إحتجاجات تشرين في العراق

بين فرص التغيير الناعم ومصاديق التغيير الخشن

د.علي اغوان
About

مدير برنامج ابحاث الجيبولتيك في مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية


تصوير الغلاف : ابراهيم عبد الكريم 

مدخل اجرائي

    يبدو ان العراق يعيش مرة اخرى موجة جديدة وفريدة من نوعها على مستوى الحراك الاجتماعي ذو الدلالات والاعماق السياسية، والتي تستهدف هذه المرة روح وفلسفة النظام السياسي نفسه ! بدأت الاحداث بشكل متسارع حينما انطلقت الدعوات على شبكات التواصل الاجتماعي لتظاهرة حاشدة بعنوان ( #نازل_اخذ_حقي ) وكان قد تم الاتفاق على موعد اجراء هذه التظاهرة في يوم 1 تشرين الاول عام 2019، استكمالاً للاعتصامات المفتوحة التي بدأها خريجو كليات الهندسة امام نقابة المهندسين في العراق، ومن ثم خريجو كليات العلوم السياسية واعتصامهم المفتوح امام وزارة الخارجية وليس انتهائاً باعتصام حملة الشهادات العليا الذي بدأ حراكه منذ عام 2013 دون ايجاد حل جذري لهذه الشريحة.
بيد ان الاحداث بدت متسارعة كون المطالب كانت تتمحور حول مجموعة بسيطة من الحاجات، على رأسها ايجاد فرص عمل لفئة كبيرة من الشعب العراقي الذي يقبع تحت خط الفقر دون وجود فرص مناسبة لهم في ظل دولة تعد من اغنى دول العالم في الموارد المادية والبشرية، حيث انتقلت المطالب خلال الايام الاولى وتحولت نحو البحث عن وطن شعر العراقيون بفقده  طوال السنوات السابقة بسبب سوء الخدمات في جميع القطاعات، وجاء هذا المطلب تحت عنوان ( #نريد_وطن ).

انسدادات النظام السياسي 

       بالانتقال سريعاً للطرف الحكومي وتحديداً عبر اجراء نظرة فاحصة للنظام السياسي المطلق  في العراق،  فضلاً عن الاطراف المشكلة لهذا النظام، نلحظ بشكل لا يقبل الجدال وجود انسدادات سياسية وإستراتيجية كبيرة في طريقة عمل النظام، وتأديته لوظائفه ومهامه وادارة الدولة، إذ يعيش هذا النظام حالة من عجز التحديث الذاتي لأدوات العمل الوظيفية على المستوى السياسي التنفيذي والشريعي والقضائي، ويكاد يتوقف عن العمل في اي لحظة بسبب هشاشته وصوريته وتفريغه من محتواه، اثر تنامي دول الفواعل المستحدثة بعد عام 2014 من مؤسسات اصبحت اقوى من الحكومة وسيطرت على مرافق الدولة بشكل واضح وصريح .

فواعل وطرفيات ما فوق الدولة 

      هذه الفواعل والمقصود بها الكيانات الموازية عاشت مراحل انتقالية سريعة بدأت عام 2014 بتشكيل مجاميع فصائلية قاتلت ضد تنظيم داعش الإرهابي، وحققت تقدم مكنها من ان تنتقل لمرحلة اعمق في ادارة الدولة العراقية لكن ليس عبر النظام نفسه او عبر طرفياته، بل عبر مؤسسات تم تكوينها رديفة تعمل في نفس سياق عمل النظام نفسه، يوازي عملها عمل المؤسسات الامنية والعسكرية والسياسية فضلا عن التشريعية ، حيث استطاع الكيان الموازي الفصائلي أن يدخل الانتخابات بقوة استحقاق الانتصار العسكري، فضلاً عن قوة السلاح والمال التي يمتلكها، ليتمكن من انجاز مرحلة جديدة من مراحل تفريغ فكرة النظام السياسي من وظائفه. كل ذلك مكّن الكيان الموازي من ان يذهب باتجاه تفعيل المرحلة الثالثة من العمل عبر تعزيز الوضع الاقتصادي من خلال الاشتراك المباشر في صياغة حكومة واختيار وزارات وتقسيم مديريات عامة ومرافق عليا في العراق، بناءً على الاستحقاقين السابقين (عسكرياً وسياسياً) بمعنى ان هذا الكيان انتقل من عالم الحرب والقتال لعالم السياسة والمناورات السياسية ليتوج كل ذلك بمرحلة ثالثة وهي عالم المال والاعمال الحكومية ،حتى صار هذا الكيان بمثابة الدولة  العميقة يدير جزء كبير من فعالياتها الاقتصادية في اغلب المحافظات العراقية.

مقاربات حٍِراكية 

ان جل ما حدث من عملية التمترس السابقة على المنظومة السياسية والاستراتيجية للدولة العراقية، اوصل الشعب لمرحلة اللاعودة مع الوضع العام في العراق، كون الكثير من المواطنين الذين خرجوا اليوم يمثلون نوع جديد من الحراك الذي على ما يبدو انه احرج الحكومة بشكل كبير، كونه خرج من بيئة كانت تعتبر في السابق حليفة للنظام السياسي وللحكومات المتعاقبة الى حد كبير، فضلاً عن دور المنصات الاجتماعية قبل احداث تشرين في رسم الخطوط العامة للحراك المجتمعي في الوسط الشيعي تحديداً، والذي اقتنع بان ما يحدث ليس حكماً للشيعة وحكماً باسم الحسين كما روج له قبل سنوات عام 2005 حينما دخل العراق اول استفتاء على الدستور، الذي كتب بلحظة مرتبكة جدا يدفع ثمنها الشعب العراقي اليوم . بالمحصلة هذه الحالة مثلت تحدي كبير للحكومة العراقية كون المطالب باتت تتحدث عن ازاحة النظام السياسي برمته وازاحة الطبقة الحاكمة وتغيير قانون الانتخابات "قانون سانت ليغو العراقي المعدل سيء الصيت الذي رسخ امكانية وجود الاحزاب الإسلامية الكبيرة بشكل عام في السلطة لفترات طويلة لحكم العراق . 

هذه المطالب كانت الحكومات السابقة تتعامل معها بسهولة وانسيابية اكبر، حينما كانت تخرج الاحتجاجات من المناطق السنية المضطربة امنياً، حيث استطاع الاعلام الحكومي والحزبي ولسنوات طويلة من خداع الشارع الشيعي حول حقيقة ما كان يجري في ساحات الاعتصام السنية - مع التحفظ بشكل كبير على من استغل ووظف الساحات سياسياً وارهابياً-  حيث اقنع هذا الاعلام ان تلك التظاهرات كانت لبعثيين وتكفيريين وقاعدة وتنظيمات النقشبندية ورجالات النظام العراقي السابق قبل عام 2003، مما ادى الى اخماد هذا الحراك في تلك المناطق عبر سيطرة التنظيمات الارهابية المسلحة جراء انسحاب القوات الحكومية الرسمية عام 2014 منها وتسليمها للإرهابيين ، بيد ان ما يحدث اليوم في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب الشيعية يختلف جذرياً عما كان يحدث في تلك المناطق الغربية والشمالية السنية، اذ انه من الصعب بالرغم من المحاولات لتغليف هذه التظاهرات بأغلفة عديدة منها اغلفة البعث التي باتت فكرة مضحكة حين الصاقها باي نشاط معارض للحكومة فضلاً عن اغلفة المندسين او ما يعرف "بعملاء او ابناء السفارات الغربية والصهيونية"  التي باتت لا تنطلي على الشعب.

مآلأت وتداعيات مستقبلية 

     بالمحصلة العامة ، لم تعد مطالب ايجاد فرص عمل او وظائف او خدمات عامة هي المطالب الرئيسة للمتظاهرين ، قبل احداث تشرين واثناء الايام الاولى بل انتقلت لمطالب لتتحدث عن  اقتلاع النظام السياسي والدستور الذي يستمد النظام السياسي وظائفه العامة منه ، فضلاً عن تعديل قانون الانتخابات واجراء انتخابات تحت اشراف اممي وتغيير النظام البرلماني الى نظام رئاسي . كما تبدو الاحتجاجات اليوم تتمحور حول مشهدين : 

المشهد الاول : وهو حالة الانتقال الناعم منخفظ الحدة والذي يحتاج لمسار تدرجي من اجل اعادة صياغة النظام السياسي عبر اجراء ترميمات هيكلية تعزز من اداءه وقدرته على العمل وتقديم وظائفه العامة ، حيث يحتاج هذا المشهد لتوفر احساس استثنائي مرتفع بالمسؤولية من قبل الكتل السياسية الحاكمة والاحزاب المشكلة للحكومة لكي تصوغ عملية الاصلاح الحقيقية وازاحة كتل الفساد الكبرى والتي باتت تنخر في جسد الدولة العراقية، غير ان هذا المشهد لا يرجح من قبل الباحث بسبب عدم وجود هذه القناعة الحقيقية لدى الكتل والاحزاب السياسية من اجل اصلاح النظام وترميمه بما يتفق وتطلعات الشعب، الذي تنظر اليها الاحزاب المهيمنة على انها غير منطقية، كون هذا النظام بحسب وجهة نظر بعض هذه الاحزاب تم صياغته بتضحيات ودماء ولا يمكن انهاءه بهذه السهولة.

المشهد الثاني : والذي يمثل حالة الانتقال الخشن والذي يحتوي على مصاديق اعلى من المشهد الاول كون الحالة العراقية مركبة للغاية يتداخل فيها ما هو سياسي مع ما هو فصائلي، وكيانات موازية اصبحت تقف كعائق كبير امام اي عملية اصلاح فضلا عن فساد من يتحدث عن الاصلاح واشتراكه في كافة مفاصل الدولة. هذا المشهد يجرنا للحديث عن ثلاث اطراف رئيسية اصطدمت بالايام الاولى لحراك تشرين من ثم سرعان ما تم فض هذا الاصطدام وتحويل مساراته، حيث ان الاطراف الثلاثة الرئيسة للحالة هي (الشعب والحكومة والفصائل المسلحة) . هذه الاطراف يرجح ان تتصاعد وتيرة الصدام فيما بينها، لاسيما إن تحدثنا عن ازاحة الحكومة ووقوف بعض الفصائل المسلحة بوجه المتظاهرين للحفاظ على المكتسبات والاستحقاقات التي تم انجازها في المرحلة السابقة، حيث من المرجح ان ترفض الحكومة بشكل مباشر عملية تحويل النظام من برلماني الى رئاسي وعملية الغاء الدستور، وحتى تجميد البرلمان ، لهذا يمكن ان يكون خيار استقالة او اقالة الحكومة وهو اقصى ما يمكن ان تصل اليه العملية السياسية بحسب وجهة نظر الحكومة، غير ان ذلك لن يرضي الجماهير كون الاحزاب التي انتجت هذه الحكومة هي من ستعيد انتاج الحكومة التي ستخلفها مع اجراء بعض عمليات التجميل لاقناع الشارع بعملية الاصلاح، لهذا يعتقد الباحث ان الوضع المركب في العراق يسير نحو المزيد من التصعيد والذهاب نحو مواجهة قد تكون (شيعية- شيعية) من اجل الحفاظ على النظام الحالي من قبل الحكومة وحلفائها من الكيانات الموازية، او من اجل ازاحة الحكومة والكيانات الموازية من قبل الشعب والمتظاهرين وهذا ما قد يؤدي بشكل مباشر لحدوث حالة من حالات الاقتتال المباشر بين هذه الفصائل والشعب، او بين الفصائل بعضها او بين المؤسسات العسكرية الرسمية العراقية "الجيش العراقي" وهذه الفصائل .