اختفاء جمال خاشقجي .. جناية الحصانة أم حصانة الجناية ؟

قراءة قانونية

د.فتحي محمد الحياني
About

زميل برنامج الدراسات القانونية / خبير القانون الدولي العام


ما تزال قضية اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي بعد دخوله قنصلية بلاده في اسطنبول مثاراً لجدل قديم متجدد إثر كل حادثة من هذا النوع. وعلى ما يبدو أن اهازيج السياسة والعلاقات الدولية قد حجبت الرؤيا عن المسارات القانونية بل وساهمت في خلط مفاهيمها وأطرها وجيرتها بعيداً عن الغاية التي شرعت من أجلها. ولعل "الحصانة"   وما ينبثق عنها من أهم ما تم تداوله في هذا السياق ، سواء تلك الممنوحة لشخوص البعثات أو لأبنيتها.

تعد أتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963 المرجعية القانونية التي تحتكم إليها الدول في مثل هذه الحالة، وما دام الأمر يتعلق بالقنصلية السعودية فإننا سنكرس الحديث عن الحصانة التي تمنح في مثل هذه الحالة آخذين بنظر الاعتبار تمايزها عن الحصانات الآخرى التي تمنح للدبلوماسيين والسفارات وتعد اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 إطارها المرجعي. لقد منحت اتفاقية 1963 الحصانة القانونية لمقرات القنصليات وموظفيها، فقد منعت المادة 31 منها سلطات الدولة المضيفة دخول القسم من الدور القنصلية المخصص كليا للأعمال القنصلية إلا بموافقة رئيس البعثة القنصلية أو ممثله بموافقة رئيس البعثة الدبلوماسية للدولة الموفدة ، وأعتبرت أن مثل هذه الموافقة مفترضة عند حدوث الحريق او أية كارثة أخرى تستوجب اتخاذ إجراءات وقائية سريعة، في حين تضمت المادة 43 منها حصانة قضائية للموظفين والمستخدمين القنصليين عندما أشارت إلى عدم خضوعهم لاختصاص السلطات العدلية والإدارية في الدولة المضيفة بالنسبة إلى الأفعال المنجزة في مجرى ممارستهم للوظائف القنصلية. 

وفي هذا السياق فلابد من الإشارة إلى مسألتين: الأولى، أن منح هذا النوع من الحصانة لا يعني بأي حال من الأحوال أن تتحول دور القنصليات او مقرات البعثات إلى مقاصل أو أماكن احتجاز قهري أو ميزة لمن منحت لهم في انتهاك القانون أو منظمومة الحقوق، فقد أشارت ديباجة هذه الاتفاقية إلى أن القصد من هذه الامتيازات والحصانات ليس إفادة الأفراد وإنما ضمان الأداء الفعال لوظائف البعثات القنصلية بالنيابة عن دولها، وعلى هذا الأساس فقدت نظرية امتداد الاقليم مكانتها لدى فقهاء القانوني الدولي كأساس لتفسير هذه الحصانات وحلت محلها نظرية مقتضيات العمل الدبلوماسي التي تؤسس لهذه الحصانات على ضروريات الوظيفة التى يقوم بها المبعوث. ولعل من المنطقي ونحن في صدد مناقشة تداعيات اختفاء الصحفي السعودي أن يثار تساؤل ماذا لو وجد أحد الموظفين أوالمستخدمين القنصليين متورطاً أو مشتبه بتورطه في أرتكاب جريمة أو فعل غير قانوني خارج سياق ممارسته لعمله؟

في مثل هذه الحالة لايمكن باية حال القول بحيلولة الحصانة دون ممارسة الاجراءات القانونية ضده من قبل الدولة المضيفة، مع الاخذ بنظر الاعتبار أنه لا يمكن إخضاع الموظفين القنصليين للاعتقال أو الاحتجاز الاحتياطي بانتظار المحاكمة إلا في حالة الجرم الخطير وعلى أثر قرار من السلطة القضائية المختصة ولا يمكن سجنهم ولا إخضاعهم لأي شكل آخر من القيد على حريتهم الشخصية إلا تنفيذا لقرار قضائي نهائي. 

أما المسألة الثانية : فتتعلق بحصانة المكان وهو في هذا السياق القنصلية السعودية ، فهي  حصانة ليست مطلقة بل معلقة على شرط الموافقة. وفي هذا السياق فإن الموافقة التي تم تداولها والتي ما تزال رهن التشكيك من قبل الجانب التركي ، لا قيمة قانونية لها حتى لو افترضنا صحتها على اعتبار أن نص الاتفاقية حصرها بشخص رئيس البعثة القنصلية أو ممثله بموافقة رئيس البعثة الدبلوماسية للدولة الموفدة. وحالما تتحق عندها سيعد الشرط  منجزاً ويزول المانع، وبذلك يحق للجهات التركية ممارسات اجراءات التحقق والتحري. ولها ريثما يتم ذلك اتخاذ كافة الاجراءات الاحترازية التي تمنع ضياع معالم الجريمة التي يعتقد ارتكابها بما في ذلك تفتيش الحقيبة الدبلوماسية التي منحها القانون الدولي حصانة معلقة على شرطين ، أولهما عدم تجاوزها الغرض التي أًنشئت من أجله والثاني احترامها لقوانين وانظمة دول الاستقبال والعبور وبانتفاءهما أو أحدهما يمكن فتحها وتفتيشها.
ومن ناحية أخرى لا بد من الاشارة إلى أن هذه الحصانات لا تعني أن الافعال الجرمية المرتكبة دخلت حيز المباح فكل ما تتضمنه حصانة تتعلق بالاختصاص والاجراءات دون أن يكون لها اي تأثير على الموضوع. 

ولهذا فإنه وبغض النظر عن الجانب الشكلي فإن ما حصل - إن ثبت صحته - فإنه يعد انتهاكاً للسيادة التركية وسبباً موجباً للمسؤولية الدولية بموجب قواعد القانون الدولي التي ادرجتها لجنة القانون الدولي في قواعد مسؤولية الدول لعام 2001 حيث اشارت في المادة الأولى منها إلى ((كل فعل غير مشروع دوليا تقوم به الدولة يستتبع مسؤوليتها الدولية)) وهي مسؤولية مدنية تعويضية ، فضلاً عن نهوض المسؤولية الجنائية ضد الجناة سواء امام القضاء الدولي الجنائي متى ما توافرت شروطه أو امام القضاء الجنائي الداخلي. 
ومن نافلة القول أنه في مثل هذه الحالات غالباً ما تزاحم هدف تحقيق العدالة والكشف عن الحقيقة أهداف وغايات أخرى تحكم بوصلتها مكامن السياسية وشبكة المصالح سواء بين الأطراف المعنية أو الأطراف الدولية الأخرى.