوات العراقية على إعادة ترتيب وضعها وفي تحرير المدن , الا ان عودة الولايات المتحدة هذه المرة جاءت بمفاهيم مغايره عن المفاهيم المعهودة في الاستراتيجية الامريكية تجاه العراق , فالولايات المتحدة وجدت في حليف شيعي على راس الحكم جدير بالاهتمام والدعم حتى على حساب حلفائها التقليديين بالإضافة الى إعادة اندماج العرب السنة بشكل كامل في العملية السياسية التي أشرفت على تصميمها في العام 2003 , لقد افرزت هذه السياسة عن تصدع في ما كان يعرف تقليديا بالبيت السياسي الشيعي , على نحو خلق محاور شديدة التنافر بين حلفائها من جهة وحلفاء ايران من جهة أخرى الى الدرجة التي دخل فيها الجميع بتوازن قوى سيكون اختباره الانتخابات النيابية القادمة , بالإضافة الى اضعاف حليفها التقليدي المتمثل بالكرد بعد التصميم على اجراء الاستفتاء في أيلول 2017 , وهو ما خلق اختلال كبير في المعادلة المشكلة للعملية السياسية في العراق .
تجري الانتخابات في هذا الشهر والتفوق الأمريكي في السياسة العراقية امام اختبار صلب في مواجهة التفوق الإيراني الذي بدا يتمدد حتى الى إقليم كوردستان العراق عبر وكلاء إيران وحلفائها في العراق، ويقف امام الولايات المتحدة مدى قدرة الإبقاء على حلفائها متفوقين في سدة الحكم مع تشظي الائتلافات والقوائم الانتخابية على نحو كبير يجعل التقارب في النتائج السمة الأكثر احتمالا في الانتخابات القادمة. 
بيد ان أحد أكثر الأمور حساسية امام الولايات المتحدة في الانتخابات القادمة هو إمكانية تحقيق رئيس الوزراء السابق نوري المالكي تفوق بين القوائم المتنافسة او تفوق لقائمة الفتح بزعامة هادي العامري والتي تضم اغلب فصائل الحشد الشعبي التي تمتلك علاقات ارتباط ولائية بمرشد الثورة الإيرانية علي الخامنئي. 
واذا كانت عود نائب ريس الجمهورية نوري المالكي الى رئاسة الحكومة القادمة تمثل خطا احمر أمريكيا , فان التحدي الحقيقي امام الولايات المتحدة هو تفوق قائمة الفتح , فاذا كان من المحتمل ان تحوز هذه القائمة على المرتبة الثانية في الانتخابات في اسوء احوالها فكيف يمكن للولايات المتحدة التعامل مع هكذا وضع شائك في المرحلة المقبلة لا سيما وانها تعتبرها القائمة الإيرانية في الانتخابات العراقية , فيمكن لتشكيل الحكومة القادمة برئاسة مرشح هذه القائمة تراجعا كبيرا في سياسة الولايات المتحدة في العراق لصالح ايران , واذا لم تشكل هذه القائمة الحكومة فان تحالفا يضمها لتشكيل الحكومة سيؤدي الى تنازلات كبيرة لها يؤدي هو الاخر الى تفوق إيراني غير مسبوق في العراق , ولكن السؤال الأبرز هو اذا ما سعت الولايات المتحدة الى احتواء نفوذ ايران في المنطقة بعد الانسحاب المحتمل لها من الاتفاق النووي الإيراني , كيف يمكن ان تقوض ذلك التفوق بعد تفوق عسكري وسياسي لإيران داخل العراق . 
يطرح امام الولايات المتحدة تحديا اخر في التعامل مع الانتخابات القادمة , وهو كيف لها ان توقف التدهور الحاصل في وضع حليفها التقليدي في العراق والمعرض للتفاقم بعد الانتخابات العراقية , فإمكانية إعادة نسخة التحالف الكردستاني تبدو صعبة في ظل ظهور فواعل جدد كحراك الجيل الجديد وبرهم صالح , بالإضافة الى ميل الاتحاد الوطني الكردستاني الى توثيق العلاقة مع ايران بشكل منفرد وبشكل غير مسبوق بعد صفقة الانسحاب من كركوك , وهو ما يعني ان تحالفا شيعيا – كرديا ( جناح السليمانية ) ترعاه ايران امرا واردا جدا , وهو ما سيؤدي الى مزيد من التدهور في الوضع الكردي العام في المعادلة العراقية على نحو غير مرغوب به أمريكيا .

ويتبلور الموقف الأمريكي من الانتخابات العراقية وما يليها في سياق المواجهة مع إيران وفقا للنقاط الاتية: 
1- ان موقف الولايات المتحدة هو موقف رافض لان يكون رئيس الوزراء القادم من تحالف الفتح بزعامة هادي العامري.
2- لا يمانع الامريكان التجديد لرئيس الوزراء الحالي لولاية ثانية مع إمكانية ان يكون هناك مرشحين اخرين ممكن ان يشغلوا المنصب.
3- لا يتوقع الامريكان تكرار السيناريو اللبناني في الانتخابات العراقية، بل ان موقفهم بأنهم لن يسمحوا بتكرار السيناريو اللبناني.
4- من المرجح ان الولايات المتحدة ستمتلك زمام المبادرة في تشكيل الحكومة القادمة بغض النظر عن النتائج بغية ضبط إيقاع الحكومة القادمة.
5- يعارض الامريكان تولي العرب السنة منصب رئيس الجمهورية في المرحلة الحالية، وفيما يبدوا تقويضا لمساعي إيران التي تدفع بقوة بهذا الاتجاه.
5- من المرجح ان تشهد العلاقات الامريكية الإيرانية تصعيدا من قبل إدارة ترامب، مع الملاحظة ان هذا التصعيد سيكون لأجل اتفاق نووي ثاني وليس من اجل الحرب، وهو ما يعني انعكاسه على تشكيل الحكومة القادمة بشكل كبير. 
- بريطانيا – فرنسا – المانيا -: 
يمثل الدور البريطاني الحالي واحدا من الأدوار الغير مثيرة للضوضاء في العراق فبريطانيا العائدة الى الشرق تدرك ان العراق والخليج هما موطئ القادم الأكثر رسوخا في المنطقة الذي ينبغي الولوج منه الى عموم المنطقة، وقد شاركت بريطانيا بشكل فاعل في التحالف الدولي في مواجهة داعش وارسلت مستشارين وشاركت في تنفيذ ضربات جوية ضد التنظيم في الموصل. 
بدا الدور البريطاني مبكرا في التعامل مع ملف الانتخابات النيابية القادمة، ويشير اللقاء الذي جرى بين السفير البريطاني لدى إيران نيكولاس هابتون برفقة السفير البريطاني في العراق جوناثان بوول ويلكس مع زعيم قائمة الفتح هادي العامري وزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، وزعيم تيار الحكمة عمار الحكيم بخصوص الانتخابات النيابية المزمع عقدها، يشير الى الجهود البريطانية غير المعلنة في تشكيل الانتخابات القادمة. وصحيح ان المعلن ان بريطانيا تدعم العبادي لتولي ولاية ثانية الا ان دورها يبين حجم قدرتها على خلق صيغة قادرة على فك التشابك الحاصل نتيجة الاستقطاب  

بدت فرنسا وألمانيا اكثر اهتماما ببناء دور فعال في العراق عبر مشاركتهما الفعالة في الحرب على داعش في العراق , ففرنسا كانت قد اطلقت عملية عسكرية باسم ( عملية الشمال ) لدعم واسناد القوات العراقية والكردية في حربها على داعش وشارك سلاح الجو الفرنسي بشكل فاعل في ذلك , يضاف دورها الإنساني الفاعل في إغاثة النازحين والمشردين جراء الحرب على داعش وكانت قد ساهمت في تأسيس ما عرف بجسر التضامن الأوربي للإمداد الإنساني الى شمال العراق , بيد ان فرنسا التي بدت مهتمة بداية الامر بالحراك السياسي الدائر في بغداد تقلص ذلك الاهتمام ليتحول الى دور ذو أولويات اقتصادية بالدرجة الأولى . 
بدرجة اقل تسير المانيا فقد أرسلت المانيا قواتها الى إقليم كوردستان لمساندة وتدريب قوات البيشمركة في اول عملية لها منذ الحرب العالمية الثانية، وهي مهمته بدرجة كبيرة ان تفضي الانتخابات الى عملية استقرار في العراق. 
بالمحصلة فان الدور الدولي في العراق وفي الانتخابات العراقية على وجه التحديد لم يعد يقتصر على الولايات المتحدة برغم من عودة تفوقها الكبير في الساحة العراقية بل قد دخل شركاء جدد ستكون الانتخابات القادمة اذعانا لبيان تلك الأدوار وإتضاحها وهو ما سيخلق نوع من التعقيد على تحالفات مع بعد الانتخابات. 

إقليميا: ولعل الدور الخارجي في الانتخابات العراقية يعد أكثر وضوحا في المساهمة الإقليمية فيه، فان ذلك منبعه من طبيعة الأدوار التي بدت يشهدها العراق في مرحلة ما بعد داعش وسط تراجع بعض الأدوار وتفوق بعضها ودخول أطراف جديدة على الخط. 
- إيران: تعد إيران العنوان الأكثر جدلا في الانتخابات النيابية القادمة، كما تعد الأخيرة الاختبار الأهم لها لقطف الثمرة المترتبة على استراتيجيتها التي حازت لها تفوقا في مرحلة ما بعد داعش، ووسط التشابك والحضور لدى منافسي إيران في العراق في هذه المرحلة تبقى متفوقة على غيرها من القوى الإقليمية في العراق، ومن منطلق ذلك فان التحدي البارز امامها في الحفاظ على هذا التفوق.
حققت ايران تفوقا عسكريا كبيرا في نتيجة الحرب على داعش وعن طريق حلفائها في العراق استطاعت ان تحقق انتشار في معظم ارجاء العراق وفي المحافظات السنية الكبرى وتقوية نفوذها في المناطق المتنازع عليها عير الفصائل المتحالفة معها او التابعة ولاءً وتمويلا لها , هذا التفوق العسكري الناتج عن مرحلة ما بعد داعش والذي تعزز على نحو غير مسبوق بعد احداث كركوك 16 أكتوبر المنصرم , تسعى ايران الى تعزيزه بتفوق سياسي من خلال دعم حلفائها في البيت الشيعي والدخول على الخط من خلال دعم بعض القوى السنية فضلا عن حلفائها من الكورد لغرض فرض معادلة جديدة من خلال الانتخابات القادمة يجعلها المتفوق الأول في العراق والمنافس لأمريكا بشكل حقيقي . 
الا ان ايران بدلت من اساليبها فهي ليست معنية بتشكيل جبهة شيعية على غرار التحالف الوطني بقدر دعم حلفائها لدى البيت الشيعي وتعززه ببعض التحالفات من بقية المكونات لتشكيل جبهة موالية تعزز تفوقها في العراق, ففي اطار ادراكها ان جناح السيد العبادي حليف لأمريكا سعت وفق تكتيك انتخابي الى الاضرار به عبر التحالف الذي اعلن عنه بين قائمتي النصر والفتح وبإشراف السيد قاسم سليماني, الا ان فض هذا التحالف بعد اربع وعشرين ساعة من تشكيله بانسحاب قائمة الفتح , اثار الشكوك حول ان هذا التكتيك استهدف من خلاله السيد العبادي وادى الى الاضرار به لدى الجمهور الجديد في هيئة الناخبين العراقية , وفيما فسر على انه دعم كبير ولا محدود لقائمة الفتح لتولي رئاسة الوزراء او فرض شروطها على الحكومة الجديدة التي لن تكون اقل فائدة من تولي تشكيل الحكومة .
تبدوا إيران الطرف الأكثر مبادرة من بين كل الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة في العراق، وفي سياق ذلك فان دعمها لتحالف الفتح لتشكيل الحكومة يبدوا انه يستخدم من قبلها كورقة تفاوض بقدر ما هو نية جدية حقيقية لدعم التحالف لتشكيل الحكومة وما سيرتبه من ذلك من الضغط باتجاه تسوية واقع حلفائها على الأرض وكذلك استخدامه في التفاوض على ملفات إقليمية مهمة مع الولايات المتحدة بدرجة أساسية.
كما تسعى إيران بشكل جدي الى إعادة هندسة الخارطة السياسية العراقية عبر إعادة توزيع المناصب الرئيسية على نحو جديد، فهي تدفع بقوة الى ان يكون منصب رئيس الجمهورية من حصة العرب السنة مقابل ان يكون منصب رئاسة البرلمان من حصة الكرد، ولما كان المنصب الأخير قد اخذ أهمية كبيرة في العملية السياسية في العراق مقابل تراجع منصب رئاسة الجمهورية في صناعة القرار، فان ووفقا لوجهة النظر الإيرانية ان اتفاقات مع الكرد حول تمرير القوانين التي تخص العراق ستكون سهله مقابل تنازلات خاصة لإقليم كوردستان. 
بالمحصلة ستدعم إيران تشكيل الكتلة الأكبر الذاهبة لتشكيل الحكومة مقابل تعزيز دور حلفائها بشكل كبير داخل تلك الحكومة لكن يبقى التحدي الرئيسي هو إذا ما توترت العلاقة مع الولايات المتحدة في الفترة التي تلي الانتخابات العراقية كيف يمكن ان تدير إيران الأمور بشكل ينعكس سلبا على العملية السياسية. ومستقبل النظام السياسي في العراق.

- الدول الخمس الداعمة لسنة العراق: 
إيذانا بإعادة تشكل جديدة في مرحلة ما بعد داعش , شهد العراق حراكا إقليميا مختلفا لبناء معادلة جديدة عراقيا , وفي سبيل ذلك شهد العراق مختلفا من قبل تركيا والأردن والمملكة العربية السعودية والامارات وقطر, في حراك لدعم العرب السنة في العراق تمخض عنه تشكيل التحالف الوطني للقوى  العراقية ( تفاهم ) والذي ضم اغلب القوى السنية وعقد مؤتمرات في انقرة واعلن عنه في بغداد , كما تزعم دورته الأولى السيد سليم الجبوري رئيس مجلس النواب , وكانت هناك محاولات لدخول القوى المنضوية تحته في قائمة انتخابية واحدة , الا ان خلافات إقليمية وعدم تفاعل القوى السنية بشكل جدي أدى الى ضعف ذلك التحالف وتقهره , وقد يتم إعادة احيائه بعد الانتخابات في اطار التفاوض على تشكيل الحكومة لكن وبالعموم فان كل دولة من هذه الدول سلكت سلوكا مختلفا في التعامل مع الانتخابات العراقية . 
فتركيا التي بدت تخسر حلفائها التقليديين المتمثلين بإقليم كوردستان وضعف بعض الحلفاء، يمثل السيد أسامة النجيفي أبرز حلفائها عبر الحشد العسكري الذي تدعمه والتابع له، والذي من الممكن ان يشكل قوة دافعه له في التصويت يوم الانتخابات، الا ان تركيا بدت غير متحمسة لدعم قوة محددة في الانتخابات العراقية القادمة ويرجع ذلك لأسباب متعددة لكنها بالمجمل تسير نحو دعم بعض القوى المنضوية في تحالف القوى السنية. مع تركيزها على دعم حليفها التقليدي السيد أسامة النجيفي.
اما المملكة العربية السعودية التي اضطلعت بدور مختلف جذريا في التعامل ودعم حكومة العبادي فإنها دخلت على خط الدعم من خلال دعم قائمة فتية جديدة وهي قائمة تضامن بزعامة الشيخ وضاح الصديد وتخلت عمن كانت تدعمهم سابقا كالسيد اياد علاوي وغيره. 
ان الدور الخارجي في الانتخابات العراقية يسير في نطاق أوسع متمثل بالتنافس والصراع الدائر في المنطقة، وإذا ما صدقة الاحتماليات حول تصعيد إقليمي في بعض الملفات كالبرنامج النووي الإيراني ومحاولة احتواء إيران في المنطقة، فان ذلك سيضفي تعقيدا كبيرا على النتائج المترتبة على الانتخابات العراقية ومحاولات تشكيل الحكومة، وسط غياب قدرة أي من الأطراف الداخلية او الخارجية على الحسم وسط تفتت كبير في المشهد العراقي.

رابعا: قراءة في تداعيات الداخل وأدوار الخارج
شهد الواقع السياسي العراقي بعد العام 2003، بروز العديد من المفاهيم والأفكار التي طبعت المشهد السياسي العراقي الحالي، ومن المحتمل جداً استمرارها خلال وبعد الانتخابات المقبلة، فهذه المفاهيم أصبحت بمثابة القواعد التي تحكم صيغ العمل السياسي في العراق الجديد. 
تداعيات الداخل وإرهاصات ما بعد 12 مايو
من المتوقع أن تفرز العملية الانتخابية المقبلة تداعيات كبيرة على مستقبل النظام السياسي العراقي القادم، فهذه التداعيات هي في جزء كبير منها، من صنع أحزاب السلطة، وبالتالي فهي لن تخرج عن إطار الاستحقاقات الانتخابية التي ستحصل عليها، فإي نظام سياسي قادم لا يمكن أن يكون غير النظام الذي سترسمه الأحزاب والتحالفات الفائزة، مع الإشارة إلى أن المشهد القادم سوف لن يحمل مزيداً من التغيير على صعيد المسرح السياسي العراقي، فسمة التغيير ستنحصر في إطار وعناوين الكتل السياسية، أما الجوهر سيبقى كما هو.
وبالحديث عن التداعيات الداخلية المتوقعة، يمكن القول إن هناك الكثير من الملفات التي تنتظر الحسم، خصوصاً وأن أغلبها تم ترحيله إلى الحكومة العراقية المقبلة، وهو ما يعني بأن هناك الكثير من الملفات الداخلية بانتظار الحكومة العراقية، وقد يكون بعضها ذا أثر كبير على مستقبل العملية السياسية برمتها:
حصر السلاح بيد الدولة : ابرز التحديات التي تواجه الحكومة المقبلة هي بروز  ظاهرة جديدة متمثلة بالموائمة ما بين العمل الأمني والعمل السياسي، على شاكلة حزب الله في لبنان، فالرقم الجديد بالمعادلة السياسية العراقية والمتمثل بالقوائم الانتخابية التابعة للحشد الشعبي ضمن تحالف الفتح، سيشكل علامة فارقة بالمشهد السياسي العراقي القادم، خصوصاً وأنه يعتبر نفسه صانع النصر على تنظيم داعش، وهو ما قد يمنحه الكثير لكي يفعله تحت هذا العنوان في المشهد العراقي بعد الانتخابات، كما أنه المنافس الأبرز الذي من المتوقع أن يحصد غالبية أصوات الشارع الشيعي في الانتخابات القادمة، فما يهمه هنا هو تأكيد المشروعية السياسية كمرحلة أولى، ومن ثم الحديث عن الاستحقاقات الانتخابية. وبالتالي ما سيفرزه ذلك من تداعيات على قدرة الدولة والحكومة على حصر السلاح بيد مؤسساتها الرسمية وحتى القدرة على السيطرة على تلك المؤسسات واخراجها من دائرة التبعية لأحزاب وفصائل تابعة لها.

المناطق المتنازع عليها
تمثل هذه الأزمة أعقد الملفات التي ستواجه عملية تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، بل يمكن القول بأنها ستكون ملف رئيسي للتوافق حول الاستحقاقات القادمة، فكما هو معلوم أن هذه المناطق خرجت من سيطرة سلطات إقليم كردستان العراق بعد سبتمبر 2017، لتدخل تحت سيطرة الحكومة المركزية، فالموضوع وعلى الرغم من الإشارة إليه في المادة 140 من الدستور العراقي لعام 2005، إلا أنه لم يتم حله حتى اللحظة، وبالتالي فإن رئيس الحكومة القادم، سوف يواجه تحديات كبيرة في هذا المجال، خصوصاً وأن الموضوع يتجاوز مسألة أراضي متنازع عليها، ليشمل الطاقة والتبعية والإدارة وغيرها، وإلى جانب ذلك كله كيفية التعاطي الحكومي مع إقليم كردستان بهياكله ومؤسساته.
إعادة إعمار المدن المحررة 
يشكل ملف إعادة إعمار المدن المحررة من سيطرة تنظيم داعش، أولى أولويات الحكومة القادمة، خصوصاً وأن المنح التي حصلت عليها حكومة الدكتور العبادي، من مؤتمر إعادة الإعمار الذي عقد في الكويت، لا تزال غير مطبقة على الأرض، ناهيك عن معالجة ملف النازحين، وتسوية أمورهم من خلال السماح لهم بالعودة إلى مدنهم، وهذا الأمر لن يتحقق إلا بإعمار هذه المدن، فموضوع إعادة الإعمار يتجاوز كونه موضوع خدمي، فهو سياسي من جهة أخرى، كون الدول المؤثرة في عملية تشكيل الحكومة المقبلة، هي نفسها صاحبة المصلحة الكبرى من عملية الإعمار، وذلك من خلال التراخيص الاستثمارية التي يمكن أن تحصل عليها من قبل الحكومة المقبلة. 
هيكلة الحكومة المقبلة
إن عملية تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، ستخضع للعديد من المشاريع السياسية المتبناة من قبل قادة الكتل السياسية، فما بين الأغلبية السياسية التي يتبناها المالكي وتحالف الفتح، يظهر مشروع الأغلبية الوطنية التي يتبناها رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، في حين تتحدد خيارات التيار الصدري وبعض القوى المدنية واليسارية، بضرورة أن تضطلع أية حكومة عراقية مقبلة بمعالجة ملف مكافحة الفساد المالي والإداري المستشري في مؤسسات الدولة العراقية، ومعالجة موضوع الحشد الشعبي، والعلاقة مع إقليم كردستان، وعليه فإن أي رئيس حكومة قادم سوف لن يكون بعيداً عن أحد هذه المشاريع الثلاثة، على اعتبار أنها مثلت شعاراً لحملاتهم الانتخابية خلال الفترة الماضية، وباعتبارها الكتل المرشحة للفوز بغالبية المقاعد الانتخابية.
ملف الفساد والإصلاح الاقتصادي
يشكل الفساد المالي والإداري حالة معقدة داخل النظام السياسي العراقي الحالي، وهو بالمجمل مرتبط بحالة التخبط الاقتصادي الذي تعاني منه مؤسسات الدولة العراقية بعد العام 2003، ولعل أولى بوادر هذا الملف برزت مع اغتيال مسؤول الملف المالي في هيئة الحشد الشعبي المهندس قاسم الزبيدي، والذي تم اغتياله بعد الكشف عن العديد من ملفات الفساد داخل الهيئة، وإشارة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في مؤتمره الأسبوعي يوم 2 مايو 2018، بأن الجهة التي اغتالت الزبيدي، هي نفسها المتضررة منه، في إشارة إلى الناطق بإسم الحشد الشعبي أحمد الأسدي مرشح تحالف الفتح، المتهم الأول في قضية الفساد، فعلى الرغم من الضغوط الإيرانية التي مورست على رئيس الحكومة الحالي، بعدم فتح الملف بالوقت الحاضر، خوفاً على رصيد تحالف الفتح في الانتخابات، إلا أن رئيس الوزراء كشف الأمر، في إشارة على ما يبدو أنه أراد إرسال رسالة واضحة، بأن هناك المزيد يمكن الحديث عنه، وبالتالي يمكن القول بأن هذا الملف سيكون حضوره حاسماً في مرحلة ما بعد الانتخابات، تحديداً أن هناك الكثير من الشخصيات والقيادات السياسية يمكن المساومة معها في هذه القضية، من أجل الفوز بمقعد رئيس الوزراء القادم. 
مشروع المصالحة الوطنية
يطرح مشروع المصالحة الوطنية نفسه بقوة في المرحلة المقبلة، وبالتالي فإن الحكومة التي ستنتج عن هذه الانتخابات، مدعوة للذهاب بعيداً بهذا المشروع، من أجل تنمية النصر في مرحلة ما بعد داعش، فلقد تعرض هذا المشروع للكثير من الإخفاقات خلال المرحلة القادمة، كون كل الحكومات لم تتمكن من حل عقد الماضي، وعليه فإن أبرز التداعيات التي قد تنتج عن هذه الانتخابات، هي كيفية تعاطي النظام السياسي القادم مع هذه المشكلة المعقدة.
رؤية النظام السياسي للمشاكل الخارجية
عند الحديث عن التداعيات الداخلية لمرحلة ما بعد الانتخابات، يبرز موضوع الكيفية التي يمكن أن ينظر بها النظام السياسي المستقبلي، لتحركات وتقاطعات القوى الإقليمية والدولية، والحديث هنا عن تركيا وإيران والسعودية والولايات المتحدة الأمريكية، إذ لا يمكن أن نرى نظام سياسي يعتمد الاستقلالية في سياساته الداخلية والخارجية، بمعزل عن دور وتأثير هذه الدول، ولا نبالغ إذا قلنا بأن أي من هذه الدول سوف لن تسمح بقيام نظام سياسي يتبنى خيار ضد خياراتها السياسية، خصوصاً وأن مرحلة ما بعد 12 مايو ستكون مختلفة جداً، إذ تطرح الكثير من المشاكل نفسها، ومنها الموقف الأمريكي النهائي من الاتفاق النووي مع إيران، نفوذ إيران الإقليمي، العلاقات مع تركيا وملف حزب العمال الكردستاني، الانفتاح على العربية السعودية، الوجود الأمريكي في العراق وغيرها، وبالتالي يمكن القول أن رؤية النظام السياسي المستقبلي، ستتحدد بدرجة كبيرة ضمن إطار التوافقات الإقليمية والدولية الضابطة للحالة السياسية العراقية. 
أدوار الخارج... وقواعد التأثير السياسي المقلق
عند الحديث عن الدور الخارجي في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة بعد العام 2003، يمكن القول بأن كل الحكومات وضعت بلمسات خارجية واضحة، بل أن أغلب القوى السياسية وفي اليوم التالي لبروز نتائج الانتخابات، تبدأ بحشد الدعم الخارجي لحماية مكتسبات ما بعد مرحلة ظهور النتائج، وإذا كانت التقليد السياسية العراقية قد اعتادت على التعاطي مع الأدوار الإيرانية والأمريكية، إلا أن الواضح للعيان هذه المرة بروز أدوار أخرى، قد تلعب دوراً حاسماً في الانتخابات المقبلة، والحديث هنا عن الدور البريطاني، مع التأكيد بأن هناك أدوار ثانوية "تركية – سعودية" لا تقل تأثير عن الأدوار الرئيسية، ولعل الثانوية هنا ترتبط بثانوية أدوار التحالفات القريبة منها، ولا يتعلق ذلك بطبيعة دور الدولة المؤثرة.
إيرانياً، اتضحت معالم الدور الإيراني بخصوص الانتخابات العراقية المقبلة، منذ الزيارة التي قام بها رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام هاشمي شهرادوي في أغسطس من العام 2017، والتي التقى خلالها رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، ورئيس تيار الحكمة عمار الحكيم، وتبعها بزيارات أخرى قام بها مسؤولين ووزراء إيرانيين إلى العراق، والتي كان أخرها الزيارة التي قام بها نائب الرئيس الإيراني إسحاق جهنغيري إلى العراق في 7 مارس 2018، والتي التقى خلالها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، عارضاً عليه الدعم الإيراني في الانتخابات المقبلة، مقابل دعم الجهود الإيرانية في العراق والمنطقة، إلا أنه لم يلقى الإجابة المفيدة، والواضح أن الجهود السياسية الإيرانية، ونتيجة عدم تمكنها من الوصول إلى نتائج مطمئنة حيال تحالفات وتسويات ما بعد الانتخابات، هو ما دفع بصانع القرار الإيراني إلى تحويل الملف إلى الحرس الثوري الإيراني، ليقوم هو بهذه المهمة.
وفي هذا الصدد تنبغي الإشارة إلى أن الهندسة الإيرانية للانتخابات العراقية تتم في مبنى السفارة الإيرانية في بغداد، إذ يلعب السفير الإيراني إيراج مسجدي، والملحق العسكري الإيراني العقيد مصطفى مراديان، دور المايسترو الموجه لقادة التحالفات السياسية الشيعية، إلا أن الملفت للنظر أيضاً هو دخول الباسيج الإيراني على خط المواجهة أيضاً، إذ عقد قائد قوات التعبئة الشعبية الباسيج غلام حسين غيب برور في 8 نيسان 2018، اجتماعا مع قيادات الحشد الشعبي المشاركة بالانتخابات ضمن إطار تحالف الفتح، وبحضور الملحق العسكري الإيراني وقائد قوة القدس قاسم سليماني، علماً أن الاجتماع تم عقده في بيت السيد عمار الحكيم، وحضره أيضاً قادة أحزاب شيعية أخرى.
حيث لم تتوقف إيران عن إصدار التوجيهات الخاصة للأحزاب السياسية القريبة منها، والهدف من كل ذلك ضمان فوز كل قوى التحالف الوطني بالانتخابات المقبلة، وترجيح كفة ائتلاف الفتح داخل الكتل الشيعية الفائزة من أجل ضمان تشكيل حكومة عراقية موالية لها، مع تأكيدنا هنا أن إيران لا يهمها طبيعة القاعدة التي تتشكل منها التحالفات الانتخابية، بقدر ما يهمها من هو شخص رئيس الوزراء القادم، وبالتأكيد سوف تستغل إيران العلائق الأمنية والسياسية والدينية التي تربطها بالطبقة السياسية الشيعية، وتحديداً ائتلاف دولة القانون وتحالف الفتح، للذهاب بعيداً في موضوع تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، هذا مع ضرورة التأكيد بأن هناك الكثير من الأحزاب المدعومة من إيران، ستشارك في الانتخابات المقبلة ضمن أحزاب وتكتلات خارج الإطار الشيعي، وسوف توظفها في موضوع تشكيل التحالف الانتخابي الأكبر في مجلس النواب القادم، خصوصاً إذا ما عرفنا بأن إيران كنت تمثل دائماً دور الإطفائي للخلافات الشيعية الشيعية، بعد كل خلافات انتخابية أو سياسية تبرز على الساحة السياسية العراقية. 
الا ان أبرز التداعيات هي إذا ما توترت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران وانسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، او وجهة ضربة لسوريا تغير الموازين هناك، هذا الامر سيدفع إيران بالتأكيد نحو دعم تشكيل حكومة في العراق يمكن عدها (حكومة حرب) تكون على مواجهة حقيقة مع الولايات المتحدة وتغير المعادلة العراقية على نحو يضفي تداعيات بالغت السوء على العراق ونظامه السياسي ويعيده ساحة صراع ملتهبة.
أمريكياً، الدور الآخر الذي يقف على الجهة المقابلة هو الدور الأمريكي، فالولايات المتحدة الأمريكية تجد في نفسها المسؤول الأول عن هندسة الواقع السياسي للعراق، والانتخابات إحدى هذه المجالات، فالولايات المتحدة وكجزء من استراتيجية مواجهة شاملة مع إيران، تدرك جيداً خطورة ترك إيران تشكل الحكومة العراقية المقبلة، وعلينا هناك أن نقرأ جيداً تصريح المتحدثة بإسم الخارجية الأمريكية هيذر نورث، عندما قالت بأن الولايات المتحدة سيتحدد موقفها بعد بروز نتائج الانتخابات، فأمريكا تدرك جيداً أن العراق هو الساحة المركزية والعمق الاستراتيجي لأي مواجهة مع إيران، وبالتالي فإنها ستستخدم نفوذها كل نفوذها من أجل فرض رأيها في عملية اختيار رئيس الوزراء القادم، فإذا كانت إيران قد تنازلت في عام 2014، للولايات المتحدة في موضوع اختيار حيدر العبادي بديلاً عن نوري المالكي، واستبدال نفوذها السياسي في العراق، بنفوذ أمني يمثله الحشد الشعبي، فإن الولايات المتحدة تبدوا أكثر إدراكاً للواقع العراقي هذه المرة، وتبدوا مصممة على إيجاد شخصية موازنة للنفوذ الإيراني، فإلى جانب الدكتور العبادي تطرح خيارات عديدة ضمن أروقة البيت الأبيض، لإيجاد بديل في حال فشلت الولايات المتحدة في إعطاء الولاية الثانية للسيد حيدر العبادي.
بريطانياً، يمكن النظر إلى اللقاء الذي عقده السفير البريطاني في العراق جوناثان بوول ويلكس، وزميله السفير البريطاني في طهران نيكولاس هابتون، بصورة مشتركة مع قيادات سياسية شيعية محددة، وهم زعيم تحالف "الفتح" هادي العامري، ورئيس تيار الحكمة السيد عمار الحكيم، ورئيس ائتلاف دولة القانون العراقي نوري المالكي، على أنه محاولة بريطانية مبكرة لتشكيل ملامح أولية للواقع السياسي المقبل، فعلى ما يبدو أن هناك تبادل للأدوار بين الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، للتعامل مع الملفات السياسية في المنطقة، خصوصاً وأن الولايات المتحدة بدأت اليوم تستعين بالخبرات الاستعمارية لفرنسا وبريطانيا للتعامل مع الملفين العراقي والسوري، فبريطانيا تدرك جيداً أهمية أن تكون هناك حكومة عراقية مستقرة، مع التأكيد هنا أن بريطانيا لعبت دوراً كبيراً في حل الإشكالية الدستورية التي عانت منها العملية السياسية العراقية في العام 2010، وبالتالي فإن هذا التحرك البريطاني المبكر، يبدوا على أنه محاولة بريطانية أمريكية مبكرة لرسم ملامح المشهد القادم.
فعلى الرغم من إعلان السفير البريطاني في العراق ويلكس، بأن دور بلاده يختلف عن دور أمريكا وإيران، إلا أن عملية الترويض السياسي التي تقوم بها السفارات البريطانية في العراق وإيران، لفصائل وأحزاب سياسية معروفة بولائها السياسي لإيران، يشير إلى مدى التكامل في الحركة البريطانية الأمريكية، وبالمجمل يمكن القول بأن البعد التاريخي البريطاني للتعامل مع الحالة العراقية، أثبت نجاحه المستمر، فبريطانيا لا تنظر إلى مسألة تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، ضمن إطار الجغرافية العراقية، وإنما تدرك جيداً بأن أي حكومة أو لنقل أي رئيس وزراء قادم، قريب من وجهة نظر إيران الإقليمية، سيشكل تأثيراً كبيراً على المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية البريطانية في العراق والمنطقة بصورة كبيرة، فمتطلبات المواجهة المفترضة مع إيران، تقتضي بأن يكون رئيس الوزراء القادم غير خاضع للإملاءات الإيرانية بصورة كبيرة، وهنا يمكن القول أيضاً بأن الذي يكمل الدور البريطاني في العراق، هي المرجعية الدينية في النجف، والتي أثبتت هي الأخرى مدى التأثير المتبادل بين الجانبين عند التعاطي مع إشكاليات الحالة العراقية، بعيداً عن المتغيرين الأمريكي والإيراني.
أما عن الدور التركي، فيمكن القول بأن الأطراف السياسية التي تعول عليها تركيا اليوم في العراق، فقد الكثير من رصيدها الشعبي وحضورها الجماهيري، فحتى كركوك والموصل اللتان تمثلان ركيزة أساسية في الحضور التركي في العراق، أصبحت اليوم تحت طائلة التأثير الإيراني، فلم تعد القوى السياسية القريبة منها قادرة على التأثير في المعادلة السياسية القادمة، والحديث هنا عن القوى العربية السنية والتركمانية، والتي انضوت أغليها ضمن تحالفات سياسية شيعية، كتحالف النصر أو الفتح، وبالتالي فإن هذا الأمر وضع مستقبل الدور التركي في العراق أمام تحديات كبيرة،. 
أما العربية السعودية، فهي الأخرى بدأت الترتيب مبكراً للانتخابات المقبلة، وذلك من خلال الانفتاح على قوى سياسية عراقية، وعلى الرغم من تأثيرها المحدود، إلا أنها تأتي متناغمة مع التحركات الأمريكية الجديدة، من خلال التمييز ما بين "شيعة إيران – شيعة أمريكا"، فالسعودية تدرك جيداً أهمية أن تأتي حكومة عراقية قادرة على إبعاد تهديدات الحشد الشعبي على حدودها الشمالية، كما أنها تدرك جيداً أن التضييق السياسي على إيران، يبداً من جواره الجغرافي القريب، ويقع العراق على سلم أولويات المواجهة، فعلى الرغم من دعمها السياسي لتحالفي النصر وسائرون، إلا أنها تدرك جيداً أهمية الانفتاح على كتل سياسية أخرى بعد توضح الخارطة السياسية بعد الانتخابات، ولكن هذه المرة سيكون للكرد والسنة في دائرة الاستهداف السياسي. 

الخاتمة 
إن حالة الاستقطاب الداخلي والخارجي الذي يمكن أن تفرزه الانتخابات العراقية في يوم 12 مايو، سيؤثر على مجمل الحالة السياسية في المنطقة، فالكل يدرك أهمية أن تنتج هذه الانتخابات حكومة عراقية مستقرة، تبدأ مرحلة جديدة من الإعمار والبناء السياسي، وتخلص العراق من أزماته المستعصية، على اعتبار أن الواقع الداخلي العراقي يلعب دوراً كبيراً في حالة عدم الاستقرار السياسي في المنطقة ككل، وبالتالي فإن التحديات التي يمكن أن تظهر بعد يوم 12 مايو هي كبيرة جداً، فالصراع السياسي الذي سينتج عن المنافسة بين الكتل السياسية الكبيرة، للفوز بمنصب رئيس الوزراء، سيلقي بلا شك بتداعيات على مجمل الحالة العراقية الداخلية، فمشكلة الفساد المالي والإداري وإعادة الإعمار وترسخ الحكم الرشيد والمصالحة الوطنية، هي كلها أمور تنتظر الحل، وهذا بدوره يتوقف على طبيعة النظام السياسي القادم.
أما الخارج، فهو الآخر ليس ببعيد عن الداخل العراقي، فحالة الاستقطاب الإقليمي الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط، سوف لن تسمح لأي نظام سياسي يتبني مواقف سياسية مستقلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإيران والجماعات المسلحة من جهة، والقوى الإقليمية والدولية من جهة أخرى، فالموقف الأمريكي من الاتفاق النووي، والعلاقة مع إيران وتركيا والسعودية، وغيرها من الملفات الشائكة والمعقدة، ستكون من أكبر المشاكل التي تقف بوجهة تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، ومع أن احتمالية نجاح الدكتور العبادي الظفر بولاية ثانية قائمة ، إلا أن هذا لا يعني إمكانية استمراره على نفس النهج الحكومي الحالي، كون الظفر بالولاية الثانية سيأتي بعد الخضوع لإملاءات عديدة أهمها، إيران وأمريكا والمرجعية الدينية في النجف، فالوجهة الحكومية المقبلة ستكون معبرة عن إحدى هذه الإملاءات، وهنا يبقى الحديث عن مدى إمكانية نجاح إحدى هذه الأطراف الثلاثة بفرض وجهة نظرها على الآخرين.