احتجاج بغداد : ايران في عين الغضب الشعبي

مستقبل الدور الايراني في العراق

فراس الياس
About

مدير برنامج الدراسات الايرانية في مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية

صورة الغلاف: ابراهيم عبدالكريم

سعت إيران منذ عام 2003 إلى ضبط إيقاع المعادلة السياسية في العراق، بالشكل الذي يخدم نفوذها العسكري والاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، وذلك عبر تقوية العمل السياسي والمليشياوي المرتبط بالحرس الثوري الإيراني في العراق، وقد نجحت إيران في تحقيق العديد الأهداف التي حققت إدامة لمشروعها الإقليمي في المنطقة، ولكن مع اندلاع احتجاجات تشرين الأول 2019 في بغداد وباقي مدن الجنوب العراقية، تحول العامل الجماهيري الى رقم صعب في المعادلة السياسية العراقية، وهو ما أربك حسابات إيران والأحزاب المرتبطة بها، بالمسار الذي جعل المشروع السياسي الإيراني في العراق يدخل في حالة عدم يقين من المستقبل الذي ينتظره.


يحتل  الرأي العام العراقي ولاسيما الشيعي منه،  دوراً بارزاً في الاستراتيجية الإيرانية في العراق، ويؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في عموم السياسة الإيرانية تجاه العراق، وقد تبين تأثير الدور الذي لعبه الرأي العام العراقي عبر الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالإصلاح السياسي والإداري والإقتصادي، ضد الطبقة السياسية العراقية المدعومة من إيران، وتحديداً الأحزاب الإسلامية من جهة، ومن جهة أخرى ضد النفوذ الإيراني المتصاعد في العراق وأدواته، وهو ما دفع بصانع القرار الإيراني إلى إتخاذ كل الوسائل المتاحة من أجل إفشال هذه الإحتجاجات، لما لها من تأثير مستقبلي على طبيعة النفوذ الإيراني في العراق.


 تنظر إيران إلى أن الهدف الرئيس من الإحتجاجات الشعبية المستمرة في العراق، على انها  محاولة لتغيير المعادلة السياسية في العراق، التي أرست قواعدها وهندستها الدوائر الرسمية الإيرانية، ولذلك فإن إيران عملت على إتخاذ كل السبل لإفشالها، ومن بينها الإيعاز لمقربين منها ركوب موجة الإحتجاجات، من أجل حرفها عن مسارها الصحيح، كما ذهبت إيران باتجاه التدخل المباشر وإعلان موقفها الرافض من المظاهرات والاحتجاج الشعبية في العراق، إذ أشار المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، إلى أن المظاهرات الاحتجاجية في العراق هي عبارة عن أعمال شغب، وأكثر من ذلك ذهب إمام وخطيب جمعة طهران المؤقت محمد علي كرماني إلى أن ما يحدث في العراق هو مؤامرة أمريكية، وإن من يتظاهر هم "شيعة بريطانيا"، وأكثر من ذلك تستمر الصحافة الإيرانية التحريض على المظاهرات في العراق ودعت إلى إخمادها.


إن ابرز النتائج التي ترتبت على احتجاجت تشرين هو تهديد النفوذ الإيراني ، وهو ما دفع إيران إلى إن ترمي بكل ثقلها من أجل احتواء هذه المظاهرات، منطلقة من مخاوف تحكمها النظرة بانها قد تترك تداعيات سلبية على مجمل المشروع الإقليمي الإيراني، خصوصاً وإنها تحدث في بلد يعد من ركائز النفوذ الاستراتيجي الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، فإلى جانب التداعيات الإقليمية  التي يمكن أن تنتظر النفوذ الإيراني في المنطقة، يبرز سؤال مقلق لإيران حول مستقبل "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة، إذ عبر العديد من المسؤولين في الحرس الثوري الإيراني بأن إيران ستقف بوجه أي تظاهرات قد تشكل خطراً على مستقبل مشروع المقاومة في المنطقة، وهو تصريح يعكس مدى الإنغماس الإيراني الأمني وفي وسائل القمع التي استخدمت لمواجهة المظاهرات خلال تشرين المنصرم. كما ان أي تغيير في المعادلة السياسية العراقية لا سيما بعد الحرب على داعش يمس ايران ومصالحها في العراق بشكل مباشر، ويبين للجميع حجم التحديات التي قد تواجه النفوذ الإيراني في العراق في مرحلة ما بعد احتجاجات تشرين.


يمكن القول بأنه إلى جانب غرف العمليات التي انشأتها إيران في العراق مع بدء المظاهرات في 1 تشرين الأول 2019، تحدثت العديد من المصادر عن زيارة سرية قام بها قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني إلى بغداد بعد إندلاع الموجة الثانية من التظاهرات العراقية، والتقى مع العديد من قيادات المليشيات المسلحة من أجل إتخاذ إجراءات وقائية، يسعى عن طريقها إلى الحفاظ على وجود إيران في الساحة العراقية، كون الوجود الإيراني هو جزء من معادلة إقليمية تتجاوز حدود الساحة السياسية الداخلية في العراق، وكانت غرفة العمليات التي تشكلت ضمت إلى جانب الملحق العسكري الإيراني في بغداد، رئيس جهاز الامن في الحشد الشعبي، إلى جانب العديد من القيادات الميدانية في الحشد، وفي سياق ذلك تشير بعض المصادر عن عزم فصائل في الحشد الشعبي إعادة توزيع الحركات لفصائلها عبر سحب قوات من مدن الشمال العراقي الى بغداد والوسط من أجل ضبط الأوضاع هناك. 


تسبب حالة الإخفاق السياسي الذي وقع فيه القائمين على النظام السياسي في البلاد، من خلال عدم تمكنهم إنتشال البلاد من حالة الإستقطاب السياسي الدائر بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، بالكثير من الإشكالات السياسية والأمنية التي إنعكست على مجالات حياة المواطن العراقي، والذي يواجه إلى جانب تحدياته المعيشية والخدمية، تحدي غياب الدولة ومؤسساتها، وهي أسباب جوهرية وموضوعية دفعت المواطن للنزول إلى الشارع.


إن حالة الوعي السياسي الذي أشرت إليه التظاهرات الحالية، بالمشاكل الكبيرة التي تحتوي النظام السياسي في العراق من جهة، والتحديات التي تكتنفها الأدوار  الخارجية لا سيما سيطرت ايران على جوانب كبيرة من القرار العراقي  من جهة أخرى، كانت سبباً رئيسياً من ضمن أسباب أخرى للنزول إلى الشارع، فالتظاهرات والاحتجاجات الشعبية ضد الأحزاب الماسكة بالسلطة، هي بصورة أخرى إدانة صريحة لإيران وسياساتها بالعراق، فإلى جانب كون هذه المظاهرات تمثل ردة فعل ضد الطبقة السياسية العراقية ومن بعدها إيران، فهي من جانب أخر تشير إلى تصاعد الشعور القومي لدى الشعب العراقي، وتعزيز الهوية الوطنية العراقية، على الهويات الطائفية والمذهبية والفرعية التي عملت على تكريسها السياسات الطائفية في عراق ما بعد 2003، من أجل خدمة مشروعها السياسي في العراق.


لقد افرزت احتجاجات تشرين قوة الجماهير الشعبية العراقي في المعادلة السياسية الداخلية، ولن تستطيع أي طبقة سياسية أن تتجاوزه مستقبلاً، وتأسيساً على ما تقدم يمكن القول إن الراي العام العراقي يتفق في أغلبيته على أن إيران تسعى إلى فرض وصايتها الكاملة على العراق، لأسباب تتعلق بمصالحها الحيوية، وإستمرار هيمنتها على الشؤون الإقليمية، ومن ثم فإن موقف الراي العام العراقي يقوم على رفض النفوذ الإيراني في العراق، ورغم ما حققته إيران من نتائج على الأرض، كالوجود العسكري الفعلي والفاعل، وبتشكيل حكومات عراقية قريبة لها، وبالاعتماد على قوى سياسية عرقية، إلا أن إيران فشلت في إحتواء وتسير الرأي العام العراقي ومن بعده مرجعية النجف، التي كان موقفها الأخير في خطبة الجمعة يوم 1 نوفمبر 2019، من خلال إشارتها إلى أنه ليس لأي جهة سياسية داخلية أو أي طرف إقليمي أو دولي، أن يفرض رأيه على العراقيين في إختيار النظام السياسي الذي يريدونه، ليشكل الرأي العام العراقي أحد مداخل التأثير الفاعل ضد الإسراتيجية السياسية الإيرانية في العراق ومستقبلها. ويطرح التساؤلات عن التحديات التي ستواجه السياسة الإيرانية في العراق، وهل ستهد انحرافا سياسيا كبيرا في الاداوات والتكتيكات في استراتيجيتها التي رسمتها لسياستها في العراق لا سيما بعد الهيمنة التي حازتها على القرار العراقي بعد الحرب على تنظيم داعش.