رؤية في قدرات إيران البحرية

وتحديات غلق مضيق هرمز

فراس الياس
عن الكاتب

مدير برنامج الدراسات الايرانية في مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية

في كل مرة تبدو فيها أن هناك مشكلة ستختفي في إيران، سرعان ماتأخذ مشكلة أخرى مكانها، ففي الوقت الذي تراجعت فيه حدة المظاهرات الشعبية حول المظالم الإقتصادية في طهران، بدأت مظاهرات جديدة في خوزستان، فقد خرجت مظاهرات في جميع أنحاء المدينة إلى الشوارع للتعبير عن شكوكهم من سوء إدارة الحكومة لنقص المياه المستمر، إذ يقول المحتجون أن إيران تواصل بيع المياه الصالحة للشرب إلى العراق والكويت، في حين ان  هناك 230 مواطناً إيرانياً قد تعرضوا للتسمم بسبب مياه الشرب الملوثة، كما بدأت الإضطرابات المتعلقة بقضايا المياه تزداد حدةً في عابادان ومدن إيرانية أخرى، لكن يبدو أن المسؤولين الإيرانيين لا يستطيعون التعامل معها، وتشير الكثير من المعلومات بأن إيران نشرت المزيد من قوات الباسيج في مدينتي خرمشهر وعابادان لتهدئة الإضطرابات المتصاعدة هناك.

وفي هذه الأثناء، كان الرئيس حسن روحاني في أوروبا يحاول جاهداً إنقاذ الصفقة النووية الإيرانية، من خلال تشجيع فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، على الإيفاء بالتزاماتهم التجارية والإستثمارية التي سبق التعهد بها، قائلاً: "إذا إستطاع الموقعون المتبقون ضمان فوائد إيران، فستبقى إيران في الإتفاق النووي بدون الولايات المتحدة"، الا انه نظراً للتهديدات التي وجهتها الولايات المتحدة ضد أي دولة تواصل العمل مع طهران، والرغبة التي أبدتها إدارة ترامب في فرض عقوبات إقتصادية حتى على حلفائها، فمن المستبعد جداً أن تكون أوروبا راغبة في أن تتعارض مع الولايات المتحدة، وخاصة عندما تبدأ واشنطن بالفعل حرباً تجارية مع أوروبا، وببساطة، يمكن للولايات المتحدة أن تلحق الضرر بحلفائها الاوربيين ، أكثر مما يمكن لإيران أن تساعدهم ، وما يدلل على هذا التصريح الذي أدلى به الأمين العام لحلف الشمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ على هامش قمة الدول الأعضاء في حلف الشمال الأطلسي التي عقدت في بروكسل في 11 يوليو 2018، من أن برنامج إيران الصاروخي مثير للقلق، وإنه لن يتم السماح أبداً لإيران بإمتلاك الأسلحة النووية، وأضاف بأن هناك تحركاً أوروبياً ضد إيران لإرغامها على إيقاف أنشطتها الصاروخية المزعزعة للأمن والإستقرار في منطقة الشرق الأوسط والعالم، كما أن البوادر الأولى لقمة هلسنكي تشير إلى أن قمة بوتين – ترامب، ستشكل بداية عملية لتحجيم دور إيران الإقليمي كمرحلة أولى، قبل أن يتم إنهائه في مراحل متلاحقة، وقد تكون سوريا واليمن الأساس لذلك، إلى جانب أن الأوضاع المتصاعدة في مناطق جنوب العراق، بدأت تشكل إرباكاً حقيقياً لقادة صنع القرار في إيران.

ومع المحاولات الجاهدة من قبل الولايات المتحدة لإجبار أكبر قدر من الدول على التوقف عن شراء النفط الإيراني، فإن الحكومة الإيرانية ستواجه صعوبة في تعويض النقص في العائدات المفقودة، فخسارة عائدات النفط سيئة بما فيه الكفاية، ولكنها تأتي في وقت سيئ للغاية، اذ ان ميزانية الحكومة الإيرانية محدودة بالفعل لدعم العمليات العسكرية في العراق وسوريا واليمن، كما أن الشعب الإيراني يندد بإستمرار بضعف الإنفاق الحكومي على البرامج الإجتماعية والخدمية، علاوة على ذلك، من شأن إلغاء الطلب على النفط الإيراني أن يعجل بتراجع الريال الإيراني إلى مستويات أكثر إنخفاضاً من الوضع الحالي، والذي كان السبب المباشر وراء موجة الإحتجاجات الأخيرة في طهران.

لذلك فإن روحاني ووزير خارجيته يدركان مدى صعوبة المهمة في أوروبا، ولهذا فقد حاول جاهداً بعثرة أوراق الأوربيين في زيارته الأخيرة، ففي الثاني من يوليو، أثناء زيارته إلى سويسرا، عبر عن غضبه من أن تتمكن دول أخرى من شحن النفط من منطقة الخليج العربي، في الوقت الذي قد لاتتمكن فيه إيران من فعل الشيء ذاته، لذا ذهب بإتجاه التهديد بإغلاق مضيق هرمز، الذي يلعب دوراً كبيراً في إيصال مانسبته 30٪ من إمدادات الطاقة العالمية، وبعد هذا التهديد بفترة قصيرة وقف قاسم سليماني، قائد قوة القدس، مؤيداً لبيان روحاني، ومشيراً إلى أنه مستعد لفعل أي شيئ من أجل الدفاع عن المصلحة الوطنية الإيرانية .

الا انه ليس بغريب على المتابع للشأن الإيراني، بأن إيران كثيراً ما تذهب بإتجاه إطلاق التصريحات الإعلامية المثيرة للجدل، بل أن السلوك السياسي الخارجي الإيراني مبني أساساً على إعتماد التهديد، كأساس لإستراتيجية الردع الإيرانية القائمة على الدفاع السلبي، وهنا يبرز تساؤل مركزي، حول ماهية طبيعة القدرات العسكرية-البحرية الإيرانية، وهل إيران قادرة على التأثير في حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز؟

لابد من القول بأن الإستفزازات البحرية التي تقوم بها إيران في مضيق هرمز، وخصوصاً من جانب القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، باعتبارها تضطلع بالمهمة الرئيسية في منطقة الخليج العربي وخليج عمان، كان لها الكثير من التداعيات الأمنية على المصالح الخليجية والدولية، ولعل هذا يأتي إستكمالاً لإستراتيجية الحرس الثوري البرية في ساحات الصراع الأخرى في الشرق الأوسط، كونه الأداة الرئيسة في إستراتيجية إيران الإقليمية.

وبالترابط مع إستراتيجية الدفاع الغير متماثل التي يعتمدها الحرس الثوري في إطار الحروب البرية، فقد إستطاع أيضاً أن يطبق فرضيات الدفاع الغير متماثل في إطار إستراتيجيته البحرية، فنظراً لمحدودية القدرة الإستراتيجية للبحرية الإيرانية في الخليج العربي وخليج عمان، ذهبت إيران بإتجاه تبني إستراتيجية التعرض البحري الغير مباشر، وذلك من خلال الدفع بأعداد كبيرة من الزوارق البحرية الصغيرة، والمزودة بصوريخ محمولة على الكتف، وطرادات بحرية من طراز FFLS)) البريطانية الصنع، وغواصات صغيرة من طراز Yono"" المستوردة من كوريا الشمالية مؤخراً، والصواريخ البالستية المضادة للسفن  (ASBM)، فضلاً عن تطوير أنظمة الدفاع الساحلي"كروز"، وزرع الألغام البحرية، ونصب مفارز بحرية عشوائية، إلى جانب تسخير أسراب من الطائرات بدون طيار، والمجهزة بقنابل متفجرة، من أجل شن هجمات إنتحارية على سفن العدو، وكذلك مروحيات بحرية من طراز 3D و AB-212 و RH-53، وطائرات F-27 الثابتة الجناحين، وعدد صغير من الحوامات البحرية، والتي تأتي جميعها من أجل فرض سيطرة غير مركزية على منطقة مضيق هرمز، والتي هي بصورة أخرى غير موازية للوجود الأمريكي هناك، حيث أن إيران قامت بوقت سابق بنقل أغلب سفنها الحربية الكبيرة إلى مناطق بحر قزوين والمحيط الهندي، كونها تدخل في سياق الحروب التقليدية، وهو مالا يتوائم مع إستراتيجية الحرس الثوري الإيراني التي تعتمد إسراتيجية الدفاع الغير متماثل، القائمة على فرضية "أضرب وأهرب"، بوصفها ركيزة أساسية في التحرك العسكري في البر والبحر، فضلاً عن أن البحرية الخاصة بالحرس الثوري نسجت علاقات قوية في الأونة الأخيرة مع العديد من مجاميع القرصنة البحرية كـحركة الشباب الصومالي في باب المندب، تحت فرضية الجهاد البحري المقدس، من أجل شل حركة النقل البحري وإمدادات الطاقة السعودية والأمريكية والدولية عبر البحر الأحمر.

وفي هذا الإطار، نجد بأن البحرية الإيرانية في الخليج العربي تعتمد على شن عمليات أشبه بعمليات القرصنة البحرية، عند القيام بعمليات تفتيش السفن المارة بالخليج العربي، كما حدث في عام 2016، عندما إحتجزت البحرية الإيرانية مجموعة من البحارة الأمريكان دخلوا المياه الإقلمية الإيرانية، أو عندما قامت بإطلاق النار على سفينة تحمل علم سنغافورة في عام 2015، قالت انها ألحقت الضرر بمنصة بحرية إيرانية، أو ما قمت به أثناء الحرب العراقية الإيرانية فيما عرف انذآك بـ"حرب الناقلات"، إذ عادةً ماتربط عمليات إطلاق سراح الرهائن الذين يتم إلقاء القبض عليهم، مقابل مبالغ مالية أو شروط سياسية، إذ تقوم بمهام التفتيش سفن صغيرة تظهر وتختفي فجأة، بمعنى أننا لسنا أمام قوة بحرية لها من التقاليد الحربية المتعارف عليها.

لذلك  يمكن القول بأن إيران لاتمتلك فرصاً كبيرة في إغلاق المضيق لفترة طويلة جداً، بل أن أقصى مايمكنها القيام به هو عرقلة السفن المارة عبر المضيق لفترة قصيرة، هذا إلى جانب أن إيران لاتمتلك السلطة القانونية الدولية المطلقة على مياه مضيق هرمز، كون جزء كبير منها يتداخل مع المياه الإقليمية لسلطنة عمان، كما أن مايدلل على هامشية التحركات الإيرانية، ماصدر من تصريحات مشككة بقدرة إيران على إغلاق المضيق، ومنها ما أشار إليه مسؤول لجنة الأمن القومي والسياسات الخارجية في مجلس الشورى الإيراني حشمت الله فلاحت بشه، والذي قال بأن إيران لايمكن لها أن تغلق مضيق هرمز، وأن تصريحات روحاني الأخيرة هي للإستهلاك الإعلامي لا أكثر.

لكن تبقى تكتيكات الكر والفر التي يتبعها الحرس الثوري الإيراني في إطار إستراتيجيته البحرية، يجعله قادراً على مهاجمة سفن الشحن أو الإغارة على المنشآت النفطية بسرعة كبيرة ومن دون سابق إنذار، حيث أن العقوبات العسكرية التي فرضت على إيران منذ بداية القرن الحالي، أجبرت الحرس الثوري الإيراني على السعي نحو تطوير عقيدة بحرية هجينة.

وتدرك إيران جيداً بأن المواجهة العسكرية في مضيق هرمز ستكلفها الكثير من التداعيات البيئية والأمنية والإقتصادية، وبالتالي فهي تعمل جاهدةً على تجنب هذه المواجهة، لإسباب كثيرة أهمها الواقع الإقتصادي الصعب الذي تعيشه إيران اليوم، والمرشح للتدهور أكثر في شهري أغسطس ونوفمبر القادمين، فالنظام السياسي في إيران اليوم بدء يدرك جيداً بأنه المستهدف الرئيس من نظام العقوبات الدولية المستمرة ضده، فالموضوع تجاوز مسألة معالجة الدور الإقليمي الإيراني في الشرق الأوسط، ليصبح النظام الإيراني نفسه المخطط لهذا الدور في دائرة الإستهداف الدولي، فهناك اليوم الكثير من التطورات الداخلية والإقليمية والدولية المتعلقة بإيران بدأت تتغير، في حين لازال النظام الإيراني يكابر ويقلل من حجم هذه التحديات.

وعلى الرغم من ان إيران هي الدولة الوحيدة في منطقة الخليج العربي التي تمتلك قوة غواصة بحرية، وهذه القوة نشئت بعد الحرب العراقية الإيرانية، عندما إستلمت ثلاثة غواصات هجومية من الدرجة الثانية من روسيا، وعلى الرغم من وجود برامج محلية لإنتاج وصيانة هذه الغواصات، إلا أنها تعاني العديد من التحديات، والتأخير في الحصول على التكنولوجيا الحربية المتقدمة، وهو مايضع الكثير من علامات الإستفهام على قدرة إيران في التأثير على حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، إذ ما قورنت قدراتها البحرية بحجم وقدرة الأسطول الأمريكي الخامس المرابط في البحرين، فضلاً عن القدرات البحرية المتطورة التي تتمتع بها السعودية والإمارات العربية المتحدة إلى جانب دول غربية أخرى، والتي تجري مناورات عسكرية مستمرة في مياه الخليج العربي، إذ أشار الكابتن بيل أوربان المتحدث الرسمي بأسم القيادة المركزية الأمريكية الوسطى، بأن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها يمتلكون الإمكانيات البحرية الكافية لضمان حرية الملاحة وتدفق التجارة عبر مضيق هرمز، الإ أن الذي تنبغي الإشارة إليه هنا أنه على الرغم من القدرات العسكرية المتطورة التي تمتلكها البحرية الأمريكية في مياه الخليج العربي، والتي تأتي في مقدمتها كاسحات الألغام والزوارق البحرية والقطع البحرية المقاتلة، إلى جانب الطيران المروحي، إلا أنه بالمقابل يواجه صعوبة في كيفية التعامل مع إلية الزرع العشوائي للألغام البحرية التي يعتمدها الحرس الثوري في مياه الخليج العربي، وهو مايجعل طريقة التعامل مع هذه الإستراتيجية صعبة بعض الشيء، كما أشار إلى ذلك تقرير صادر عن المكتب الأمريكي للإستخبارات البحرية، وما عبر عنه مايكل كونيل رئيس برنامج إيران للأبحاث.

وبناءً على كل ماتقدم يمكن القول بأن مسألة غلق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، هو موضوع خاضع لطبيعة العلاقات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، ومع أن موضوع غلق المضيق أصبح سلاحاً تلوح به إيران منذ ثمانينات القرن الماضي، عندما هدد هاشمي رفسنجاني بغلق المضيق أمام الملاحة الدولية، وهو الشعار نفسه الذي لوح به أحمدي نجاد وصولاً إلى روحاني، إلا أنه لم تقدم إيران حتى اليوم على تنفيذ هذه الخطوة، وذلك للكثير من الأسباب الفنية والإقتصادية والعسكرية، بل أن تداعيات غلق المضيق ستنعكس على الداخل الإيراني أكثر من غيره، خصوصاً وأن النظام السياسي في إيران اليوم يعاني الكثير من الصراعات الداخلية، في ضوء أزمة مشروعية سياسية بدأت تلاحق الولي الفقيه نفسه، ناهيك عن التحديات الإقتصادية المتمثلة بالبطالة والتضخم والفساد الإداري، إلى جانب المشاكل الإجتماعية المتعلقة بالتضييق على الحريات العامة وحقوق الإنسان.

فهي تدرك بأن المستفيد الأكبر من غلق المضيق هم أعدائها، وبالتالي ستفكر ملياً قبل الذهاب بهذه الخطوة، ومايدلل على ذلك  ما تذهب اليه إيران اليوم بإتجاه إيجاد بدائل أخرى قد تخفف من حجم الضغوط الدولية عليها، وقد تكون الصين والهند وتركيا، خيارات يمكن أن يعول عليها صانع القرار الإيراني في حالة ما إذا تم إيقاف الإمدادات الإيرانية عبر مضيق هرمز، أو حتى الذهاب بإتجاه عرقلة انتاج النفط في الجنوب العراقي ، وذلك من أجل التأثير في حجم الطلب العالمي على النفط القادم من منطقة الخليج العربي. ويبقى غلق المضيق احد اكثر الخيارات المستبعدة من جانب قدرات ايران من جهة ، ومن جهة أخرى فان اغلاق المضيق او عرقلة المرور من خلاله سيؤثر في الاقتصاديات العالمية بشكل كبير بما يدخل ايران بعزلة دولية كبيرة بل قد يتصاعد ليشهد حراك يضع حد لنشاطاتها في المنطقة وعلى نحو غير مسبوق.