تشكيل حكومة على خطوط التصدع السياسي

في ضوء تحليل نتائج الانتخابات النيابية العراقية 2018 - تقدير موقف -



جاء اعلان المفوضية العليا المستقلة للانتخابات العراقية في 19.05.2018 , بالعديد من المفاجئات التي رسمتها اوزان الكتل الفائزة واطلق العنان للتكهنات حول التداعيات القادمة على تشكيل الحكومة المقبلة في ظل بيئة إقليمية مشحونة على نحو غير مسبوق , واذا كانت التوقعات صادقة بان أي من الكتل لن تتجاوز الـ 60 مقعدا من مقاعد المجلس , فان المفاجئ كان بتبدل المواقع بين الفائزين , اذ قفزت سائرون بزعامة مقتدى الصدر التي كان يتوقع لها الحصول على المرتبة الثالثة الى المرتبة الأولى فيما هبطت قائمة النصر بزعامة رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي الى المرتبة الثالثة بعد قائمة الفتح بزعامة هادي العامري فيما كانت كل التوقعات تشير الى حيازته للمرتبة الأولى وبفارق كبير . وهو ما بدى بطرح تساؤلات جدية حول ماهية شكل الحكومة القادمة.

تحليل النتائج وتعمق خطوط الصدع  : 

كانت العلامة الفارقة في كل العملية الانتخابية هي نسبة المقاطعة المرتفعة في هذه الانتخابات اذ سجلت الأخيرة ادنى نسبة مشاركة لها منذ 2003 , بواقع نسبة مشاركة بـ  44% في الوقت الذي كانت النسبة الأولية لا تتجاوز الـ 32 % من يوم الاقتراع العام . هذه النسبة التي كان احد اهم أسبابها حالة الإحباط العام لدى الناخب العراقي,  اثرت بشكل كبير على نتائج الانتخابات, فليس غريبا ان تحل كتلة سائرون بالمرتبة الأولى كونها الكتل الأكثر تنظيما وتمتلك كتلة ثابته داخل هيئة الناخبين , وهو الامر الذي دفعها لتكون الفائز الأول من بين القوائم على حساب قائمة النصر التي تضررت على نحو كبير بنسبة المشاركة المتدنية في الانتخابات . 
ان نتائج الانتخابات لمجلس النواب العراقي البالغ عدد مقاعده 329 مقعدا, سجلت ملاحظة مهمة وهي تدني حجم الكتل الفائزة في حيازة المقاعد وعلى النحو الاتي : 
ائتلاف سائرون التابع للتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر والمتحالف مع الشيوعيين وبعض المدنيين حاز 54 مقعدا بنسبة (16.41 % ) من مقاعد المجلس .
تحالف الفتح بزعامة هادي العامري والذي يضم تحالفا للفصائل الشيعية في الحشد الشعبي  الموالية لإيران حاز على 47 مقعد وبنسبة ( 14.27% )  من مقاعد المجلس . 
تحالف النصر بزعامة رئيس الوزراء حيدر العبادي جاء ثالثا بـ 42 مقعدا وبنسبة ( 12.76%) من المجلس .
ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي حاز على 25 مقعد وبنسبة   ( %7.59 ) من المجلس .
الحزب الديمقراطي الكردستاني , بزعامة رئيس إقليم كوردستان السابق مسعود البارزاني حاز على 25 مقعد وبنسب ( 7.59 %) من المجلس .
ائتلاف الوطنية بزعامة رئيس الوزراء الأسبق اياد علاوي والتي تضم طيفا سنيا واسعا حازت على 21 مقعد وبنسبة ( 6.38 %) من المجلس 
تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم المنشق عن المجلس الأعلى حاز على 19 مقعد وبنسبة 
( 5.77% ) من المجلس . 
الاتحاد الوطني الكردستاني حاز على 18 مقعد وبنسبة ( 5.47 %) من المجلس .
تحالف القرار العراقي بزعامة رئيس مجلس النواب السابق أسامة النجيفي ورجل الاعمال خميس الخنجر حاز على 14 مقعدا بنسبة  ( 4.25 %) من المجلس . 
فيما توزعت بقية المقاعد على قوائم أخرى صغيرة ومتوزعة في المحافظات الوسطى والشمالية بدرجة أساسية .

أولى اهم الملاحظات التي تسجل على النتائج الحالية للكتل الفائزة هو ضعفها وهشاشتها , اذا ان أي منها لم يتجاوز ربع عدد مقاعد مجلس النواب , بل ان تحالف سائرون الذي حل بالمرتبة الأولى لم يحز الا على  16 % فقط من مجمل مقاعد مجلس النواب وبقي بعيدا عن حد ربع المقاعد بدرجة كبيرة , هذه النتيجة ستقود الى ارباك تشكيل الحكومة بشكل كبير وتعرض هشاشة العملية السياسية في العراق المصابة بالعطب الى التفاقم . 
الاوزان الاثنية لنتائج الانتخابات : 

قامت العملية السياسية في العراق منذ نشأتها على توزيع اثني ( قومي – طائفي ) ثابت , الى درجة ان حساب نتائج الانتخابات دون توزيعها على التصنيفات الاثنية للمجتمع العراقي يجعل تحليل الظاهرة العراقية امرا غير واقعي . 
 مثلت القوائم " الشيعية " الفائز الأكبر في الانتخابات النيابية على الرغم من تفتتها اذ حازت هذه القوائم على 190 مقعدا من مجمل مقاعد مجلس النواب وبنسبة 58.3 % من مقاعد المجلس وعلى نحو غير مسبوق , فيما جاءت قوائم العرب السنة في المرتبة الثانية بواقع 60 مقعدا وبنسبة 18.2 % من مقاعد المجلس , بينما جاءت القوائم الكردية بالمرتبة الثالثة بـ 58 مقعدا وبنسبة 17.6 % من مقاعد المجلس . 





ويعود تفوق القوائم الشيعية في الانتخابات الى عاملين أساسيين الأول  تجاوز بعض تلك القوائم الحدود الاثنية والطائفية التي كانت ترسم عملية التنافس وعلى نحو جعلها قائمة تتوزع عموديا في العراق, والعلامة الفارقة من بين تلك القوائم كانت قائمة النصر بزعامة العبادي والتي جعلها العرب السنة تحوز المرتبة الثالثة من بين الكتل الفائزة , اذ يشكل العرب السنة الفائزون فيها قرابة الثلث ومن مجمل مقاعد القائمة بـ 16 نائبا من بين الـ42 مقعد الذي فازت به القائمة , وعلى نحو بدا يطرح السؤال حول ان كانت قائمة النصر هي قائمة شيعية ام سنية حين تصنيفها اثنيا , وهو ما سيضعها امام تحدي حقيقي اذا ما اعيد العمل بنظام المحاصصة المعمول به في تشكيل الحكومة القادمة . 
اما العامل الثاني فكان باستحقاقات المرحلة التي تلت داعش والتي حققت تفوق " شيعي " عسكري في العراق اثر على تلك النتيجة فتحالف الفتح حاز على خمسة مقاعد من محافظتي نينوى وصلاح الدين وهي دوائر " سنية " مغلقة لم يسبق ان تتشكل له فيها قدرة تنافسية على هذا النحو وهو ما أدى الى ارتفاع عدد مقاعده . 

تحرك القلاع التقليدية : 

يعود السؤال بقوة بعد اعلان نتائج الانتخابات حول مصير الأحزاب السياسية التي كانت تمثل قلاع أساسية في العملية السياسية في ضوء النتائج الحالية, وحول مألات صمود وتصدع التحالفات الحالية . ففي الساحة السياسية الشيعية اعلن حزب الدعوة الإسلامية انه لن يخوض غمار هذه الانتخابات في الوقت الذي أظهرت النتائج انه خاض الانتخابات عبر كوادره ضمن قائمتين رئيسيتين وهما ائتلاف النصر -الأكثر انفتاحا-  وائتلاف دولة القانون , وقد حازتا على 67 مقعدا في الانتخابات, بيد ان التنافس الحاد بين قطبي الدعوة وإمكانية خسارة الحزب لمنصب رئيس الوزراء قد يجعل الحزب الخاسر الأكبر في الانتخابات على الرغم من حجم المقاعد التي حازتها قوائمه . وسيشكل احتمالية خروج العبادي من الحزب كأحد شروط تشكيل الحكومة المطروحة ضربة صميميه تصيب قوة الحزب وتأثيره.
من جانب اخر فان تيار الحكمة المنشق عن المجلس الأعلى حاز على عدد من المقاعد يفوق ما كان يحوزه مجتمعا المجلس الأعلى في الانتخابات السابقة وهو ما سيشكل تحدي حقيقي امام المجلس ويفاقم تراجعه لصالح الحكمة . 
اما على مستوى العرب السنة فقد اعلن الحزب الإسلامي العراقي عدم خوضه الانتخابات العراقية, بيد ان النتائج أظهرت مشاركته بأحزاب وقوائم مختلفة , حيث شارك في قوائم الوطنية وقائمة النصر ونينوى هويتنا وتحالف بغداد , في الوقت الذي فاز له عن تلك القوائم ما يقرب الـ 8 نواب , ربما ستعيده الى المشهد بقوة خلال مفاوضات تشكيل الحكومة . 
من جانب اخر شهدت الساحة العربية السنية ظهور منافسة جديدة من قوائم محلية توسعت بشكل كبير لتنافس في كل المحافظات العربية السنية , فرجل الاعمال جمال الكربولي وبالتحالف مع بعض السياسيين السنة البارزين قام بتأسيس عدة تحالفات في نينوى والانبار وصلاح الدين وبغداد وديالى , كتحالفات نينوى هويتنا وصلاح الدين هويتنا وتحالف بغداد وديالى هويتنا , وقد حازت قوائمهم مجتمعة على 14 مقعدا , وهو ما سيجعلهم منافسين أقوياء في مفاوضات تشكيل الحكومة القادمة .
بذلك فان لاعبين غير مباشرين سيلعبون دورا مهما في مفاوضات تشكيل الحكومة القادمة وهو ما سيفضي الى ظهور تحالفات جديدة غير تلك التي ظهرت قبيل  الانتخابات النيابية . 

مسارات تشكيل الحكومة المقبلة : 

ما ان أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات النتائج حتى بدا حراك نشط بين مختلف الأطراف السياسية المختلفة للشروع بمفاوضات تشكيل الحكومة, الا انه وفي سياق ذلك بدا السؤال واضحا حول هشاشة بعض التحالفات والتي قد تضعف بعض القوى وتغير شكل المفاوضات الجارية لتشكيل الحكومة , فتحالف النصر بزعامة رئيس الوزراء العبادي بدا الأكثر عرضة للهشاشة بشكل واضح , اذ انه سجل أولى الانشقاقات من بين التحالفات الأخرى وعلى نحو غير متوقع , فقد انسحب ثلاثة أعضاء فائزين من التحالف وانظموا الى تيار الحكمة لينخفض عدد مقاعده الى الـ 39 مقعدا , من جانب اخر فان هذا التحالف بدا يحوي اكثر من زعامة , فألى جانب تحركات السيد العبادي لتشكيل الحكومة ينطلق وزير الدفاع السابق خالد العبيدي والذي برز كقيادة سنية صاعدة بعد حيازته ثاني اعلى شخصية تحصل على اعلى الأصوات في الانتخابات العراقية , ينطلق  في لقاءات مستقلة مع الكتل السياسية اذ التقى بزعيم سائرون مقتدى الصدر وزعيم تيار الحكمة عمار الحكيم ,  هذه اللقاءات وان كانت تنطلق بصفته زعيم لقائمة بيارق العراق الى انها تؤشر لازدواجية القيادة داخل التحالف, والتي ستتفاقم كلما زاد الشعور بابتعاد العبادي عن منصب رئيس الوزراء . 
على الطرف الاخر تبدو أيضا تحالفات القرار والوطنية معرضة للهشاشة , اذا ما انطلق رجل الاعمال العراقي خميس الخنجر بتوجه مختلف عن زعيم القرار أسامة النجيفي , واذا ما انفرط عقد القائمة الوطنية خلف قيادة اياد علاوي , وهي تحالفات المعرض الى التفكك بشكل كبير . 
الا ان مفاوضات تشكيل الحكومة تسير وفق مسارين : 
المسار الأول : وهو المسار الذي يقوده سائرون بزعامة مقتدى الصدر , والذي اعلن عن ملامحه الصدر في تغريدة له من انه يرغب بحكومة تكنوقراط غير متحزبة ومنفتحة على الجميع لكنه استبعد في حينها تحالف الفتح ودولة القانون , ثم ليتراجع باللقاء الذي جمعه مع زعيم ائتلاف الفتح هادي العامري , هذه المفاوضات تذهب الى ان تبقى المحاصصة ماثلة لكن مع شرط ان يرشح كل مجموع قومية او طائفية شخصية تكنوقراط ضمن حصتها في نظام المحاصصة دون الغاءه .
بيد ان الصعوبة التي تواجه هذا التحالف هي  الرغبة في ابعاد حزب الدعوة عن رئاسة الوزراء , وعلى الرغم من ان مرشح لمنصب رئاسة الوزراء لم يتم التطرق له في المفاوضات واقتصارها على شكل الحكومة القادمة فان طرح هذا الموضوع سيعقد المفاوضات وسيجعل هذا المسار يتعرض لعسر كبير . كما ان سعي الصدر الى إزاحة بعض الأطراف نحو المعارضة سيفسر على انه مواجهة حقيقية امام النفوذ الإيراني في العراق وهو ما سيعقد الامر على هذا المسار بشكل كبير.

المسار الثاني : الذي يسير فيه زعيم  ائتلاف دولة القانون مع الفتح والذاهب باتجاه تشكيل حكومة ذات صيغة اغلبية تقصي بعض الأطراف ومنها سائرون الى المعارضة , وتعيد العمل بنظام تقسيم الوزرات على أساس المحاصصة , وترتكز في ذلك الى الصعوبات التي سيواجهها المسار الأول خصوصا مع طرح مقتدى الصدر لرؤية جديدة في إدارة الدولة وتشكيل الحكومة تكون ذات نزعة اكثر استقلالية , هذا المسار يحاول إعادة انتاج نموذج  2010 الذي اقصي في حينها الفائز الأول في الانتخابات . لكنه يحمل بين طياته فوضى عارمة محتملة .

الى جانب هذا الحراك انطلق حراك إقليمي دولي حقيقي مع تشكيل الحكومة, اذ انطلق مبعوث الرئيس الأمريكي بيت ماكغورك في لقاءات متعدة مع اطراف كردية وسنية وشيعية أيضا في مسعى واضح من قبل الولايات المتحدة في إدارة تشكيل الحكومة الحالية , في الوقت الذي اوفدت ايران قائد فيلق القدس الى بغداد من اجل إعادة هندسة الكتل الشيعية بغية منع ان يشكل صعود سائرون تحدي حقيقي لإيران في العراق لكن سليماني لم يخرج الى الان بنتيجة تذكر في المفاوضات لتشكيل التحالفات القادمة .  فيما بقيت الدول الإقليمية الخمس الداعمة لتحالف القوى الوطنية العراقية (تضامن )  الذي تشكل من العرب السنة في العراق بعيدة عن المشهد في الوقت الحاضر بعد خسارة الهيئة القيادية في التحالف وهم وضاح الصديد وسليم الجبوري واحمد المساري في الانتخابات . 
يبقى السؤال الأهم حول من سيكون رئيس الوزراء في الحكومة المقبلة ؟ والذي تشير المفاوضات الحالية الى صعوبة ان يكون من الشخصيات التي كانت متداولة قبل الانتخابات , وسيكون الوصول الى شخصية تسوية هو الحلقة الأكثر عسرا في مسلسل مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة  .