التكييف القانوني للمواجهة الإجرائية والتشريعية لمطالب الجماهير في العراق

وجهة نظر قانونية

أ.د. وعدي سليمان مزوري
About

أكاديمي ومستشار قانوني

صورة الغلاف: ابراهيم عبدالكريم


بعد فشل تجربة الحزب الواحد والتي حكمت العراق لأكثر من ثلاثة عقود، يبدو ان تجربة الإسلام السياسي الشيعي والسني هي الاخرى - والتي اعقبت الأولى-  قد بدأت ملامح فشلها تلوح في الأفق،  وأصبحت مسألة الكشف عن زيفها وفشلها مجرد وقت ليس الا. ان الحراك الجماهيري الذي بدا منذ بداية تشرين الاول والذي ظهر في بدايته كحركة عفوية بسيطة غير انه اتضح بانها حركة منظمة ذات أهداف ومطالب منسقة ومدروسة ومخطط لها.


واذا كان لهذا الحراك مطالب سياسية وقانونية لا جدال في مشروعيتها واهميتها،  الا ان المشكلة تثور في آلية الاستجابة لهذه المطالب، فالحكومة عاجزة تماما عن تلبية هذه المطالب بالآليات القانونية والاقتصادية الصحيحة وبالشكل الذي يرضي الجماهير الغاضبة، والسبب الرئيسي في ذلك ان هذه الحكومة ورثت إرثا كبيرا من الفساد ودمار البنى التحتية من الحكومات السابقة وخصوصاً حكومتي المالكي وحيدر العبادي الأمر الذي جعل إجراءات حكومة عادل عبد المهدي قاصرة، وغير قادرة على ترضية المطالب الجماهيرية، ولا ادل على ذلك من مبالغ الإعانات الاجتماعية التي قررها السيد عبد المهدي لكل عراقي لا يملك وسيلة عيش، فعلاوة على عدم قدرة هذا الإجراء من حل مشاكل العراقيين المتراكمة، فانه اجراء غير متوافق مع القوانين النافذة بسبب عدم تماشيها مع الخطط الاقتصادية الواردة في قانون الموازنة الاتحادية والاستراتيجية الاقتصادية للدولة، هذا ناهيك عن القرارات التي اتخذها السيد عبد المهدي من اجل مواجهة الفساد وإحالة الفاسدين الى القضاء والتي لم ولن تنفذ -على الأقل في الوقت الراهن -بسبب عدم توافر الغطاء القانوني الرادع رغم وجود بعض القوانين الخاصة بذلك الا انها ناقصة، كما ان سلطة الدولة ضعيفة في تنفيذها أصلا، بسبب قوة دولة الظل ونعني بها دولة الفساد والتي تحكم بالموازاة-ان لم تكن أقوى-مع الحكومة الشرعية، لذلك ستبقى هذه الاجراءات الحكومية وغيرها غير قادرة على مواجهة عاصفة الثورة في ظل ضعف الحكومة فضلًا عن عدم قانونية معظمها.


اما الاجراءات التشريعية للبرلمان فهي كانت اكثر تعاسة وارباكاً من تلك التي قام بها السيد عبد المهدي، فالإجراءات التي اتخذها البرلمان الكثير منها غير دستورية وغير مدروسة ومربكة، وفيها تهرب واضح من المسؤولية المشتركة تجاه الشعب ومحاولة إلقائها باتجاه واحد فقط، فالمؤسسات الدستورية المشكلة بموجب القوانين وكذلك المراكز المنشأة بالقانون لا يجوز الغائها الا بقانون موازي استنادا الى قاعدة توازي الاشكال المعروفة في القوانين، فعلى سبيل المثال ان مجالس المحافظات شكلت بأصوات الشعب وبالاستناد الى القانون، لذا لا يجوز حلها الا بقانون وبذات الشاكلة، كما ان الرواتب والمخصصات والامتيازات-بغض النظر عن مدى إفراطها من عدمه- فان معظمها مقررة بالقوانين لذا لا يجوز المساس بها الا بقانون. وبذلك فان لجوء مجلس النواب الى حل مجالس المحافظات بقرار تشريعي لا يجد له سند من الدستور، فالمادة 61 منه لم تجز لمجلس النواب في مجال التشريع غير تشريع القوانين الاتحادية ولم تتكلم عن القرارات التشريعية وهذا ما اكدته المحكمة الاتحادية العليا بالقرار 140 وموحداتها 142/اتحادية/اعلام /2018 في 23/12/2018،  ومعلوم ان قرارات المحكمة الاتحادية باته وملزمة لكافة سلطات الدولة بموجب المادة 94 من الدستور،  ثم كيف لمجلس النواب ان ينصب نفسه رقيبا على المحافظ في الوقت الذي أعطى القانون هذه الصلاحية لمجلس المحافظة وبالاستناد للدستور، وذات الامر ينطبق على تخفيض الرواتب والامتيازات الخاصة بالرئاسات الثلاث فقد كان حريا تنظيمها بقانون معدل للقانون الذي اقرها لكي تكتسب الشرعية، فضلا عن تحقيق التوازن والعدالة فهذا القرار فقط تكلم عن خفض رواتب وامتيازات الرئاسات الثلاث وأصحاب الدرجات الخاصة دون بقية الموظفين الذين يتقاضون رواتب تقترب او تعلو على رواتب البعض من الدرجات الخاصة!! 


واذا ما انتقلنا الى قرار البرلمان بتشكيل لجنة لتعديل الدستور فيلاحظ انه مربك، وجاء في وقت اكثر إرباكا، اذ ما هي الخطوط العامة لعمل هذه اللجنة واية مواد دستورية ينبغي مراجعتها من اجل تعديلها ومن يقرر ذلك ووفق أية آلية، ثم ما هو الحل فيما لو رفض التعديل بالصوات ثلثي ثلاث محافظات كما يقضي بذلك الدستور نفسه، فهل حقق هذا التعديل مطالب الجماهير، وهل ان الجماهير يمكن لها ان تصبر ستة اشهر اخرى -على الأقل-لغرض اجراء التعديل؟ ومن ناحية أخرى ما الضمان ان هذا التعديل لن ينال من حقوق المكونات تحت غطاء الاستجابة لمطالب الجماهير مما يزيد الامر تعقيدًا ؟


ومن جانب اخر يلاحظ ان هنالك أصوات داخل الحكومة والسلطة التشريعية وخارجهما تطالب بتعديل قانون الانتخابات وهو امر غاية في السذاجة السياسية فأي تعديل للدستور في هذا الوقت العصيب لن يؤدي الى نتائج مرضية تلبي المطالب الشعبية وفي الوقت ذاته تأخذ بنظر الاعتبار التركيبة الفسيفسائية للمكونات العراقية فهل ياترى سيراعي هذا التعديل مطالب الجماهير وفي الوقت ذاته خصوصية بعض المكونات الاخرى كالكورد والمسيحيين وغيرهم من المكونات؟ فاذا كان الجواب ايجابا اذا ليس هنالك حاجة لتعديل هذا القانون واذا كان نفيا فمعنى ذلك ان هذا التعديل سيولد مشكلة اخرى وهكذا سندور في حلقة مفرغة، ثم ان  السلطة التشريعية الحالية أصلا والتي ستتولى تعديل القانون تعيش الان في فترة الريبة والشك فهي ليست بمنأى عن غضب الجماهير، لذلك فان قيامها بإجراء اي تعديل لهذا القانون الحساس قد يثير الشك في مدى مشروعيته، والحقيقة غير الخافية على الجميع ان السلطة التشريعية شريكة مع الحكومة منذ إقرار الدستور عام2005 في كل ما آل اليه العراق في هذا المقام والذي ادى في النهاية الى تفجير الوضع جماهيريا هذا ان لم نقل ان الدور الأساس لهذه المشاكل كان لهذه السلطة من خلال توفير الغطاء القانوني للانفراد بالسلطة من قبل رؤساء الحكومات السابقة، وعدم تحريك مسؤوليتهم السياسية في هذا الصدد ولا ادل على ذلك من انتشار الفساد والانفلات الأمني وسقوط ثلث أراض العراق بيد تنظيم داعش في عهد السيد نوري المالكي وما نجم عن ذلك من ارتكاب مجازر دموية بحق أفراد الشعب الذين وقعوا اسرى بيد التنظيم ومجزرة سبايكر خير شاهد على ذلك،اضافة الى سلسلة من الاجراءات التعسفية التي اتخذها السيد حيدر العبادي ضد اقليم كوردستان دون سند دستوري او قانوني.. 


ان سكوت السلطة التشريعية حيال هذه الأمور وغيرها وأحيانا مشاركتها للحكومة في ذلك جعلها في موقف سيء من حيث نظرة الجماهير اليها ومدى التزامها بالدستور.


انطلاقًا من هذه الحقائق فان على السلطة التشريعية ان تخضع لإرادة الشعب الذي انتخبها وتستشعر بمسؤوليتها الدستورية و تقرر حل نفسها استنادًا الى نص المادة 64 من الدستور سواء بطلب من ثلثي أعضائها او بطلب من رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية، وان تتم الدعوة الى اجراء انتخابات مبكرة خلال المدة التي حددها الدستور لكي تنتج حكومة جديدة بمواصفات الإرادة الشعبية، ولكن ينبغي قبل ذلك تشريع قانون يمنع بموجبه المحاصصة الطائفية والمذهبية المقيتة داخل السلطة التشريعية والتنفيذية ويجرم العمل الحزبي القائم على أساس طائفي الى ان يتم تثبيته في الدستور فيما بعد، فهذه المحاصصة هي أساس كل البلاء الذي حل بالعراق بعد سقوط العراق بيد امريكا عام 2003 ولحد هذه اللحظة، وان تتم محاسبة كل مسؤولي الدولة السابقين الذين تسببوا في ما وصل اليه الوضع في العراق وان تتم إحالتهم الى القضاء وملاحقتهم أينما كانوا .


والسؤال الذي يثور في هذا الصدد هو هل سيفعل مجلس النواب ذلك ويكون بمستوى المسؤولية التاريخية والدستورية؟ فان ذلك محل للشك سيما وان هنالك اختلال في التوازن السياسي بين مؤسستي البرلمان والحكومة لصالح الاولى فحتى لو طلب رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية حل مجلس النواب فان الامر مرهون في النهاية بموافقة هذا المجلس على حل نفسه.


وبعيدا عن كل ما تقدم فان الخشية في الوقت ذاته من ان تتدخل اجندات خارجية ومن خلال جهات داخلية في مسألة المظاهرات وان يؤدي ذلك في النهاية الى اعادة صياغة العملية السياسية في البلاد وتغيير النظام البرلماني عن طريق تعديل الدستور بالشكل الذي يحقق تنفيذ هذه الأجندات الامر الذي يعني في النهاية مزيدًا من التحايل على القانون والدستور وإجهاض المظاهرات.