مقاربات في فهم الاستراتيجية الايرانية

تحليل سياسات

فراس الياس
About

مدير برنامج الدراسات الايرانية في مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية

 

مثلت منطقة الشرق الأوسط تاريخياً مرتكزاً رئيساً للإستراتيجية الإيرانية، فالرؤية الإستراتيجية الإيرانية عند النفاذ إلى هذا الإقليم تقوم على فرضية أساسية مفادها، إن إيران تمتلك من المقومات التاريخية والعمق الحضاري والتأثير السياسي والإقتصادي والعسكري والديموغرافي ما يجعلها غير متساوية مع الآخرين، ولعل هذا ما جعل الإستراتيجية الإيرانية تطرح نفسها خلال فترة حكم الشاه محمد رضا بهلوي، ضمن إطار الإستعلاء القومي الفارسي، وبعد عام 1979 ضمن إطار إسلاميّ، قوامه عالمية الثورة الإيرانية، وهي بهذا الإطار تتحرك ضمن عدة مسارات تُعَدّ المجال الحيوي لإيران، وهي: "الخليج العربي- الشرق الأوسط- العالم الإسلامي"، ووظفت في سبيل هذا التحرك  مفردات قوتها الشاملة، الصلبة منها والناعمة.

وعند الربط ما بين المقاربات المؤطرة (نظرية وفلسفية وعملية) للإستراتيجية الإيرانية، نجد أنها جميعها تتحرك في إطار هذا المجال، وتصبّ في نفس الإطار، فإيران لطالما طرحت نفسها بإطار دوليّ يتجاوز الحدود الإقليمية الضيقة، من خلال توظيف نموذجها الحضاري والديني والسياسي لخدمة إستراتيجيتها، كما تعدّ الإستراتيجية الإيرانية من أكثر الإستراتيجيات تعقيداً في المنطقة، وهذا التعقيد يظهر في طبيعة العَلاقة بين الأطر الفكرية والإستراتيجية العملياتية في الشرق الأوسط، فقد طورت الإستراتيجية الإيرانية في الشرق الأوسط العديد من المفاهيم والأدوات والسياسات التي تستند إلى الفلسفة الفكرية الحاكمة وطرق تطبيقها، فما بين القومي والإسلامي وظّفت البراغماتية السياسية أو الآيديولوجية المحافظة عند التعامل مع جدليات الشرق الأوسط، ففي الوقت الذي تتبع فيه إستراتيجيتها السياسية منطق التعامل السلمي وإحترام سيادة الدول، تذهب إستراتيجيتها العسكرية بإتجاه توظيف المليشيات المسلحة، لفرض واقع جديد يخدم إستراتيجيتها، وهذا ما جعل إستراتيجيتها قادرة على إدارة كثير من تناقضات الشرق الأوسط، بصورة مرنة وفاعلة، وهذه الرؤية للدور الإقليمي، وإستقرار الإعتقاد بإمتلاك عناصره ومقوماته في مدركات صنّاع الإستراتيجية الإيرانية، هي التي حدّدت طبيعة عَلاقات إيران مع دول الشرق الأوسط([1]).

إنّ إيران بعد عام 1979 إرتبطت بأربع مدارس فكرية أساسية، وعند دراسة وتحليل هذه المدارس نلاحظ مدى الإختلاف في الأهداف والأولويات في الإستراتيجية الإيرانية، وذلك على النحو الآتي:

1.      المدرسة الأولى: الإسلام-الإسلام، منذ سقوط نظام الشاه حتى الحرب العراقية-الإيرانية.

2.      المدرسة الثانية: الإسلام-إيران، خلال الفترة 1980-1989، أي حتى وفاة الخميني.

3.      المدرسة الثالثة: إيران-الإسلام، منذ وفاة الخميني وحتى النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي.

4.      المدرسة الرابعة: إيران-إيران، بعد وصول التيار الإصلاحي إلى السلطة في مطلع عام 1997، بقيادة الرئيس الأسبق محمد خاتمي.

إلى جانب ما تقدم، وظّفت إيران الطابع البراغماتي في ساحات أخرى غير الشرق الأوسط، فهي قدمت الدعم لأرمينيا بالضد من أذربيجان، وعلى الرغم من أن أرمينيا مسيحية وأذربيجان مسلمة، كما ذهبت إيران باتجاه توثيق عَلاقاتها مع دول كافرة ملحدة (من وجهة نظر الخميني) كالصين وفنزويلا وكوريا الشمالية، بناءً على حسابات براغماتية ومصلحية تتعلق بالدعم العسكري أو التوازن الإقليمي أو مصالح إقتصادية، في مقابل معاداة دول إسلامية كباكستان والسعودية والأردن وغيرها، وفي الوقت الحاضر ذهبت بإتجاه توثيق عَلاقاتها الإستراتيجية مع روسيا الإتحادية، التي وصلت إلى حد التحالف الإستراتيجي، من أجل مواجهة التفرد الأمريكي بالمنطقة، هذا بالإضافة إلى الإستفادة من الغطاء الروسي لتنفيذ مشاريعها السياسية سوريا، ففي كل الأمثال التي سقناها في ما تقدم أعلاه، كانت مدرسة "إيران-إيران" أو المصلحة القومية الإيرانية، هي المرتكز والأساس المحرك للإستراتيجية الإيرانية طَوال هذه الفترة.

وتتوزع الاستراتيجية الايرانية العامة على ثلاث مجالات استراتيجية رئيسية هي:

 

المجال الاستراتيجي الأول  : يشمل (مناطق الاتراك – كردستان ايران – الاحواز – سيستان بلوشييتان)

 

المجال الاستراتيجي الثاني  : يشمل (تركيا- اذربيجان – العراق- شرق السعودية – شمال الكويت – غرب باكستان – جنوب افغانستان)

 

المجال الاستراتيجي الثالث : يشمل (ارمينيا – سوريا-لبنان – قطاع غزة- سيناء – السودان – جيبوتي – اليمن – عمان – الهند الصينية- طاجيكستان- جورجيا)


إنّ عمليات التخطيط الإستراتيجي والتوجيهات الصادرة عن المرشد الإيراني علي خامنئي هي في الحقيقة تلعب دوراً كبيراً في تشكيل الإستراتيجية الإيرانية، من خلال التأكيد على تطوير القدرات العسكرية، ووضع أولوية لمناقشة وتطوير المنطلقات العقائدية، هذا بالإضافة إلى إعطاء مساحة لمشاركة المؤسسات الإيرانية الأخرى، لكي تساهم في صياغة العقائد والإستراتيجيات، والحديث هنا عن الحرس الثوري الإيراني أو مجمع تشخيص مصلحة النظام، أو المجلس الأعلى للأمن القومي، والتعامل مع السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، أو حتى المؤسسات غير الرسمية كـ"البازار ورجال الدين والمؤسسات الدينية والإقتصادية والمجتمعية" وغيرها، في أثناء إعداد الوثائق التوجيهية الخاصة بالإستراتيجيات الجديدة، وكذلك تفعيل مفاهيم وتقنيات وتكتيكات الحرب وإجراءاتها، من خلال سياسات الإستيراد العسكري والتدريب والإستشارة، والتي تقع على عاتق وزارة الدفاع والقوّات المسلحة بصنوفها الثلاثة.

وعلى الرغم من أن مؤسسات إيرانية متعدّدة مثل منظمة الدفاع الوقائي والمجلس الأعلى للفضاء الإلكتروني، التي تشكلت في عام 2012، تؤدي دوراً مُهِماً في تطوير الإستراتيجية الإيرانية وتحديث عقيدتها، إلا أن هذا لا يعني نفي دور المؤسسات السياسية والأمنية الأخرى في عملية صنع وتخطيط الإستراتيجية الإيرانية، إذ تلعب مؤسسة "خاتم الأنبياء" دوراً مُهماً في التنسيق بين الحرس الثوري الإيراني وباقي فروع القوّات المسلحة الإيرانية، إلى جانب دورها في تحسين القدرات القتالية للقوّات الإيرانية، وهذا كله إلى جانب الدور الذي تقوم به مؤسسات التعليم العسكري الإيرانية، كجامعة الدفاع الوطني وجامعة الإمام الحسين وجامعة الإمام محمد الباقر.

كما تلعب مراكز البحوث الثقافية والسياسية والإستراتيجية دوراً كبيراً في تطوير وتخطيط الإستراتيجية الإيرانية، إلى جانب عديد من المراكز والمؤسسات الفكرية الخاضعة لسيطرة الحكومة الإيرانية، فضلًا عن المؤسسات الأكاديمية المكرسة للبحث والتعليم بشأن المسائل العسكرية والأمنية، كما تستثمر الحكومة الإيرانية المؤسسات الصناعية العسكرية في التأثير على السياسة المعرفية والتقنية للمؤسسة العسكرية الإيرانية، ولا بد من التنويه بأن التقنيات المعتمدة في تطوير الإستراتيجية الإيرانية من خلال المؤسسات الفكرية التي ترعاها الحكومة والجامعات العسكرية في إيران، تشبه إلى حدٍّ بعيد التقنيات المعتمدة في المعاهد الصينية والروسية، من حيث ترسيخ الثقافة العسكرية والمنظومة الفلسفية والدينية الإيرانية في عقل الجندي الإيراني، والجدير بالذكر أن مراكز البحوث والدراسات في إيران أغلبها يرتبط بمؤسسات رسمية كوزارة الخارجية ومجلس مجمع تشخيص مصلحة النظام ومكتب المرشد الأعلى ومجلس الشورى، ويرأس هذه المسؤولية حالياً أكبر مستشاري السياسة الخارجية لخامنئي علي أكبر ولايتي، إلى جانب إرتباطها بالمكتب الرئاسي، ومعظم المكاتب الحكومية الكبرى، والبرلمان (مجلس الشورى)، فضلًا عن جميع مراكز التفكير العاملة في مجال تكوين الإستراتيجية الإيرانية.

كما تلعب شخصية صناع القرار، من خلال دورهم كأعضاء في مجالس إدارة هذه المؤسسات، دوراً مؤثراً من خلال ما تنشره هذه الشخصيات من مؤلفات في المجلات الرئيسية التي تنشرها هذه المراكز الفكرية، إذ تنشر مراكز الأبحاث الإستراتيجية دوريات علمية بحثية، تتخصص في مجالات المصالح الوطنية، والعَلاقات الخارجية والدولية، كما تنشر مجلات علمية في مجال السياسات الدفاعية والأمن والعلوم والتكتيكات العسكرية، كما أنها تلعب دوراً مُهماًّ في صياغة توجّهات الرأي العام الإيراني، من خلال نشراتها التي تستهدف ترسيخ مفاهيم سياسية معينة في العقلية الإيرانية، وفضلًا عن كل ما تقدم، يشكّل القادة العسكريون وقادة الأمن والرموز الوطنية الإيرانية كحسن روحاني وعلي أكبر ولاياتي وأحمد وحيدي وسعيد جليلي على سبيل المثال، بالإضافة إلى المؤلفين الأكثر تواتراً في المجلات والمراكز الفكرية الكبرى (وكثير منهم من أساتذة جامعيين)، منظومة أوليغارشية تشكل وتطوّر العقيدة العسكرية والإستراتيجية، إذ أنّ فَهْم كتابات هذه المجموعة ونظرياتها ونظرتها للعالم لها أهمية حاسمة في فهم الإستراتيجية الإيرانية.

 



([1]) دور إيران الإقليمي وتأثيره على عَلاقاتها بدول الخليج، تقرير استراتيجي، موقع الإمارات، في 15 ديسمبر 2014، ص2, http://cutt.us/q6N8p