كركوك على طاولة العلاقات المرتبكة بين بغداد واربيل

تحليل سياسات

عادل زين العابدين
About

باحث متخصص في الشان العراقي

مع بداية عام 2021 شهدت مدينة كركوك التي تمتاز بمخزونها النفطي الهائل، مجموعة من التطورات الأمنية التي حملت مجموعة من الدلالات السياسية والإقتصادية والإجتماعية، أولى هذه التطورات كانت مقتل والي العراق في تنظيم داعش (أبو ياسر العيساوي) في 28 من كانون الثاني / يناير الماضي، في قضاء الداقوق جنوب المدينة، وثانيها كانت حول ورود معلومات من داخل الأجهزة الأمنية في كركوك، بمحاولة قوات البيشمركة الكردية، توسيع سيطرتها لتشمل آبار نفط في شمال غرب المدينة في قضاء الدبس، حيث أكدت مصادر إعلامية ومحلية في 2 شباط / فبراير2021، بأن قوات من البيشمركة منعت موظفي شركة نفط الشمال من الدخول إلى موقع نفطي تابع للشركة، وسيطرت على 13 بئراً نفطياً بعد تقدمها عن مواقعها السابقة، والدخول لحدود المدينة.
مدينة كركوك التي تمثل خليطاً من التركمان والعرب والكرد وقوميات أخرى، ظلت محل توتر بين الحكومة المركزية في بغداد بغداد، وحكومة إقليم كردستان في أربيل، لسنوات طويلة قبل وبعد إحتلال العراق عام 2003، حيث وضعت كركوك بموجب المادة 140 من دستور العراق الذي أُقر في 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2005،  ضمن ما يعرف بالمناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل، وهي المناطق التي كانت تدار أمنياً بشكل مشترك من قبل القوات العراقية والبيشمركة حتى يونيو / حزيران 2014، حيث تفردت البيشمركة بسيطرتها على كركوك بعد انسحاب قوات الجيش العراقي المتجحفلة فيها آنذاك، بعد إنيهار قطعاتها أمام تقدم قوات تنظيم داعش في محافظات نينوى وصلاح الدين، لكن بعد تحرير مدينة الموصل من تنظيم داعش، قامت بعملية العسكرية  سميت بعملية فرض القانون في المناطق التنازع عليها في تشرين الأول/أكتوبر في 2017، رداً على إستفتاء إستقلال إقليم كردستان العراق، إستعادت فيها اغلب المناطق المتنازع عليها من الإقليم، بما في ذلك كركوك، العملية في المناطق المتنازع، أفرزت واقع جديد فيها، حيث ظهر الحشد الشعبي، والقوات المشكّلة من مكونات هذه المدن من الحشد التركماني والعشائري، أعادت التوازن الأمني في كركوك، لصالح التركمان والعرب، على حساب الكرد. 
ان القضاء على  والي العراق في كركوك ودخول البيشمركة الى خط  كركوك من جديد، قد  يؤشر إلى أن كركوك مقبلة على تطورات أمنية وسياسية كبيرة في المرحلة المقبلة، مقتل والي العراق في تنظيم داعش في  كركوك، كرد فعل على واقعة ساحة الطيران التي اطلقتها الحكومة، له مجموعة دلالات أمنية وسياسية، فمن الناحية الأمنية يبدو إن عناصر داعش ما زالوا مستمرين في استغلال التضاريس الصعبة، وضعف الإمكانيات العسكرية في المناطق الواقعة بين مدن كركوك وصلاح الدين وديالى، وتطهير هذه المناطق يقطع الطريق أمام تسلل عناصر داعش إلى مناطق شمالي ديالى وجنوب كركوك، بالإضافة إلى أن عناصر داعش تستغل غياب التنسيق الأمني بين القوات الإتحادية وقوات البيشمركة في المناطق المتنازع عليها، مما سمح لها بنقل قيادتها لهذه المناطق، فضلاً عن غياب التنسيق الكبير بين الجيش والشرطة الإتحادية والحشد الشعبي، وبروز ظاهرة المحسوبية والتبعية السياسية في الأوساط الأمنية. 
فيما يخص محاولات تقدم قوات البيشمركة إلى داخل الحدود الإدارية لمدينة كركوك، فإن هذا التحول له إرتباط وثيق بالوضع الأمني في العراق بصورة عامة، وفي المناطق المتنازع عليها بصورة خاصة، حيث إن تصاعد وتيرة النشاط المسلح في صلاح الدين وديالى، بالإضافة إلى الخرق الأمني الأخير في بغداد، جعل القوات الأمنية العراقية تنشغل بشكل كبير في ملاحقة عناصر داعش، في مقابل الإنشغال عن تصفية المشاكل الأمنية والسياسية العالقة مع الإقليم، مما دفع أربيل إلى إعادة النظر في إنتشارها الأمني داخل الحدود الإدارية لكركوك، وذلك لدفع خطر وتهديدات تنظيم  داعش عن الإقليم من جهة، ومحاولة تحيقيق مكاسب عسكرية يمكن إستخدامها كورقة ضغط في المفاوضات بين بغداد واربيل؛ حول المشاكل العالقة. 
إن تحركات الإقليم الأخيرة  في المناطق المتنازع عليها، تأتي في جانب رئيسي منها؛ في إطار الخلاف بين الأحزاب الكردية والشيعية، والتي برزت على أوجها بعد عملية فرض القانون في 2017، في المناطق المتنازع عليها، حيث إنه لم تعد العلاقات الشيعية-الكردية على مستوى الأحزاب كما في السابق، نتجية الإنقسام في البيت الكردي والشيعي الداخلي، وظهور تيارات ذات توجه يختلف عن تلك التيارات القديمة. 
فعلى مستوى البيت الكردي، خسارة المناطق المتنازع عليها، عزز الإنقسام الكردي-الكردي، وسَمح بظهور من جانب آخر، إنقسام الأحزاب الشيعية الكبيرة مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى، وصعود تيارات عسكريةجديدة ذات توجه متشدد تجاه الكرد، مثل عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله، جعل التفاهم السياسي الشيعي - الكردي صعباً، وهذا الأمر جعل موقف الحكومة والبرلمان الإتحادي صلبا تجاه الإقليم، الموقف الصلب من المركز، ربما يكون أحد الأسباب التي دفعت الإقليم لمحاولة توسيع سيطرته الأمنية في المناطق المتنازع عليها. 
حيث أن القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني (عماد باجلان) شبه الأحزاب السياسية الشيعية بحزب البعث، قائلاً: "الأحزاب الشيعية تتخذ موقف قومي ومذهبي بالضد من الإقليم"، هذا التصريح يدل بشكل كبير على مدى الأزمة التي وصلت اليها العلاقات الشيعية  - الكردية، ومن جانب آخر يشكل الحديث عن موضع تقليل عدد القوات البيشمركة من قبل الأحزاب السياسية الشيعية، إحدى مجالات الخلاف الأخرى بين بغداد وأربيل.
أبدى النواب العرب والتركمان عن كركوك، الأربعاء  في 03 شباط / فبراير 2021، رفضهم  بشكل قاطع عودة قوات البيشمركة إلى داخل الحدودية الإدارية للمدينة، مطالبين القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، بضرورة الحفاظ على "منجزات عملية فرض القانون"، التي تحققت في زمن رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، حيث إن القوى السياسية التركمانية والعربية، إعتبرتها خطوة غير قانونية من جهة الإقليم في ظرف سياسي حرج، إذ أعتبر (محمد سمعان) المتحدث الرسمي للجبهة التركمانية العراقية، إن "أي تقدم لقوات البيشمركة ومحاولة السيطرة على آبار النفط فيها سابقة خطيرة"، مشيراً إلى أن "المادة 143 من الدستور العراقي قد حددت حدود الإقليم".
 وفي هذا الإطار؛ ينتاب التركمان والعرب شكوك كثيرة من إمكانية ضغط الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة جو بايدن على الحكومة العراقية، لتقديم بعض التنازلات في المناطق المتنازع عليها، حيث يتمتع قادة الإقليم بعلاقات وثيقة مع مسؤولي الإدارة الأمريكية الجديدة، وهي علاقات يمكن أن توفر مساراً جديداً للعلاقة بين بغداد وأربيل، سواءً على مستوى العلاقة البينية، أو العلاقة على مستوى المناطق المتنازع عليها.
ففي كل مرة تتصاعد فيها العمليات الإرهابية في العراق، تثار تساؤلات عن مصير مدينة كركوك والمناطق المتنازع عليها الأخرى، وكيفية الحفاظ على السلم المجتمعي في هذه المناطق، ومع تزايد العمليات الإرهابية في العراق مؤخراً، بدأت الأوضاع المعقدة تعود للواجهة مرة أخرى في كركوك،  وهذا ما يتطلب وضع حلول حقيقية لهذه المناطق، ومن الممكن القول؛ إن أي حدث أمني أو سياسي سوف يفتح الباب لصراع مكوناتي في كركوك، وبالتالي يفسح المجال للعناصر الارهابية بإستغلال الوضع المرتبك لقيام بنشاطاتها المسلحة، ولذا من الضروري أيضاً على المكونات الأساسية في كركوك، أن تعمل على صياغة معينة للإدارة المشتركة في المدينة، كمدخل مهم لتعزيز الثقة بين المكونات، ويقطع الطريق أمام جهة تحاول أن تفرض أمر واقع على المدينة، التي تعرضت للعديد من التحديات السياسية والإجتماعية في فترات مختلفة.