تقرير: الاقتصاد العراقي: التحديات والخيارات

السياسات الاقتصادية والسيناريوهات المستقبلية للأداء الاقتصادي

سرمد كوكب الجميل
About

خبير إقتصادي و رئيس قسم المالية و المصرفية في جامعة الموصل


ملخص تنفيذي

يتناول التقرير واقع الاقتصاد العراقي والتنمية الاقتصادية فيه من منظور التحديات والخيارات التي يمكن أن يواجهها. إن مناقشة بعض الأبعاد في طبيعة ونشأة الاقتصاد العراقي تعد ضرورية لفهم واقعه والمستقبل الذي ينتظره، وهذا ما يعكسه عنوان التقرير "الاقتصاد العراقي: التحديات والخيارات .. السياسات الاقتصادية والسيناريوهات المستقبلية للأداء الاقتصادي، أما هدف إعداد هذا التقرير فهو الوقوف على السيناريوهات المتوقعة لمستقبل الاقتصاد العراقي في ظل الأزمات المركبة التي يعيشها منذ عقود من الزمن ولاسيما بعد سنة 2014 وما تلاها، وقد اعتمدت صيغة عرض التقرير في ثلاث فصول تضمنت مباحث كل مبحث تناول تفصيلات وجزئيات خاصة بالمؤشرات والأداء والتوقعات . 
ركز الفصل الأول وفي مبحثه الأول على الاقتصاد العراقي 1921 - 1958 إستراتيجيات تأسيس وبناء المؤسسات ومنها المالية والسياسية والاقتصادية وغيرها واستعرض المبحث أداء الاقتصاد العراقي في تلك السنوات. وتناول المبحث الثاني التحولات الاقتصادية في العراق 1958 - 2003 وتبعية الاقتصاد للسياسة وتمثلت في إصدار الحكومة العراقية إبان تلك الفترة من التحولات القوانين الإصلاحية بشكلها العام والتي ساهمت بتخريب بنية الاقتصاد، وكذلك كيف أعيد بناء هيكلية المؤسسات وفق الأيديولوجية المعتمدة من قبل الأحزاب الحاكمة وعلاقتها بالأداء الاقتصادي للمدة من 1959 - 2003  وتكريس تبعية الاقتصاد للسياسة التي خلقها السياسيون، وعرض المبحث الثالث الاقتصاد العراقي ما بعد 2003 التي توصف بأنها فترة التباينات الهيكلية والمخاطر الأمنية والمالية، وإنها مرحلة الأزمات والكوارث التي حلت بالاقتصاد العراقي، مركزا على الفساد والأزمة المالية والاقتصادية .
 أما الفصل الثاني فقد تناول مؤشرات أداء الاقتصاد العراقي واتجاهاتها بعد 2003 بوصفها التحديات التي يواجهها الاقتصاد العراقي، فكان المبحث الأول مركزا على الناتج المحلي الإجمالي واتجاهاته للسنوات 2005 - 2021 وفق تنبؤات الأمم المتحدة، وما تحمله من احتمالات وقد تبين صحة بعض منها وإخفاقها في بعض الجوانب، وكذلك التركيز على نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ومعطيات تنبؤية أيضا مع نسب النمو المتوقعة للاقتصاد العراقي، وعرض المبحث الثاني من الفصل بعض مؤشرات ميزان المدفوعات والخلل الهيكلي فيه، فيما عرض المبحث الثالث الموازنة العامة للحكومة والتغيرات في أسعار النفط وذلك لطبيعة العلاقة التي بناها العراق طيلة عقود بين إيرادات الموازنة وإيرادات النفط . 
أما الفصل الثالث فقد اختص بمناقشة السياسات الاقتصادية للعراق ( الخيارات ) وسيناريوهات المستقبل في العقدين القادمين من القرن 21 عبر عدد من المباحث اختص الأول بالأزمة المالية والكوارث الأمنية لما لها من تداعيات والتزامات مستقبلية وطرح أيضا التغيرات المتوقعة في سعر النفط للسنوات القادمة وكيف دخل العراق في دائرة الدول المدينة من خلال تنامي الدين العام الداخلي والخارجي وبلوغه مستويات غير مسبوقة ويعرض للسيناريوهات المتوقعة للاقتصاد العراقي للعقود الثلاثة المقبلة فيما عرض المبحث الرابع جملة من مؤشرات الفساد في العراق وتلاه المبحث الخامس الذي استشرف سيناريوهات مستقبل الاقتصاد العراقي ضمن معطيات متشائمة ومتفائلة، واختتم التقرير بأهم التوصيات. 


مقدمة
الفرص المالية والاقتصادية للدول قد لا تتكرر، واقتناص الفرصة تحقيق لمنافع كبيرة للدولة وشعبها، وضياعها يعني خسارة فعلية على المجتمع قد تحمّلها، وما حصل إبان السنوات 2004 ولغاية 2014 فرصة ثمينة حصل فيها العراق على مئات المليارات من الدولارات من موارد النفط وفي عشية وضحاها تهاوت أسعار النفط لتصل 25 دولار بعد ان كانت قد بلغت 147 دولار للبرميل في سنة 2008، وصفت تلك المدة بالذهبية دون أن يدرك القادة العراقيون وحكوماتهم المتعاقبة أهميتها، ولم يدركوا بأن مصدر تلك الأموال ليس من قطاعات اقتصادية إنتاجية وإنما مصدرها تذبذبات سوق النفط، فإذا ارتفع سعر النفط في السوق حقق العراق إيرادات وإذا انخفض سعر النفط ضاعت عليه فرص، وهذا يعني خسارة فعلية. 
وارتبطت الموازنة العامة للحكومة وميزان المدفوعات والنشاط والاقتصادي والمجتمع بسعر النفط، وفي عشية وضحاها وجد العراق نفسه أمام عجز كبير في موازنته وميزان مدفوعاته وتدني في احتياطياته، ولم يعد قادرا على سداد التزاماته، وقد تزامنت تلك الأزمة مع أزمة أمنية باحتلال ثلث العراق وتعطل بنيته الاقتصادية وموارده، ووجد أمامه ملايين النازحين والمهجرين وجيش مهزوم وقوى عسكرية مسلحة ترغب بالهيمنة على العراق جاءت بدعوات خارجية وداخلية من مرجعيات دينية وسياسية، فتوقفت الأنشطة الاقتصادية في معظم العراق ومختلف قطاعاته واختلف المعنيون بتسمية ما حصل، هل هو سوء إدارة الحكومة للاقتصاد والمال والنقد؟ أم هو أزمة أمنية اقتصادية ومالية؟! وبدأت التساؤلات أين الموارد؟ وأين الأموال التي حصل عليها العراق؟ وتبين أنها قد تلاشت وبرر ذلك بالفساد! وبعد سنوات يجد العراق نفسه مغرقا بالديون ومكبلا بالتعاقدات والتعهدات والضمانات، فإلى أين يتجه الاقتصاد العراقي؟ وما هي خياراته في التنمية الاقتصادية؟ وما هو مستقبله؟ هذا ما سيحاول التقرير مناقشته والإجابة عنه ضمن ثلاثة فصول متتابعة.  
لقد تم الاعتماد في إعداد هذا التقرير على المصادر الأصلية للبيانات، والتي تمثلها تقارير المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والأمم المتحدة، وكذلك التقارير التي تصدرها المؤسسات العراقية، ومنها البنك المركزي العراقي ووزارة التخطيط والتعاون الإنمائي والجهاز المركزي للإحصاء ووزارة المالية وعدد من المؤسسات الأخرى، وتم اعتماد منهجية العرض المبسط دون الاعتماد على التحليل الكمي ونماذجه واستعيض عنها بالجداول بعد تهيئة البيانات بهدف توضيح المضمون النظري وسهولة توصيله للقارئ. 


الفصل الأول
نبذة عن الاقتصاد العراقي وأهم سماته ومقوماته
المبحث الأول
الاقتصاد العراقي بين 1921 و 1958 استراتيجيات تأسيس وبناء

تأسس العراق على أنقاض الولايات العثمانية الثلاث سنة 1921 بعد أن خرج العالم من أتون حرب عالمية استمرت سنوات، عاشت فيها الولايات الثلاث زمنا قاسيا، فتآكلت موارد الناس وتوقفت أعمالهم الحرفية وسيطرت القوى المتحاربة على معظم الموارد بما فيها البشرية من خلال سوقهم لجبهات القتال وعانت مدن في العراق من المجاعات والكوارث، واستلمت الحكومة الجديدة مجتمعا خاويا في أهم قطاعاته الاقتصادية الموروثة: الرعي والزراعة والقطاع الحرفي، ولم تكن للعراق عملة خاصة به فاستخدمت العملات العثمانية والهندية والبريطانية، وبدأ الأمر واضحا من خلال العملة في التداول وحالة الضجر الذي انتاب الناس في تعاملاتهم .
واتسم العقد الأول لتأسيس العراق سنة 1921بحالة من عدم الاستقرار الاقتصادي فكانت هناك مظاهر اقتصادية بدائية وسمات لتحول كبير من حالة اللادولة إلى الدولة تمثلت بالبطالة والعزوف عن العمل وحالة الفقر التي غلبت على المجتمع العراقي وغياب المؤسسات، فكانت الحكومة مركزة على الجانب السياسي وتأسيس المؤسسات السيادية وحل المشاكل العالقة، منها مشكلة الموصل ومشكلة الحدود مع الجيران وفرض السيطرة السيادية على كل ربوع العراق وهذا ما أظهرته الوثائق التي تحدث عنها عدد من المؤرخين المعنيين بتاريخ العراق.
بلغ عدد سكان العراق في سنة 1920 بموجب إحصاء أجرته السلطات البريطانية المحتلة 2,85 مليون نسمة  كانت الموصل تحتل المرتبة الأولى من عدد السكان إذ بلغ عدد سكان اللواء بحدود 350 الف نسمة وقد تأسست في البداية المؤسسة العسكرية وتمت كتابة الدستور وتأسس المجلس النيابي والمؤسسة المالية الحكومية والمؤسسة التعليمية والصحية والخدماتية، واعتبرت هذه المدة بمثابة السنوات التي أرست دعائم الهيكلية الحكومية ومؤسسات الدولة الأخرى، وانطلق العراق فيما بعد برسم معالم الدولة الفتية، ليعقبه عقد الثلاثينات وكان قد تم تثبيت المؤسسات الحكومية رغم ما اتسم به من تغيرات سياسية منها موت الملك فيصل الأول وتنصيب ابنه غازي، مع عدم الاستقرار الحكومي متمثلا بالتغيرات الوزارية والهيكلية والشخصيات التي هيمنت على صناعة القرار السياسي. 
اتسمت تلك الفترة نوعا ما بالانفراج الاقتصادي فتأسست بعض الشركات وبدت ملامح تحولات اقتصادية في قطاع الأعمال، واعتمد العراق منذ تأسيسه  في سنة 1921 ولغاية نهاية الانتداب البريطاني سنة 1932 على الروبية الهندية وكانت بمثابة العملة الرسمية للعراق، وفي السنة نفسها وبعد نهاية الانتداب صدرت العملة العراقية الدينار العراقي بموجب قانون رقم 44 لسنة 1931 وكان كل دينار يعادل في قيمته باون استرليني واحد حيث ارتبط به بوصفه العملة الدولية إبان تلك المدة. وبدت ملامح بناء النظم المالية والمصرفية والحسابية والموازناتية  والرقابية والاستثمارية .   

الأداء الاقتصادي للعراق 1921- 1958 رؤية واستراتيجية ونتائج: 

تميزت السنوات 1950 - 1958 عن غيرها كونها صاغت سياسات اقتصادية فكانت بمثابة مرحلة نموذجية استندت على عدة أهداف منها: تحقيق تنمية اقتصادية، ورفع مستوى المعيشة، وإيجاد فرص العمل، وإجراء المسوحات الشاملة للموارد المستغلة وغير المستغلة، والبدء بتنفيذ المشاريع الاستثمارية حسب أهميتها؛ لدرء الأخطار في القطاعات الاقتصادية: الري وتحسين شبكات الري والبزل وتطوير قطاع الصناعات الاستخراجية والتحويلية وإنشاء شبكات نقل ومواصلات حديثة والتركيز على الأداء والنتائج . 
لقد كان التركيز على الاستثمار في البنية التحتية والقطاعات الاقتصادية ومنها الصناعي والزراعي والري والنقل والخدمات وفق برنامج يستند على شراكة حقيقية بين القطاع العام والقطاع الخاص، وعلى أساس هذه الشراكة تم تأسيس القطاع المختلط والذي يعد نموذجا رائدا في العالم؛ إذ يعد العراق ثاني دولة في العالم تعتمد هذه الصيغة من الشراكة بعد المكسيك، وبلغت حصة مجلس الاعمار من الإيرادات النفطية 23 مليون دينار في سنة 1952، ارتفعت إلى 39 مليون في سنة 1954، ومن ثم إلى 42 مليون في سنة 1955 واستمرت بالارتفاع تباعا. 

المبحث الثاني
التحولات الاقتصادية في العراق 1958 - 2003 تبعية الاقتصاد للسياسة

كانت سنة 1958 بمثابة نقطة تحول كبيرة في الاقتصاد العراقي على مستوى المنهج والسلوك والفكر والتطبيق، وأثيرت عدة عناوين وإشكاليات اجتماعية واقتصادية ووظفت سياسيا مثل الإقطاع والملكية العامة لوسائل الإنتاج واستغلال رأس المال وغيرها ويمكن حصر بعض منها والتي كان لها الدور الكبير في تحول الاقتصاد العراقي ومنها : إصدار قانون الإصلاح الزراعي وتأميم شركات الأعمال وشركات النفط الأجنبية وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، والقطاع التجاري والتحولات نحو القطاع الاشتراكي وتأكيد تدخل الحكومة .
الأداء الاقتصادي للمدة من 1959 - 2003 التباينات والتبعية: 

اتسم الأداء الاقتصادي لتلك المدة بالتباين والتفاوت في الهيكلية والرؤية والاستراتيجية مما انعكس على الأداء الاقتصادي بكل مؤشراته الكلية، ومنها الناتج المحلي الإجمالي وميزان المدفوعات والموازنة العامة للحكومة وما تضمه من نفقات وإيرادات، وكان هذا بمثابة انعكاس طبيعي للتباينات السياسية والتغيرات الراديكالية التي عاشها العراق طيلة أربعة عقود من الزمن ونيف وتمثلت بما يلي : 
1. كان لتطبيقات قوانين الإصلاح الزراعي في سنة 1961 و سنة 1971 آثار سلبية مباشرة وغير مباشرة على الاقتصاد الزراعي. 
2. إنّ تدخل الحكومة كان له نتائج سلبية على الاقتصاد من خلال تعطيل آليات العمل الاقتصادي، وكانت البداية سنة الأولى سنة 1964 عندما صدر قرار تأميم عدد من الشركات الريادية العراقية. 
3. تدمير قيم العمل في المجتمع وخلق نمط جديد من القيم وعنوانها الوظيفية الحكومية ومن جانب آخر كانت هذه بمثابة البداية لشيوع وانتشار ظاهرة الفساد المشرعن.
4. لقد استمرت عملية التحول في القطاع الاقتصادي ومؤسساته خلال عقد الستينات وبدخول السبعينات وبات الأفق واضحا بهيمنة الحكومة على كل النشاطات فتوسعت الحكومة، وتقلص القطاع الخاص ليكون قطاع وكالات لمؤسسات حكومية ليس إلا.
4. تحول الاقتصاد في الستينات والسبعينات وما تلاها من سنوات للاعتماد على النفط في تمويل موازناته، وذلك بفعل الزيادة الكبيرة في أسعار النفط التي شهدتها أسواق النفط بعد سنة 1973، فتدفقت فوائض كبيرة من العملات الأجنبية الدولار، وبهذا يكون العراق قد تحول إلى دولة ريعية تعتمد الإيرادات النفطية في تمويل موازناتها التشغيلية والاستثمارية. 
إن تقييما دقيقا للوضع الاقتصادي خلال مرحلة اتسمت بعدم الاستقرار السياسي من حيث الانقلابات والحروب قادت لنتائج سلبية على الاقتصاد العراقي وكان عنوانها الخراب والدمار والفساد وتهالك الموارد البشرية بوصفها قوة العمل الاقتصادية الرئيسة في ظل غياب للخطاب الاقتصادي الموضوعي، وبات حديث الاقتصاد حديثا نشازا غير مسموع في بيئة تعلوها ضوضاء السياسة وضبابية آفاقها وصعوبة تحديد ملامحها المستقبلية، وعلى الرغم من كل ذلك كانت هناك معالجات مجتزأة هنا وهناك على المستويين المادي والبشري ولكن في انهيار مستمر للنظامين المالي والاقتصادي !         

المبحث الثالث
الاقتصاد العراقي ما بعد 2003
تباينات هيكلية ومخاطر أمنية ومالية وأزمات كارثية

مدخل لسمات الاقتصاد العراقي ومحاولات إعادة البناء والإعمار: 

حاول المحتل بعد انهيار المنظومات السياسية والاقتصادية والمالية والإدارية والأمنية إعادة بناء تلك المنظومات، وقد أصدر عدة تشريعات شكلت الأساس الذي بنيت عليه منظومات ما بعد 2003، واعتمد المحتل في بنائه على قوانين أصدرها وشرعها هو نفسه مثل قانون إدارة الدولة وقانون الإدارة المالية، وتجاهل إرث الدولة العراقية لثمانية عقود من الزمن، مما خلق التباينات بين فئات المجتمع، وهمشت فئات وغابت المساواة وأثيرت النزعات الدينية والطائفية والعرقية وغاب مفهوم الوطن، واستعيض عنه بالمكونات مما أشر فشلا في كل المجالات، ظهر ذلك بجلاء بعد انسحاب الجيش الأمريكي في سنة 2011، وانعكس ذلك بتوزيع الثروة بين الأفراد والمكونات والمحافظات ومعيار توزيع الثروة عرقي وطائفي، مما انعكس بشكل مباشر وغير مباشر على هيكلية الاقتصاد العراقي وأداؤه، وشهد العراق تحولات بارزة في تلك المدة ومنها:
1. النمو المتسارع لأسعار النفط في السوق العالمية ولاسيما للفترة من 2004 - 2008:
سجلت أسعار النفط ارتفاعا مطردا منذ سنة 2004 لتصل ذروتها في سنة 2008 وتبلغ 147 دولار للبرميل الواحد، ومن ثم انخفضت لتصل إلى ما يقرب 60 دولارًا للبرميل، ومن ثم بدأت بالارتفاع ثانية لغاية منتصف سنة 2014 لتنخفض ثانية بشكل كبير، وقد شكّل صدمة للعالم وللاقتصاد العراقي . 
لقد قادت تلك الارتفاعات في أسعار النفط إلى المزيد من الإيرادات النفطية للعراق وانخفاض الأسعار في سنة 2008 و 2009 لم يكن تأثيره كبيرا على العراق؛ إذ سرعان ما بدأت الأسعار بالارتفاع ثانية ولاسيما السنوات 2010 – 2014، إلا أن الصدمة الكبيرة كانت في منتصف سنة 2014 حيث انهارت الأسعار ثانية، واستمرت بالانخفاض فكانت بمثابة صدمة كبيرة على الاقتصاد العراقي،  بحسب وصف صندوق النقد الدولي في تقريره لسنة 2015، والتي بدأت تداعياتها تظهر في سنة 2016 و 2017 وقد كانت هناك إدارة مشتركة للأزمة التي شهدها العراق من قبل وزارة المالية العراقية والبنك المركزي العراقي وصندوق النقد الدولي ومستشاريه.  
2. خروج العراق من تحت طائلة الفصل السابع: 
في 6 أب سنة 1990 صدر قرار مجلس الأمن القاضي باعتبار العراق خطراً على السلم العالمي وأدرج ضمن مواد الفصل السابع في إطار حصار اقتصادي شامل، فتوقفت كل التعاملات وجمدت أرصدة العراق أينما كانت في مختلف دول العالم، وبدأت سياسات عالمية ودولية شاملة بفرض عقوبات على كل التعاملات المالية والاقتصادية والتجارية والاتصالاتية والمعلوماتية والعلمية، واستمر العراق على هذا المسار لغاية 2013 فكانت 23 سنة بالتمام والكمال، وقد فهم ظاهر المشكلة الكثير، ولم يدرك عمقها إلا القليل، وربما تكون سنوات ما بعد 1996 -حيث مذكرة التفاهم التي أطلقوا عليها النفط مقابل الغذاء والدواء- قد لبت جوانب إنسانية معينة، وقد تكون سنة 2003 وسقوط النظام العراقي السابق وبداية عهد الاحتلال وتأسيس نظام الحكم الحالي قد فهمت بأنها تغيرات كبيرة على المستوى السياسي والعسكري، وربما الاقتصادي بوجهه النقدي، وربما زيادة أسعار النفط من 20 دولارًا في 2002 إلى 140 دولارًا في سنة 2007 كان لها تأثير كبير على فهم العامة بأن الأمر في الحصار لا يعدو أن يكون توقف الصادرات النفطية، وعودتها بضمان الصندوق الذي أسس لهذا الغرض وهو تجميع الإيرادات النفطية بحماية الولايات المتحدة خوفاً من الأحكام القضائية التي استغلتها معظم دول العالم وبمختلف المؤسسات والأفراد والتي لها التزامات على العراق وكذلك الأرصدة النقدية المجمدة في عدد غير قليل من الدول بما فيها من التزامات للعراق أو عليه لصالح تلك الدول إلا إن المشكلة قد تعدت ذلك بكثير. 
إن تطبيق قرارات الأمم المتحدة ووضع العراق تحت طائلة الفصل السابع بكل مواده التي تشمل العديد من الجوانب، ومنها تشكيل التحالفات ضد العراق بوصفه يشكل تهديدا للسلم العالمي وقطع العلاقات الاقتصادية، من بينها وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات وقفا جزئياً أو كليا وقطع العلاقات الدبلوماسية وغيرها من الجوانب، إلا أن ما ينبغي التركيز عليه يتمثل في الجوانب الاقتصادية والمالية والنقدية والتي سببها القرار بتعطيل منظومة المدفوعات العراقية مع العالم الخارجي والتي على إثرها انعزل العراق عن المنظومة الدولية للمدفوعات، مما عطّل التجارة الخارجية والمالية والدولية والاستثمار الدولي، وعطّل الأنشطة التي تندرج تحت هذه النشاطات، فبات العراق طيلة المدة 1990 ولغاية 2017 يعمل بمعزل عن العالم، وكان من سماتها تنامي منظومة غير دولية غير رسمية وغير قانونية لبيع العراق جزء من نفطه عبر عمليات التهريب بسلسلة من أطراف أشبه بالشبكات يقودها أفراد لتوفير المواد ولاسيما الغذائية، والبدء بتأسيس المصارف الخاصة داخل العراق وعبر أغطية شتى عائلية وشركات مساهمة داخلية، وقد ساهمت في بناء منظومات غير رسمية مع عدد من المصارف العربية، وتزايد التعامل بالنقد وبدء العراق الطبع النقدي للعملة ( الدينار العراقي ) والانخفاض المستمر بقيمته .
الاقتصاد العراقي ما بعد 2003:
اتسمت تلك المرحلة بعدة سمات منها البدء بتأسيس المنظومة المالية والمصرفية وإعادة هيكلة المصرف المركزي، وقد شهد العراق محاولات لإدارة عمليات إدارة سعر صرف الدينار العراقي وصدور عدد من القوانين المنظمة للعمل المالي والمصرفي، فكان هناك نوع من الاستقرار النسبي بسعر صرف الدينار العراقي، ومحاولة مواجهة العراق لمشاكل كبيرة في تحويل الأموال ولكن الأهم كان كل هذا إيذانا بانتشار الفساد المالي وبروز ظاهرة هيمنت وعطلت التطور والتقدم في ظل إيرادات نفطية عالية وتطور كبير في حجم الموازنات العراقية للسنوات 2008 – 2013. 
يعد خروج العراق من تحت طائلة الفصل السابع أمراً غاية في الأهمية، ويلقي هذا الوضع التزامات كبيرة على العراق، ولهذا فإن العراق أمام تحديات كبيرة، عليه مواجهتها منها الداخلية وأخرى خارجية، والآن وقد خرج العراق من تحت هذا الفصل الجائر فإن هذا يعني عودته للمنظومة الدولية، وهنا لا يعني الأمر السياسي بشيء فهذا يمكن أن يتناوله السياسيون بالدراسة والبحث ولكن ما يهم أساساً كيفية بناء نظام المدفوعات العراقي. 
لقد استمر توقف منظومة المدفوعات العراقية لأكثر من 27  سنة فلم يعد ذلك النظام قائماً، ومن خلال فهم النظام بوصفه مؤسسات الدفع وهياكلها لم تؤهلها لتفعيل عمليات المدفوعات ولم تتوفر الأدوات ولا شبكة الاتصالات والمعلومات، والأهم من ذلك استطاعت الشبكات غير النظامية وغير الرسمية أن تبني هياكلها غير الرسمية طيلة عقدين ونصف من الزمن واستمرت بشكل أو بآخر ما بعد 2003، وتطورت عبر السنين الأخيرة لتضع العراق في أعلى قائمة الدول الفاسدة من خلال التعاقدات من الباطن والتهريب وتشكيل شبكات وسلاسل من الشركات الوهمية وغير الوهمية في الداخل والخارج ولتضع لها سياقات معقدة من العمل لا يمكن تفكيكها بسهولة ضمن مسميات وأشكال قانونية وغير قانونية وهذا ما سنتناوله فيما بعد. 
تنامي احتمالات التعرض للأخطار الأمنية والمالية والاقتصادية: 
بعد سقوط النظام في 2003 ونهب المصارف واحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية؛ استمر النظام المصرفي في العراق متوقفا لأشهر معدودة والمتمثل بالمصارف التجارية والمتخصصة والاستثمارية والبنك المركزي والشركات الوسيطة وسوق العراق للأوراق المالية، وقد بدأت قوة الاحتلال بإعادة فتح البنك المركزي ومحاولة معالجة عدد من المشاكل التي كان يعاني منها الناس بسبب توقف العمل المالي والمصرفي، وكان سعر العملة الدينار متذبذب تجاه العملات الأخرى ، وفي 19 أيلول 2003  صدر قانون المصارف من قبل الحاكم المدني الأمريكي  وقد أعقب ذلك صدور قانون البنك المركزي وبالتحديد في 6 آذار 2004 وأيضا من قبل الحاكم المدني للعراق  وكذلك صدر قانون المصارف الإسلامية، ومنذ تلك الإصدارات لم يصدر أي قانون يخص البنك المركزي والمصارف العراقية من قبل السلطة التشريعية العراقية وقد تكون هذه بمثابة النقطة الأساسية التي يمكن أن يحاكم عليها النظام فلا زال يعمل في إطار قوانين وضعها المحتل وهي قوانين تعاني من مشاكل كثيرة، والأهم من هذا لا يمكن أن يطلق عليها قوانين.
أشار صندوق النقد الدولي في سنة 2013 بأن أخطارا عالية وآثارا كبيرة غير مباشرة ستطال العراق ضمن المنظور متوسط الأجل، وضمّن ذلك بتنفيذ غير فعّال للسياسات الاقتصادية وتدهور الحالتين الأمنية والسياسية، وتدني في أسعار النفط أكبر من المتوقع وتأخير في تطوير القطاع النفطي والطاقات التصديرية، وقد انعكس الخطر بالإيرادات النفطية  فشوّه الوضع المالي في العراق، وخلق ضغطا على الاحتياطيات التي احتفظ بها البنك المركزي لدعم الاقتصاد، والتخفيف من الآثار السلبية المتوقعة والتقليل من اعتماد الاقتصاد على النفط، ومحاولة تعزيز المؤسسات المالية وتفعيل السياسة النقدية والتقليل من الاعتماد على السياسة المالية ومحاولة بناء مصدّات للاقتصاد العراقي من أجل تقليل الأخطار والعمل على تحقيق الأهداف  . 
وقد شخص تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في 2015 صدمتان كبيرتان قادتا العراق لوضع لم يسبق له مثيل في تاريخه الحديث والمعاصر، أما الصدمة الأولى فداخلية تمثلت بما حدث في  العاشر من حزيران سنة 2014 وسقوط الموصل واحتلال ثلث العراق من قبل القوى الإرهابية، والصدمة الثانية هي الصدمة الخارجية وتمثلت بانهيار أسعار النفط واستمرار انخفاضها، علما بأنّ مثل هذا التزامن قلّ أن يحصل في العالم وقد عرض تقرير صندوق النقد الدولي هاتين الصدمتين الداخلية والخارجية وكيف انعكستا على الناتج المحلي الإجمالي وقادتا لأزمة مالية واقتصادية .


الفصل الثاني
مؤشرات أداء الاقتصاد العراقي واتجاهاتها بعد 2003( التحديات )
المبحث الأول
الناتج المحلي الإجمالي واتجاهاته

يعمل الاقتصاد الكلي بعدد كبير من المتغيرات ويسعى من خلالها إلى تحقيق الأهداف الاقتصادية من نمو اقتصادي وتشغيل كامل واستقرار اقتصادي والحد من التضخم وغيرها من الأهداف، ويتم هذا من خلال سياسات اقتصادية كلية نقدية ومالية، وقد تناول الاقتصاد العراقي عدد كبير من الباحثين منذ أربعينات القرن الماضي وكان التركيز على الناتج المحلي الإجمالي بوصفه المؤشر الأهم، فقد قدر الناتج المحلي الإجمالي للعراق بين سنة 1950 وسنة 2000 على أساس الأسعار الثابتة لسعر الدولار سنة 1980، وقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي للعراق سنة 1980  53,9 مليار دولار، وانخفض بعدها ليصل إلى 26,9 مليار دولار في سنة 1989، واستمر بالانخفاض ليصل 6,5 مليار دولار سنة 1994، إلا أن دخول العراق في مرحلة النفط مقابل الغذاء والدواء وتطبيقها منذ بداية سنة 1996 بدأ هناك تطور مشهود بالناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى 46 مليار دولار نهاية عقد التسعينات على الرغم من أن التضخم كان مرتفعا ارتفاعا كبيرا .
وذهبت دراسات أخرى إلى تقدير الناتج المحلي الإجمالي للعراق بأنه بلغ 10,8 مليار دولار في سنة 1996، ارتفع بعدها بسبب صدور مذكرة التفاهم الخاصة بالغذاء والدواء إلى 31,8 مليار دولار وبالسعر الجاري في سنة 2000، لينخفض إلى 26,1 مليار دولار في سنة 2002، وقدره آخرون بما يساوي 9,2  مليار دولار  في سنة 1996 ارتفع إلى 14,8 مليار دولار سنة 2002  وعلى الرغم من كل تلك التقديرات في ظل غياب للبيانات والمعلومات الرسمية التي كان يجب أن تصدرها المنظومات الحكومية الرسمية المعنية بالأمر تبقى كل تلك التقديرات عرضة لهامش كبير من الخطأ وعدم الدقة في التقدير والقياس . 
أشر الجدول1 المتوسط والانحراف المعياري لثلاث سلاسل زمنية تخص الناتج المحلي الإجمالي ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ونسبة النمو السنوي الحقيقي، وتم اعتماد السلسلة الزمنية من سنة 2004 ولغاية 2020 ، وقد تضمنت المدة بيانات حقيقية فعلية للسنوات 2004 ولغاية 2015 فيما ضمّت السلسلة البيانات من 2016 ولغاية 2020 لبيانات متنبأ بها عبر منشورات صندوق النقد الدولي، علما بأن كل التنبؤات التي طرحها صندوق النقد الدولي بدءً من سنة 2013 ولغاية سنة 2016 كانت بعيدة عن الدقة كونها مستندة إلى تنبؤات غير دقيقة لسعر النفط والذي تراوح بين 50 - 60 دولار للبرميل الواحد فيما سجل النفط أدنى سعر منذ أكثر من 12 سنة فقد تراوح ما بين 20 و30 دولار للبرميل الواحد، ومن هنا يمكن القول بأن التقديرات منذ سنة 2015 لم تتسم بالدقة المطلوبة مما قاد الحكومة العراقية للمزيد من الحرج تجاه استحقاقاتها، وقد أظهر الجدول تلك المؤشرات وتغيراتها خلال المدة 2004 - 2020  . 
الجدول 1
الناتج المحلي الإجمالي ونصيب الفرد منه ونموه السنوي والتوصيفات الإحصائية

السنة

الناتج المحلي الإجمالي

مليار دولار

نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي دولار

نسبة النمو السنوي في الناتج المحلي الإجمالي

2004

36,6

1391

48

2005

50,1

1849

2,8

2006

65,1

2350

6,2

2007

88,8

2125

1,5

3008

131,6

4513

9,8

2009

111,7

3725

7,7

2010

135,5

4487

5,9

2011

180,5

5839

8,6

2012

212

6650

2,7

2013

232,5

6882

0,1

2014

223

6420

-1,8

2015

172,4

4900

-24,1

2016

172,2

4940

-5,3

2017

207

5602

8,4

2018

231

6086

4

2019

254

6528

2,7

2020

276

6922

1,6

المتوسط

163,7

4777

4,7

الانحراف المعياري

73,8

1872,3

13,6

التباين

5449,7

3505711,8

185,4

الالتواء

-0,335

-0,631

1,56

التفلطح

-1,052

-0,954

7,45


المصدر :  منشورات صندوق النقد الدولي : 3016 ، 2015، 2013 ، 2008 . 
يتخذ الناتج المحلي الإجمالي وكذلك نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي سلوكا متشابها خلال المدة 2005 - 2016 ولاسيما ما حصل في سنة 2014 و2015 واستمر لغاية 2016، إلا أن ما يؤشر على التباين الكبير في البيانات ومنها الناتج المحلي الإجمالي ناهيك عن ما تبناه صندوق النقد الدولي من تنبؤات ثبت عدم دقتها، ومنها تنبؤات السنوات 3016 - 2020 التي استندت على توقعات لأسعار النفط بأنها ستكون بحدود 50 -60  دولارًا فيما يلاحظ انخفاض الأسعار لتصل 30 دولار لا بل فقد انخفضت أكثر في الشهرين الأول من سنة 2016 وقد تراوحت عموما ما بين 20 - 30 دولار مما يؤشر عدم دقة التنبؤات التي قام بها الصندوق وانسحبت على الإيرادات والنفقات والناتج المحلي الإجمالي وغيرها من البيانات . 

نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي للمدة من 2004 - 2020 
أشر نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي نموا مطردا للسنوات 2004 ولغاية 2013 ليصل إلى 6882 دولار في سنة 2013 ثم انخفض بعدها ووصل حده الأدنى في سنة 2015 و سنة 2016 ويتوقع ارتفاعه ارتفاعا بطيئا خلال السنوات القادمة لغاية 2020 . 
نسبة النمو في الناتج المحلي الإجمالي للفترة 2004 -2020
أشرت نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي تذبذبا طيلة المدة 2004 - 2020 وباستثناء المدة 2016 إلى 2020 التي يتوقع لها تراجعا كبيرا مما يؤشر أزمة في الاقتصاد العراقي علماً بأن التغيّر في النسبة قد تجاوز 10% في السنوات 2014 و 2015 و2016 وهذا يظهر وبوضوح مكمن الخطر الذي سبق تأشيره.   
ثلاثة مؤشرات للصدمة المالية والاقتصادية في العراق: 
اعتمدت ثلاثة مؤشرات هي: الناتج المحلي الإجمالي ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ونسبة النمو السنوي الحقيقي في الناتج المحلي الإجمالي، باستبعاد السنوات 2016 - 2020 وتم توصيف الظاهرة وفق عدد من المؤشرات التوصيفية وقد أشر الجدول2 حجم التذبذب الكبير في المتغيرات الثلاثة، وكذلك يؤشر الجدول 2 الانحراف المعياري للمؤشرات والذي يمثل خطرا اقتصاديا كبيرا يواجه العراق، بعبارة أخرى إن خطراً  اقتصاديا كان متوقعا لم تتحسب له الحكومة فوقعت في أزمة مالية.
الجدول  2
الناتج المحلي الإجمالي ونصيب الفرد منه ونسبة النمو للمدة  2004 - 2015
وبعض الإحصاءات 

السنة

الناتج المحلي الاجمالي ( مليار دولار )

نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ( دولار)

نسبة النمو الاقتصادي

2004

37

1391

48

2005

50

1849

3

2006

65

2350

6

2007

89

2125

2

2008

131

4513

10

2009

111

3725

8

2010

135

4487

6

2011

180

5839

9

2012

212

6650

3

2013

232

6882

1

2014

223

6420

  - 2

2015

172

4900

- 24

المتوسط

139,6

4313

4,9

الانحراف المعياري

66,1

1898,1

15,6

التباين

4373,7

3602772

245,4

الالتواء

-  0,159

-  0,217

1,389

التفلطح

-  1,27

 - 1,309

5,599

المصدر : IMF 2013 , 2014, 2015 , 2016 

واستعراض بسيط للمتغيرات الأساسية للاقتصاد الكلي للعراق ومنها سعر الفائدة يلاحظ استقرارها خلال السنوات 2004 - 2016 وإن بعض التغيرات الطفيفة تعد غير مؤثرة في الاقتصاد؛ أما سعر الصرف فقد تبنى البنك المركزي سياسة لإدارة سعر الصرف للدينار العراقي تجاه العملات الأجنبية ولاسيما الدولار باعتماد المزاد العلني لبيع العملة، والاحتفاظ بهامش بسيط للمناورة أما حجم الادخار والاستثمار والاستهلاك وكذلك النفقات والإيرادات فتظهر تشخيصا دقيقا للأزمة.

المبحث الثاني
مؤشرات ميزان المدفوعات في العراق

مراجعة بسيطة لميزان المدفوعات بحسابيه الجاري ورأس المال يلاحظ بأن الجانب الأول وهو الأهم في العراق حيث الميزان التجاري ( الاستيراد والتصدير ) أما حساب رأس المال فلم يلحظ تدفقات رأسمالية داخلة وخارجة لذا سيتم التركيز على الميزان التجاري بشقيه التصدير والاستيراد؛ علما بأن الميزان لم يسجل أية صادرات تذكر خلال السنوات 2004 ولغاية 2016، وقد خلت التقارير المحلية والدولية من هيكلة الصادرات العراقية بسبب غيابها وعدم توفرها، وما يذكر من صادرات ينحصر بالنفط وبعض الأشياء الطفيفة التي لا تذكر، أما تطبيق مؤشر هرفندل وهيرشمان على التصدير فيبدو أنه في ظل غياب أية صادرات ضمن هيكل الصادرات العراقية وهيمنة النفط بوصفه السلعة الرئيسية المصدرة فالنتيجة التي يمكن الخروج منها للمؤشر ستكون أقرب إلى الواحد الصحيح لتعني غياب التنويع بالكامل في الصادرات  وهذا ما أظهره الجدول 3. 
الجدول 3
هيكل الصادرات العراقية للسنوات 2004 - 2020
( مليار دولار )

السنة

مجموع الصادرات

الصادرات النفطية

الصادرات غير النفطية

النسبة الصادرات غير النفطية / مجموع الصادرات

مؤشر HH

2004

17,7

17,3

0,4

0,02

0,96

2005

19

18,4

0,6

0,03

0,96

2006

27,2

26,6

0,6

0,02

0,96

2007

37,9

37,2

0,7

0,02

0,96

2008

62

61,1

0,9

0,01

0,98

2009

46,4

45,6

0,8

0,02

0,96

2010

51,4

51,2

0,8

0,01

0,98

2011

79,6

79,4

0,2

0,001

0,98

2012

94,1

93,8

0.3

0,003

0,99

2013

89,8

89,4

0,4

0,004

0,99

2014

84

83,5

0,4

0,004

0,99

2015

46,4

46,2

0,3

0,006

0,99

2016*

59,4

59,1

0,3

0,005

0.99

2017*

77,4

77,0

0,3

0,003

0,99

2018*

88,2

87,8

0,4

0,004

0,99

2019*

96

95,5

0,5

0,005

0,99

2020*

102,1

101,6

0,6

0,005

0,99

المصدر : 
International Monetary Fund, Country Report IRAQ, 2010 ,2015 , 2016.
* الأرقام للسنوات 2016 - 2020 تقديرات صندوق النقد الدولي بموجب تقارير 2015 و 2016. 
وقراءة ممعنة لميزان المدفوعات تظهر بوضوح هيمنة الصادرات النفطية على النشاط التصديري، فقد تجاوزت الصادرات النفطية 98% من مجموع الصادرات، وتراوحت باقي الصادرات بين 1% و2% من مجموع الصادرات مما يعني غياب شبه كامل لهذا النشاط، وبالمقابل تركز الاستيراد على السلع الاستهلاكية وغياب السلع الإنتاجية ومستلزمات الإنتاج، ويؤشر ذلك غياب الاستثمار المحلي والأجنبي المباشر في العراق فلم يؤشر تدفقا داخلا ولا رصيدا متراكما للاستثمار الأجنبي المباشر . 
إن الوقوف على حقيقة ميزان المدفوعات العراقي للمدة المذكورة يظهر أمرا بالغ الخطورة مضمونه الاعتماد كليَّا على الإيرادات النفطية، وإن النمو في الناتج المحلي الإجمالي المشار إليه يمثل نموا في الإيرادات النفطية، وتكمن وراء ذلك دلالات اقتصادية عميقة أهمها إن الاقتصاد العراقي بات دالة لسوق النفط، وهذا ما انعكس فعلا منذ منتصف 2014 حالما انخفضت أسعار النفط عندها دخل العراق في نفق الأزمة المالية.
إنّ غياب الموارد المالية لتمويل الاقتصاد بكل نشاطاته وفعالياته باستثناء النفط قاد لارتباط كل النشاطات والفعاليات الاقتصادية في العراق بسعر النفط، ولما كانت أسعار النفط دالة لمتغيرات سوقية وتذبذبات يومية، وقد تكون تغيرات سنوية أو دورات سوقية هذا يعني تذبذب الإيرادات وتقلبها في كل الآجال القصيرة والمتوسطة والطويلة مما يعني بأن العراق سيكون أمام حالتين: الحالة الأولى إيرادات متذبذبة والتزامات ومستحقات ثابتة فيقود لعجز في الموازنة والحالة الثانية  تراكم العجز ليقود لمشكلة سيولة تتمثل بعدم قدرة العراق على سداد التزاماته ومستحقاته يوما بيوم وشهر بشهر وسنة بسنة، وقد تبين ضعف العلاقة بين الناتج المحلي الإجمالي ونسب النمو الاقتصادي وسعر النفط وإن الزيادة المضطردة كانت تقف وراءها تزايد الكميات من الإنتاج بالإضافة لتزايد سعر النفط . 
وأما غياب إستراتيجية التنويع الاقتصادي سواء في الإنتاج أو التجارة الخارجية وغياب الاستثمار الأجنبي المباشر يقف وراءها العديد من الأسباب السياسية والأمنية والاقتصادية والتي عجزت الحكومة عن معالجتها، وأما الاستيراد فقد أشرت بيانات ميزان المدفوعات وضع الميزان التجاري من صادرات واستيرادات ووضع الميزان الخارجي والذي يؤشر وضعا سالبا ( الجدول 4 ) 
الجدول 4
بعض مؤشرات ميزان المدفوعات 2013 – 2021

السنة

الميزان التجاري

الصادرات

الاستيراد

الميزان الخارجي

2013

9,9

38,3

-28,4

-1,3

2014

11,2

40,6

- 29,4

-10,3

2015

0,1

31,1

-31,5

-7,1

2016

-0,3

30,4

-29,0

-3,5

2017

-0,8

32,8

-30,5

- 2,3

2018

1,3

32,6

-28,8

-3,3

2019

2,2

29,7

-27,3

-0,3

2020

2,8

28,9

-25,9

-0,1

2021

3,2

28

-24,8

0,9

المصدر : تقارير صندوق النقد الدولي 2013 و 2015 و 2016 . 
وأظهر الجدول 5 هيكل الاستيراد في العراق للمدة 2010 - 2018 الفعلية والمتوقعة وتوزيعه ما بين الاستيراد الحكومي واستيراد القطاع الخاص وكيف هيمنت استيرادات القطاع الخاص على استيرادات الحكومة . ( الجدول 5)  
الجدول 5
الاستيراد الحكومي والخاص في العراق ( مليارات الدولارات ) 

السنة

الاستيراد

الحكومي

القطاع الخاص

2010

-42,4

 - 14,7

-27,8

2011

-45,7 

  -16,1    

 - 29,6

2012

-62,8

  -23,3

-39,3

2013

 -  72,6

  -30,3

-72,6

2014

-79,1

  -31,7

-79,1

2015

-86,6

  -36,6

-86,6

2016

-94,2

  -39,0

-94,2

2017

-104,5

  -41,0

 - 104,5

2018

-113,2

  -44,9

-113,2

المصدر : تقارير صندوق النقد الدولي 2013 و 2015 و 2016 .
أما عن هيكل الصادرات فيوضحه الجدول 6 وأنه يتكون من الصادات النفطية والصادرات غير النفطية والتي لا تشكل إلا مبلغا صغيرا لا يكاد يذكر مما يؤشر بأن الصادرات تتمثل بتصدير النفط الخام وكيف تطورت خلال المدة 2004 - 2018.  ( الجدول 6  )
الجدول 6
الصادرات العراقية 2010 - 2018  بمليارات الدولارات

السنة

التصدير

نفط خام

صادرات أخرى

2004

17,7

17,3

0,4

2005

19

18,4

0,6

2006

27,2

26,6

0,6

2007

37,9

37,2

0,7

2008

62

61,1

0,9

2009

46,4

45,6

0,8

2010

51,4

51,2

0,2

2011

79,6

79,4

0,2

2012

94,1

93,8

0,8

2013

101,6

101,1

0,5

2014

109,1

108,8

0,5

2015

118,1

117,5

0,6

2016

127,6

127,0

0,6

2017

139,9

139,2

0,7

2018

152,6

151,7

0,9

المصدر : تقارير البنك المركزي العراقي و IMF, 2016 . 

المبحث الثالث
الموازنة العامة للحكومة والتغيرات في أسعار النفط

قراءة للموازنة العراقية بإيراداتها ونفقاتها تظهر جانبين مهمين: الأول بأن الإيرادات النفطية تحتل النسبة الأكبر من إجمالي إيرادات الموازنة والثاني إن الرواتب والأجور التي يطلق عليها بنفقات الأفراد العاملين في الموازنة تشكل النسبة الأكبر والأهم في بند النفقات فيها، ولمناقشة هذين الأمرين لا بد من الدخول في هيكل الإيرادات وهيكل النفقات للموازنة العامة للحكومة وكما في الجدول 7     . 

الجدول 7
الإيرادات والنفقات في العراق 

السنة

الإيرادات

( مليار دولار )

النفقات

( مليار دولار )

الفائض / العجز (مليار دولار )

2004

29,8

45,2

- 15,4

2005

40,4

26,6

 - 13,8

2006

58,3

50,3

8

2007

54,9

31,7

23,2

2008

80,6

56

24,6

2009

55,1

54,6

0,5

2010

73,6

80,3

-6,8

2011

104,6

94,3

10,3

2012

119,4

109

10,4

2013

115,4

131,2

-15,8

2014

104,4

119

-14,6

2015

61,6

90,7

-29,1

2016

81,7

103,1

-21,4

2017

104,6

113,7

-9,1

2018

119

113,8

5,2

2019

129,9

119,6

10,3

2020

138,9

125,3

13,7

International Monetary Fund, Country Report IRAQ,  2013 ,2015, 2016.

بعض مؤشرات الموازنة العامة للحكومة العراقية:  
1. المؤشرات المالية:  
ويظهر الجدول 7 الإيرادات والنفقات لسنة 2015 ولغاية سنة 2020 في الموازنة العراقية وحجم العجز المتوقع، ويظهر الجدول أيضاً تفاقم المشكلة في سنة 2015 والتي شكلت انعكاسا لما يمر به العراق من تداعيات أعقبت سقوط الموصل، ومن ثم تداعيات انخفاض أسعار النفط وتأثيرها المباشر على الإيرادات والنفقات فشكل عجزا في الموازنة بلغ ما يقرب من 35 تريليون دينار عراقي، وقد تحركت الحكومة لمعالجة آثار هاتين الصدمتين من خلال تقليص النفقات ومحاولة الحصول على مزيد من الإيرادات . 
ويظهر الجدول 8 هيكل النفقات المتوقعة للحكومة العراقية، التي توزعت ما بين النفقات الجارية إذ تشكل الرواتب نسبة 46% منها في سنة 2014 و44% في سنة 2015،  وشكلت الرواتب التقاعدية 12.2 % في سنة 2014 ونسبة 11.7% في سنة 2015، وأظهرت النفقات الاستثمارية تباطؤا في نموها للسنوات 2014 و 2015 ، وتوزعت بقية النفقات أيضا على السلع والخدمات بوصفهما فصلين من فصول الموازنة العامة للحكومة العراقية. 

الجدول  8
مؤشر هيكل  النفقات في العراق ( مليار دولار)

المصدر 
International Monetary Fund, Country Report IRAQ,2015.

يتبين مما سبق إن المشكلة تكمن في النقد وإدارة النقد نتيجة العجز في الموازنة، ولما كان العمل في الموازنة قائمًا على التدفقات النقدية الداخلة والخارجة، أي بعبارة أخرى إدارة العملة في التداول أي النقد المحلي أكثر منها مشكلة في المتاح من النقد الأجنبي، فإن ما تواجهه الحكومة اليوم يتمثل بعدم قدرتها على سداد الالتزامات بسبب قلة النقد المتاح، وفي ظل توفر النقد الأجنبي (الدولار) يمكن للحكومة أن تبيع المزيد من الدولارات للحصول على النقد لسداد التزاماتها، وهذا غير متاح، مما يعني بأنّ المشكلة التي تواجهها الحكومة تكمن في السيولة أي عدم قدرتها على سداد التزاماتها ويقف وراء ذلك سببين هما: الأول يتمثل بمشكلة إدارة النقد داخل العراق، والثانية قلة المتاح من العملات الأجنبية بسبب انخفاض أسعار النفط وهو بدوره يقود لانخفاض الرصيد من العملات الأجنبية في البنك المركزي، ومن هذا المنطلق كانت المعالجات بهذين الاتجاهين. ويؤشر (الجدول 9) الانخفاض المستمر في الاحتياطيات الكلية من النقد الأجنبي في العراق الفعلية والمتوقعة وكيف بدت بالتناقص اعتبارا من سنة 2013 وما يتوقع لها في السنوات لغاية 2021 . 
الجدول 9
توقعات الاحتياطيات العراقية من النقد الأجنبي (مليار دولار )

المصدر 
IMF, IMF Country Report No. 16/379, p13.

لقد سعت الحكومة للحصول على المزيد من الإيرادات من الداخل، وتمثّل هذا في سعيها لزيادة التعرفة الخاصة بالكهرباء لتحقق 2.5 تريليون دينار خلال سنة 2015 ورشّدت الحكومة بعض نفقاتها لتحقق 9 تريليون دينار، وفشلت في الوقت نفسه في تطبيق نظام التعرفة الجمركية، وهو الأهم في سعيها، ومن هنا فقد خفّضت الحكومة الإنفاق ليصل ما نسبته 58% من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2015  وهي أقل بنسبة 4% عما كانت عليه في سنة 2014 فقد بلغت نسبة الإنفاق إلى الناتج المحلي الإجمالي بلغت 62%  في سنة 2014 ، وكل هذا لتصل إلى نسبة عجز في الموازنة تبلغ 17% من الناتج المحلي الإجمالي . 
ولقد كانت هناك جهودا ومحاولات للعمل على زيادة مصادر التمويل وأول تلك الجهود تمثلت بالاقتراض من المصارف الحكومية التي تلقى الدعم والمساندة من البنك المركزي، وذلك بخصم سندات قاربت نسبتها 9%من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2015، وركزت الحكومة باتجاهات أخرى منها سحب مبلغ 830 مليون دولار من حصة العراق من حقوق السحب الخاصة، وكذلك تخطط لإصدار سندات Eurobonds بمبلغ قدره 6 مليار دولار يصدر منها على الأقل مليارين سنة 2015  ، وقد ساهم البنك الدولي بما قيمته 350 مليون دولار بصيغة قرض طارئ ضمن صفقة قروض تتراوح بين مليار – مليار ونصف دولار، وعلى الرغم من كل ذلك فان كل هذا التمويل لا يعد كافيا لمواجهة الحاجة المالية للحكومة، وستبقى فجوة مقدارها 7% من حجم الناتج المحلي الإجمالي، ومن هنا تسعى الحكومة لإصدار سندات وطنية، وإن ما تؤاخذ عليه الحكومة فشلها في خفض النفقات الجارية للموازنة، وفشلها في تطبيق نظم التعرفة التجارية وكذلك فشلها في جمع ما لها من مستحقات، أبسطها فواتير الكهرباء والخدمات العامة التي تعد ديونا أولية، ولكن تبقى المسألة سياسية دون النظر للجانب الاقتصادي، ومن هنا تكون يد الحكومة مغلولة في الاستفادة من مستحقاتها ومنافعها العامة بسبب فشلها في تطوير برامجها من الخدمات العامة .    
 مؤشرات الأداء والحقوق : 
بعد استعراض شامل للموازنات العامة للحكومة العراقية للسنوات 2006 ولغاية 2016 يمكن الوقوف على بعض النقاط المهمة التي شكلت خللا كبيرا في الاقتصاد العراقي واليوم يدفع الناس الثمن الكبير نتيجة الوقوع بتلك الأخطاء غير المحسوبة وغير المقدرة ومنها : 
1. لقد كانت الموازنات المتاحة والموثقة للسنوات 2006 ولغاية 2016 باستثناء سنة 2014 حيث لم يصادق البرلمان، والتي نفذت بشكل غير قانوني قد اعتمدت بشكل أساسي على إيرادات النفط فكانت نسبة الإيرادات النفطية تقرب من 90% من هيكل إجمالي الإيرادات  وكانت أسعار النفط في ارتفاع مطرد مما قاد لنمو إجمالي الإيرادات نموا كبيرا خلال السنوات 2006 ولغاية 2013 لمعدل يصل إلى 10% سنويا. 
2. أما بند النفقات فقد أشر نموا كبيرا ومطردا على مستوى التقدير في الموازنة لمعدل نمو سنوي يقرب من 10% سنويا للمدة نفسها، والملاحظ يتمثل بالفجوة بين النفقات التقديرية والفعلية فكانت النفقات التقديرية أكبر من الفعلية لاسيما بعد سنة 2010 ولغاية 2014 , 
3. لقد أظهرت الموازنة بنفقاتها وإيراداتها التقديرية عجزا طيلة المدة 2006 ولغاية 2016 كما أظهر ذلك الجدول 10 وكذلك مقارنة الإيرادات الفعلية بالنفقات الفعلية والفوائض التي سجلتها لغاية سنة 2012 وكيف تحول الفائض ليكون عجزا للسنوات 2013 ولغاية 2015 مما يؤشر خللا كبيرا في إعداد الموازنة وخللاً في تنفيذها.  الجدول 10

الجدول 10
الإيرادات التقديرية والفعلية والنفقات التقديرية والفعلية والعجز والفائض في العراق للسنوات 2006 – 2016


المصدر : الموازنات العراقية للسنوات 2006 - 2016 
IMF, 2013, 2016.
أما تقييم الموازنة العامة للحكومة العراقية للسنوات 2006 ولغاية 2016 فهذا يمكن أن يحلل ضمن منظور السياسة الاقتصادية ومن خلالها يمكن تقييم الوضع الاقتصادي والمالي في العراق، وببساطة يظهر الجدول 11 توزيع النفقات على القطاعات المختلفة مما يؤشر توجهات الحكومة .
الجدول 11
توزيع نفقات الموازنة العامة للحكومة على القطاعات
( مليار دولار )

المصدر : الموازنة العامة للحكومة العراقية للسنوات 2011 - 2013 

تقويم بعض مفاهيم الموازنة العراقية:
الخلل في المفاهيم ومنها مفهوم المنافع الاجتماعية، فمثلا ورد في موازنة سنة 2008 وفي المادة 29 ما يلي : (يتم صرف المنافع الاجتماعية للرئاسات الثلاث ( مجلس النواب والوزراء والرئاسة ) حسب الضوابط التالية ويذكر تفاصيل المكافئات والعلاج والجهات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني ..) وهنا وقع مشرع الموازنة بخلل كبير مضمونه يقع في المقصود بالمنفعة الاجتماعية Social Benefit   قصد منها ( المشرع ) المكافئات التي تصرفها الرئاسات  الثلاثة لموظفيها ولعلاجها، وهو أمر يقع خارج سياق العمل الإداري الحكومي، وكذلك سمح المشرع للرئاسات الثلاث تأسيس ودعم منظمات مجتمع مدني تعمل لصالح هؤلاء الرؤساء، وهو أمر يخالف القانون؛ لأن تلك المنح ستوجه تلك المنظمات للعمل لصالح الرئاسات الثلاث وهو أمر يتنافى مع أبسط القيم والمبادئ القانونية حيث توجه الأموال العامة للصالح الخاص، وهذا الفساد بعينه، علما بأن كل ما ورد يعد أمرًا مشرّعًا من البرلمان وهو أعلى جهة تشريعية في العراق، إضافة لذلك يلزم المشرع وبالمادتين 32 و 33 من قانون موازنة سنة 2008 بتنفيذ وتسهيل العمل بهذا القانون وهذا يعني تشريع للفساد وتضليل قانوني لمفهوم المنفعة الاجتماعية، وقد استدرك المشرع لذلك وألغى المنافع الاجتماعية للرئاسات الثلاث بقانون موازنة 2011 في المادة 22  .   
وبعد حصر التخصيصات الرئاسية للرئاسات الثلاث تبين بأنها تشكل ما نسبته 4 - 5 % من نفقات الموازنة العامة التقديرية والفعلية للسنوات 2011ولغاية 2013  وهذا يعني بأن معدل ما قيمته 5 مليار دولار مخصص للرئاسات الثلاث، وبالمقابل لم تتضح صورة تلك التخصيصات وتوزيعاتها وعدد المستفيدين منها وهو أمر بالغ الخطورة في توزيع الدخل حيث فئة قليلة من العراقيين تستحوذ على نسبة عالية من إيراداتهم، كونهم في الرئاسات الثلاث وبوصفه أمراً تميز به العراق عن كل دول العالم بسبب غياب الهيكلية الإدارية والتنظيمية الواضحة للحكومة، علما بأن هناك تمييزا متعمدا عن باقي الوزارات والمؤسسات الحكومية في بنود الموازنة، والأهم من ذلك بأن هذه التخصيصات الرئاسية بدت أكبر من التخصيصات الزراعية والصناعية والتشييد والإسكان وهي قطاعات يعاني منها العراق، والتي لم يصل مجموعها إلى نسبة 5% من إجمالي نفقات الموازنة العامة للحكومة للسنوات 2011  ولغاية 2013  .    
الجدول 12
تخصيصات الرئاسات الثلاث في الموازنة العامة للحكومة العراقية لبعض السنوات بين 2006 - 2013 

المصدر : الموازنات العامة للعراق للسنوات 2008 - 2016

إن ما يؤشر على موازنات السنوات تلك 2011 - 2013 غياب الرؤية الاستراتيجية للموازنة الحكومية؛ إذ انعكس هذا من خلال التذبذب بالأرقام والتخصيصات، وقد احتل الأمن والدفاع نسبة عالية من التخصيصات، وكذلك قطاع الطاقة والتربية والتعليم فمثلا كانت تخصيصات قطاع الامن والدفاع للسنوات 2011 - 2013 تقرب من 51 تريليون دينار بما يعادل 42 مليار دولار وتخصيصات الطاقة بلغت للمدة نفسها 54 تريليون دينار ولما يعادل 47 مليار دينار أما التربية والتعليم فقد بلغت التخصيصات ما يقرب من 34 تريليون دينار أي: ما يعادل 30 مليار دولار  وبمقاربة بسيطة لنتائج تلك التخصيصات والانفاق يلحظ المرء التحديات كثيرة منها سقوط الموصل في 10 حزيران 2014 وتبعها ثلث العراق تحت سيطرة الإرهاب، وتدني إنتاج وتوزيع الطاقة الكهربائية لمستويات قياسية لم تبلغها من قبل، وتدني مستمر في مستويات التربية والتعليم على مستوى الأداء وعدد المدارس وانخفاض نوعية التعليم، وعدم توفر أبسط مستلزماتها فماذا يعني هذا ؟ وكيف يمكن تقييم عمل ونشاط الحكومة وهي لم تأخذ بالحسبان ابسط الأمور المستقبلية ولم تتحوط ولم تتوفر لديها ابجديات الإدارة الحكومية. 
الموازنة والتباين الكبير بين النفقات التشغيلية والنفقات الاستثمارية: 
إن الملاحظة الأخرى التي يمكن تسجيلها على الموازنات من 2006 ولغاية 2016 عدم الاهتمام بالجانب الاستثماري فكانت التخصيصات لا تشكل نسبة مهمة إلى جانب النفقات التشغيلية مما يؤشر بأن الحكومة كان جل اهتمامها ينصب على الجانب التشغيلي من دون التركيز على الاستثمار الذي يعد الحلقة الأساسية لأي اقتصاد لحين أن حلت السنوات 2014 وما تلاها لتدرك الحكومة عظم الخطأ الذي ارتكب بحق الموارد المالية والمادية للشعب العراقي ومستقبله . 
يبدو من الجدول  13  الخاص بالنفقات التشغيلية والاستثمارية في الموازنة أنها قد شكلت مبلغا ضخما وذلك بحدود 900 تريليون دينار باستثناء  سنة 2014 والتي لم تقر بقانون ومن هنا بلغت النفقات التشغيلية 625 تريليون اي بحدود 600 مليار دولار فيما كانت النفقات الاستثمارية 272 تريليون دينار فشكلت الاستثمارية ما نسبته 30% من مجموع النفقات والتشغيلية شكلت 70% من مجموع النفقات . الجدول 13
الجدول 13
النفقات التشغيلية والاستثمارية للموازنة العراقية للسنوات 2006 – 2016

المصدر : الموازنات العامة للحكومة العراقية للسنوات 2006 - 2016 

الموازنة لم تقر من البرلمان العراقي ولم تكتسب الشرعية القانونية. 

إن مناقشة موضوع الإنفاق وتأثيره في الاقتصاد يعد غاية في الأهمية في الأدبيات والنظريات الاقتصادية والسؤال لماذا لم يؤت أكله خلال السنوات العشر 2006 ولغاية 2016 في العراق؟  فأين ذهبت تلك الاستثمارات في مختلف القطاعات إن كانت قد أنفقت على مشاريع استثمارية؟  وأين عوائد تلك الاستثمارات الملموسة وغير الملموسة المباشرة وغير المباشرة؟ إذا أخذ بالاعتبار بأن لكل استثمار عائد، وإن الاستثمار يمثل توظيفات مالية من أجل تحقيق عوائد مستقبلية، لكل ذلك يتطلب البحث عن ما يقرب من 250 مليار دولار أنفقت على مشاريع استثمارية ولم يكن لها مردود أو عائد، قد يكون الأمر شاذاً وغريبا ولا يمكن نمذجة ظاهرة لم تعرف متغيراتها والذي يمكن معرفته بأن لتلك الإنفاقات الاستثمارية عوائدها إن كانت قد أنفقت فعلاً فهل أنفقت أم هناك أمر آخر؟
أما موضوع النفقات التشغيلية فتتركب من نفقات الأفراد العاملين من رواتب ومخصصات وما شاكل ذلك وتقع في الفصل الأول من الموازنة وهناك  المستلزمات الخدمية والسلعية والصيانة وقد شكلت هذه ما يقرب من 600 مليار دولار فهذه بمعظمها تنفق لتحقيق خدمات تقدم من قبل الموظفين والعمال في الحكومة العراقية وهي في الوقت نفسه مصدرا مهما من مصادر تحريك الطلب في الاقتصاد، فمعظم هذه المبالغ تنفق في السوق أو تدخر فما ينفق في السوق نسبة كبيرة جدا وذلك لأن هناك ما يدخر من قبل الشركات والأفراد لدى المؤسسات الادخارية وما شاكلها فأين هي تلك المدخرات وإذا سلمنا جدلا بأنها تتمثل بالودائع والمدخرات لدى القطاع المصرفي فهنا ينبغي العودة للقطاع المصرفي وبالتحديد الوقوف على حجم المدخرات فيه وبعكسه فإن تلك المدخرات قد ذهبت لتدخر في أسواق ومؤسسات خارج العراق وهو أمر يستدعي الوقوف على حجم التحويلات الخارجية وبعكسه فإنها قد خرجت عبر قنوات الاقتصاد المخفي . 
تأسيسا على ما سبق فإن الأمر يتطلب الوقوف على: ميزان المدفوعات وحجم الاستيراد وحجم المبيعات من الدولار تلك التي باعها البنك المركزي في مزاد العملة وهذا ما يبينه الجدول 14 والذي أظهرت بياناته مقارنة لحجم الاستيراد والإيرادات النفطية والمبيعات من الدولار للسنوات 2010 - 2015  وحالة التقارب بين مبيعات الدولار وحجم الاستيراد والذي ينطوي على مضامين منها بأن معظم الايرادات النفطية تذهب باتجاه الاستيراد. الجدول 14      
الجدول 14
حجم الاستيراد وإجمالي الإيرادات النفطية وحجم مبيعات البنك المركزي من الدولار
مليار دولار

إن قراءة دقيقة لتلك الأرقام تظهر حجم الخطر الكبير الذي كان متوقعا أمام الاقتصاد العراقي ورب قائل يقول لا يمكن أن تعكس هذه الأرقام تلك المخاطر فللاقتصاد قوانينه ونواميسه  وديناميكيته وبمكن الرد على ذلك بالقول لنعد للنسب التي غالبا ما يتعامل بها الاقتصاديون والتي يعرضها الجدول 15 وما تشكله مبيعات الدولار من قبل البنك المركزي من حجم الإيرادات النفطية.( الجدول 15) 
الجدول 15
نسبة الاستيراد ، الإيرادات النفطية والمبيعات من الدولار / الناتج المحلي الإجمالي

المصدر : تقارير البنك المركزي العراقي للسنوات 2009 - 2016 . 
لا يمكن تفسير ارتفاع نسبة الاستيراد أو التصدير إلى الناتج المحلي الإجمالي بمعيار الانفتاح والتحرر الاقتصادي ، فالميزان التجاري عندما يحتسب التصدير على أساس النفط وهو العنصر الأكبر والذي يصل إلى 98 % من حجم الصادرات وأن الاستيراد معظمه سلع استهلاكية وغذائية عندئذ تبطل مسألة التجارة وعلاقتها بالناتج المحلي الإجمالي ومسألة الانفتاح بل تصبح مسألة تعطل في الأنشطة الاقتصادية للدولة واعتمادها بشكل كامل على الاستيراد في تلبية متطلباتها وحتى الغذائية ومن هنا تتشكل دورة مفادها دخول الموارد النفطية للعراق وخروجها بالاستيراد وتصبح باقي الآليات الاقتصادية حبرا على ورق ومن دون تفعيل ولاسيما مسألة الاستثمار والادخار والمضاعف والتشغيل وغيرها .   
ظاهرة الفساد التحدي الأخطر على الاقتصاد العراقي:  
اتسم تاريخ العراق السياسي خلال العقود الستة الماضية بالعنف وعدم الاستقرار والتغيرات الراديكالية المتتابعة ولاسيما بعد الاحتلال سنة 2003، فقد برز العنف والاستقطابات العرقية والطائفية وعلى الرغم من الاتفاق على النظام الفدرالي الاتحادي الديمقراطي الدستوري إلا أن واقع الحال أظهر خلاف ذلك لاسيما عندما حصر رئيس الوزراء خيوط القوى المتعددة لبناء الدولة بيده، وبالتحديد الجيش والمخابرات والقوى الأمنية، وإذا كانت السنوات 2003 - 20011 حافلة بالعنف فقد كان المحتل بمثابة الهدف والوسيلة، وكان مدعاة مراقبة واتهام وما ان خرج المحتل إلا وتفرد رئيس الوزراء بالقرار وحصر كل الملفات تحت منظومته التي أطلق عليها مكتب رئيس الوزراء .  
لقد عمل الاحتلال في سنة 2003 على خلق بيئة مناسبة للفساد ووفر المزيد من الفرص للمفسدين مما فاق ما كان سائدا فيما قبل 2003 ( Foreign policy 2012)، كما وخلق فجوة كبيرة بين المؤسسة الرقابية والإنفاق مما سهل لتوسع في المنظومة غير النظامية في الاقتصاد وكان ارتفاع سعر النفط عاملا مساعدا في ظل تشتت المنظومة الرقابية، والاختراق من قبل رئاسة الوزراء للتشريعات والقوانين المالية وتكييف المصارف الأهلية لتكون أغطية للفساد وقنوات له  .  
إن فشل السياسات الاقتصادية الحكومية خلال السنوات 2003 -2014 انعكس في صدمتين هزتا الاقتصاد العراقي وقد تمثل هذا الفشل في غياب الاستثمار للموارد المالية والاقتصادية والبشرية والطبيعية التي ينعم بها العراق وكل ما حصل تمثل بتوظيف الموارد المالية عائدات النفط ضمن الموازنة العامة للحكومة ونفقات تشغيلية جارية ونفقات استثمارية حكومية وبنمط تقليدي وانعكس الفشل في عدد من المجالات التي وثقتها تقارير دولية ومحلية : 
1. فشلت الحكومة في إعادة هيكلة القطاعات الاقتصادية العام والمختلط والخاص بالشكل الذي يدعم الاقتصاد السلعي الإنتاجي، وبقيت المشاكل التي كان العراق يعاني منها منذ عقود من الزمن ومنها ثقل القطاع العام ومؤسساته التي بدت عبئا على الحكومة منذ ثمانينات القرن الماضي، وكذلك فشلت الحكومة في تنشيط القطاع المختلط وترصين دوره في الاقتصاد فيما أهملت القطاع الخاص وتنظيمه. 
2. فشلت الحكومة في تأسيس صناديق استثمارية سيادية لتوظيف الموارد المالية الفائضة في الوقت الذي كان يمثل فرصة للعراق بسبب الزيادات المضطردة بأسعار النفط طيلة المدة 2005 - 2014 فيما عجزت الحكومة عن التنظيم المحاسبي والرقابي وغابت التقارير التي تفصح عن الأداء المالي والحكومي في ظل التداخلات السياسية التي أضاعت هيبة المؤسسات المستقلة وعلى رأسها البنك المركزي العراقي. 
3. فشلت الحكومة في توثيق مواردها المالية والعقارية فيما فشلت في تطبيق قانوني التعرفة الكمركية والضرائب على الدخل والعقار والتركات وفشلت الحكومة العراقية من السيطرة على منافذها الحدودية والتي تربط العراق بدول الجوار العراقي والتي تمر منها معظم استيرادات العراق.
4. ركزت الحكومة على التوظيف الحكومي للموارد البشرية لفئات الشباب للحد الذي أثقل كاهل الموازنة العامة للحكومة في ظل غياب كامل لأي نشاط إنتاجي سلعي أو خدمي وأقتصر الأمر على مؤسسات الخدمة الحكومية والتي بدت مثقلة بالأعداد الكبيرة من الموظفين مع تردي كامل للخدمات الحكومية الأساسية في الوقت نفسه غابت الاستخدامات التكنولوجية ولاسيما في أساسيات الخدمة الحكومية وفي الوقت نفسه شاع الفساد والممارسات اللاقانونية . 

الفصل الثالث
السياسات الاقتصادية للعراق ( الخيارات ) وسيناريوهات المستقبل في العقدين القادمين من القرن 21
المبحث الأول
الأزمة المالية والكوارث الأمنية: تداعيات والتزامات مستقبلية

كانت الزيادات الكبيرة في الإيرادات النفطية مبعثا للتفاؤل والأمل للشعب العراقي بعد سنوات الحصار المؤلمة، ولكن سرعان ما تلاشت كل تلك الآمال وصدم المواطن بأزمة مالية ولم يلحظ المواطن أي تحسن في الخدمات العامة بل ازدادت سوءا، وتدنى مستوى المعيشة وارتفعت مستويات الفقر وخلقت تباينات كبيرة بين دخول الفئات الاجتماعية وتجاوزت تلك التباينات الأفراد لتصل إلى التباين بين المستويات المعيشية لمحافظات عن محافظات أخرى . 
أما الأداء المالي للحكومة العراقية فقد اتسم بالضعف ولاسيما في السنوات 2009- 2014، ولم يستطع العراق بناء منظومة مالية من خلال استغلال الارتفاع الكبير في أسعار النفط  طيلة ما يقرب من عقد ونصف من الزمن، علما بأنه حقق إيرادات كبيرة لم يذكر التاريخ سبقا لها؛ بل بالعكس اتجهت الحكومة للمزيد من الإنفاق لتقود بالنهاية إلى عجز نسبته 5,8% من الناتج المحلي الإجمالي بعد أن سجلت بعض السنوات فوائض خجولة بلغت 4% من الناتج المحلي الإجمالي، وكان هذا في سنة 2012 ، وتراكمت بالمقابل استحقاقات الشركات الأجنبية النفطية التي كانت الحكومة قد تعاقدت معها ضمن اتفاقات غير مفصح عنها مما قاد الحكومة لدفع 6,8 مليار دولار في النصف الاول من سنة 2015 لتك الشركات الأجنبية ودفع 2.3 تريليون دينار لمتعاقدين محليين وقد شكل هذا ما نسبته 1% من الناتج المحلي الإجمالي .
إن الضغوط المالية التي يشهدها العراق والتي بدت معالمها واضحة في سنة 2015 وضمن توقعات مستمرة بانخفاض في إيرادات النفط بسبب تدني أسعاره مع الأخذ في الحسبان محدودية الحكومة في تقليص الإنفاق الحكومي ومع تزايد حاجة الحكومة لمزيد من الإنفاق العسكري والأمني والحاجة الماسة للمساعدات الحكومية الإنسانية للمهاجرين والنازحين لذا ارتفع العجز الحكومي ليصل 17%  من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2015. أما نسبة الحساب الجاري إلى الناتج المحلي الإجمالي فقد استمر بالانخفاض لتصل نسبته 6.7 % في سنة 2012 ،وليبلغ  1.3% في سنة 2013 و - 2.8% في سنة 2014 وبلغت النسبة  - 8,6 % في سنة 2015 وستستمر  الحالة بالتدهور والانخفاض لغاية نهاية سنة 2017 وما بعدها.
وقد اشر صندوق النقد الدولي بان انخفاض أسعار النفط، وطبيعة الاقتصاد العراق التي يتسم بها وهي اعتماده كليا على الصادرات النفطية، وتزامنها مع اكبر مشكلة أمنية يواجهها العراق والمتمثلة بتعطيل ثلث العراق واحتلاله من قبل الإرهاب كل هذا قاد للمزيد من تلك الضغوط المالية، وخلفت أزمة مالية خانقة لم يؤشر شفاءه منها بالمنظور القريب، فما هي طبيعة تلك الضغوط وهل تمثل أزمة مالية فعلاً يمكن أن نطلق عليها أزمة سيولة مالية؟ وعلى الرغم من المعالجات التي انتهجتها الحكومة العراقية من خلال فرض الإجراءات وتقليل الإنفاق وزيادة الدين العام؛ إلا أنها لا زالت دون المستوى المطلوب بشهادة صندوق النقد الدولي، ويكمن السبب في الغالب الأعم ليس في الإجراءات وإنما في تطبيقها، فالحكومة ليست قادرة على تطبيق إجراءاتها وبرامجها لأسباب أمنية وسياسية تارة وهيكلية تخص بنيوية النظام السياسي والاقتصادي المعمول به في العراق تارة أخرى: ومن هنا بدت الأزمة المالية في العراق مركبة في هيكليتها وأخلاقية في سماتها في ظل غياب كامل للإفصاح، وتدني الموثوقية الخارجية قبل الداخلية اخذين في الحسبان بان إدارة الأزمة المالية تتم بالتعاون مع صندوق النقد الدولي واستشاراته  . 
الاقتصاد العراقي بعد 2003:
يمكن حصر سمات معينة للاقتصاد العراقي بعد سنة 2003 وكما يلي:
أولاً: لم يسجل في العراق منذ سنة 2004 ولغاية 2017 تبني سياسة اقتصادية معينة واضحة الهدف ومحددة المسارات فعلى مستوى السياسة النقدية : 
إذا كان الصندوق قد أشر خطرا أمنيا في سنة 2013 فإن ما شهدته سنة 2014 بسقوط الموصل بيد الإرهاب، وتمدد الإرهاب ليحتل ثلث العراق وسقوط ستة محافظات وخروجها عن سيطرة الحكومة يؤشر وقوع الخطر ( الحادثة ) ذاك الذي تحدث عنه الصندوق ووصفه بالخطر العالي، وقد كان لهذا السقوط تداعيات كبيرة على القطاع المالي منها: 
1.سقوط أحد فروع البنك المركزي العراقي للمنطقة الشمالية بيد الإرهاب بكل موجوداته التي لم يحدد حجمها وقد قدرت بمليار دولار، وكذلك سقوط 78 فرعا مصرفيا في تلك المحافظات منها الحكومية التابعة لمصرفي الرافدين والرشيد ومنها فروع المصارف الصناعي والزراعي والعقاري وكذلك عدد كبير من فروع المصارف الأهلية الخاصة، وقد قدّرت الأموال التي سيطر عليها الإرهاب بخمسة مليارات دولار أو يزيد والأهم من ذلك فقد بات سكان المناطق ما بين مهجّرين ونازحين أو من هم تحت سيطرة الإرهاب خارج نطاق العمل أي عاطلين عن العمل من موظفين حكوميين أو قطاع عام أو حتى قطاع خاص، وشرّد المهنيون وأصحاب الأعمال الصغيرة وتوقفت الزراعة والتجارة والصناعة والخدمات وبات المجتمع معطل مشرد منقسم، وقد فقد الجميع مدخراته في المصارف وتعطلت كل الصفقات والأعمال، مما يؤشر بأن تعطل النشاط الاقتصادي في ثلث العراق مما شكل كارثة كبيرة جداً انعكست على مؤشرات الاقتصاد الكلي  في الناتج المحلي الإجمالي وميزان المدفوعات والموازنة العامة للحكومة  . 
2. وقد تباينت تقديرات الكلف المالية التي تحملها الاقتصاد والمجتمع في المناطق المحتلة، وسارعت الحكومة لقطع كل الرواتب والإعانات عن سكان المناطق المحتلة بحجة تمويل الإرهاب،  وعلّق العمل بكل الحسابات المصرفية للأفراد والشركات والمنظمات للمناطق المحتلة، ومن هنا يبدو بأن كل التقديرات كانت غير دقيقة ولاسيما تلك التي حررها صندوق النقد الدولي في تقاريره، فكيف إذا ما عطل ما يقرب من ثلث السكان وثلث المساحة وثلث الطاقات البشرية، وهدمت معظم البنية التحتية ودور السكن ودوائر الحكومة والمصانع العامة والخاصة، وسلبت الأموال من قبل القوى الإرهابية لتمول نشاطاتها هنا وهناك ولم يؤشر ذلك في تقارير الصندوق لسنة 2014 ثم بدت تتضح ملامح ذلك في تقارير الصندوق لاحقا في سنة 2015 و2016 وتغيرت التقديرات تباعا، وقد مضى على الأزمة شوط من الزمن، وقد تجاهل الصندوق فشل البنك المركزي في تطبيق الضوابط والمعايير والتي تعد ملزمة في تنفيذها ولغاية ما بعد تحرير تلك المدن والمناطق.  
3. فشل البنك المركزي في إعادة هيكلة القطاع المصرفي الحكومي ولاسيما في تحديد نوع الملكية إذ لا زالت المصارف الحكومية تمتلك أكثر من 90% من موجودات القطاع المصرفي ومطلوباته، ولا يوجد لديها صيغة قانونية للملكية تثبت عائدية رأس المال فهي ليست شركات ولا وحدات أعمال حكومية مما يستدعي إعادة هيكلتها لتكون شركات، وأن تصدر أوراقا مالية تثبت عائدية رأس المال يمكن من خلالها تقدير قيمة تلك المصارف، وعندها يسهل رسملتها وإعادة رسملتها لتكون شركات فتكسب ثقة المتعاملين معها، وكذلك فشل البنك المركزي في تحقيق زيادة رأس المال المصارف الخاصة أو دمجها وتخطي السلبيات التي يعاني منها الأفراد المتعاملين مع المصارف وكسب ثقتهم والتحول من مصارف عائلية إلى مؤسسات مصرفية تتمتع بالفصل بين الإدارة والملكية، وفشل البنك المركزي في بناء منظومة معلوماتية والتحول نحو تكنولوجيا المعلومات وبناء تقنيات تسهم في تحسين الخدمات وربط المصارف بشبكات عملياتية في التسوية والمقاصة والمدفوعات والمقبوضات والخصم والقبول عبر الانترنت أو عبر الهاتف النقال أو غير ذلك من المستجدات العصرية التي تسهل على المواطن أعماله. 
4. فشلت المصارف الحكومية والأهلية في كسب ثقة المجتمع من أفراد وشركات ووحدات اقتصادية فانعكست على الهياكل المالية لتلك المصارف، وفشلت المصارف أيضا في تحقيق قانون وفرات الحجم فارتفعت كلفة المعاملة وفي الوقت نفسه تحوّلت المصارف لسوق للعملات وخاصة الأهلية من خلال مزاد بيع العملة والشبكات التي بنيت، وبهذا تحولت المصارف من مؤسسات وساطة مالية وخدمة إلى قنوات لبيع العملة والتي وفرت لها هوامش ربح كافية .  
5. لقد كانت سياسة إدارة سعر الصرف للدينار العراقي والتي تبناها البنك المركزي ناجحة في الحد من التضخم ووقف تدهور قيمة الدينار العراقي، فاستطاعت تلك السياسة المحافظة على  تغيرات هامشية بسيطة في قيمة العملة، ولكنها خلقت بالمقابل قنوات فاسدة ويقف على رأسها عدد من المصارف الأهلية التي تشارك في مزاد العملة في البنك المركزي واستطاعت تلك المصارف ان تشكل شبكات لتفريغ العراق من العملات الأجنبية، وفرض هوامش مرتفعة لبيع العملات في السوق المحلية تصل إلى 10% ، وكذلك استطاعت ان تسرب نسبا عالية من حجم تلك العملات الأجنبية ( الدولار ) للخارج بحجة تغطية الاعتمادات الاستيرادية . ( الجدول 16 )
6. تباينت نسبة مبيعات الدولار قياسا بالإيرادات النفطية ولكنها بالمتوسط زادت عن 50% بعبارة أخرى فإن نصف العملات الداخلة للعراق تباع بالمزاد العلني وقد بلغت في السنوات 2014 - 2017 مبلغا كبيرا بسبب نقص السيولة من الدينار العراقي فكانت تلك المصارف الأهلية بمثابة قناة لتوفير السيولة ( الدينار العراقي ) للحكومة مقابل استحواذها على الدولار من مزاد البنك المركزي.  ( الجدول 16 )
الجدول16
إجمالي الإيرادات النفطية وحجم مبيعات البنك المركزي من الدولار
مليار دولار

المصدر : تقارير البنك المركزي العراقي للسنوات 2009 - 2016
ثانيا : أما على مستوى السياسة المالية وأداتها الموازنة العامة للحكومة فقد أشر الفصل الثاني من التقرير وبعد استعراض شامل للموازنات العامة للحكومة العراقية للسنوات 2006 ولغاية 2017 وما ورد فيها يمكن الوقوف على بعض النقاط المهمة التي شكلت خللا كبيرا في الاقتصاد العراقي واليوم يدفع الناس الثمن الكبير نتيجة الوقوع بتلك الأخطاء غير المحسوبة وغير المقدرة .
ثالثاً: أما عن ميزان المدفوعات للوقوف على حجم الاستيراد والوقوف على حجم المدخرات في الجهاز المصرفي والأمر الثالث يتطلب معرفة حجم المبيعات من الدولار تلك التي باعها البنك المركزي في مزاد العملة إذ لا يمكن تفسير ارتفاع نسبة الاستيراد أو التصدير إلى الناتج المحلي الإجمالي بمعيار الانفتاح والتحرر الاقتصادي، ومن هنا تتشكل دورة مفادها دخول الموارد النفطية للعراق وخروجها بالاستيراد وتصبح باقي الآليات الاقتصادية حبرا على ورق ومن دون تفعيل ولاسيما مسألة الاستثمار والادخار والمضاعف والتشغيل وغيرها، ولقد توقع صندوق النقد الدولي أن يعود ميزان المدفوعات لتحقيق فائضا معينا في سنة 2021 ويردف الصندوق بان كل ما ورد يبقى توقعات ومعظم تلك التوقعات رهينة سوق النفط وسعره  . 

المبحث الثاني 
النفط ( الفرص الضائعة وخيارات الحد الأدنى )

يمكن تقسيم المدة من 2004 - 2017  إلى مدتين فرعيتين هما الأولى من سنة 2004 - 2008 والثانية 2009 - 2017 ويمكن توصيف المدتين الأولى ارتفع فيها السعر ليصل في نهاية 2008 إلى 147  دولار للبرميل لينخفض فجأة السعر ويصل 60 دولار والثانية استمر السعر بالتذبذب لينخفض في سنة 2014 إلى حده الأدنى 20 دولار للبرميل في 2015 واستمر التذبذب ويتراوح بين 40 دولار - 50 دولار في سنة 2017. الجدول 17 
الجدول  17
أسعار النفط الخام برنت ودبي للسنوات 2004 - 2017 بالدولار

Source: BP Statistical Review of World Energy, June 2015 , Prices.
* الأرقام التي وردت تمثل الأسعار السنوية أما ما ورد في التحليل فقد اعتمد على الأسعار اليومية لسعر النفط.
إن بناء سيناريوهات لمستقبل الاقتصاد العراقي لا بد من الأخذ في الحسبان توقعات سوق النفط، فالاقتصاد العراقي ريعي يعتمد النفط في ظل غياب الاستثمار والإنتاج، ومن هنا سيتم التركيز على توقعات سوق النفط الذي يمكن ان ترسم من خلاله سياسة اقتصادية تتبنى الاستثمار لمعالجة الخلل الذي يعاني منه الاقتصاد العراقي في ظل ريعيته وأحادية الإنتاج والتصدير وتمويل الموازنة . 
إن مراجعة بسيطة لعدد من المراكز البحثية ومنشوراتها حول توقعات أسعار النفط في الأمد الطويل واستناد على البيانات الموثوق بها والمتاحة وفق المنهجيات المعتمدة من خبراء التنبؤ للسوق النفطية التي غالبا ما تعتمد على المؤشرات الاقتصادية العالمية وحركة الإنتاج والطلب والعرض والمخزون من النفط، وكل هذا يؤشر حالة التعافي التي سيستمر بها الاقتصاد العالمي وحالة الانتعاش الاقتصادي الذي سيقود لزيادة الطلب العالمي على النفط وهذا ما بدأت بوادره منذ سنة 2017 والمتوقع نموها باضطراد. 
إن توقعات eia US Energy Information Administration    بان سعر النفط الخام على أساس مؤشر برنت  وفق السوق الأني ( الفوري )  Spot Market  سيكون في سنة 2020  بحدود 75 دولار للبرميل الواحد ( الجدول 18 )

الجدول 18
التنبؤات العالمية  بأسعار النفط الخام بالدولار

المصدر 
https://www.eia.gov/outlooks/aeo/data/browser/#/?id=1-AEO2017&region=0-0&cases=ref2017&start=2020&end=2050
وتناول  Chul-Yong Lee  and Sung-Yoon Huh التنبؤ بأسعار النفط للأمد الطويل باستخدام الطرق التنبؤية العلمية Bayesian Model وطرح نتائج العمل التنبؤي وكما يلي : 
الجدول 19
تنبؤات أسعار النفط Chul-Yong Lee  and Sung-Yoon Huh

المصدر 
Chul-Yong Lee  and Sung-Yoon Huh, Forecasting Long-Term Crude Oil Prices Using aBayesian Model with Informative Priors, MDPI, sustainability . 2017, 9, 190 .
أيا كانت التنبؤات متفائلة أو متشائمة، وأيا كانت نسبة الخطأ الذي تحتمله، وهي نفسها المؤسسات التي توقعت ارتفاع أسعار النفط الخام إلى 200 دولار للبرميل، وهناك من زاد وهناك من ذهب باتجاهات تفاؤلية أكثر قبل انتكاس الأسعار وهبوطها في سنة 2014  يؤشر بأن للسوق حركتها وطقوسها وآلياتها كانت وما زالت وستبقى محط نقاش وجدل مما يعني بأن العراق لغاية سنة 2025 سيكون تحت طائلة الضغط لأسعار النفط على الرغم من الزيادات الكبيرة التي تحققت في الإنتاج والتي تمثل له خزينا استراتيجيا لمستقبل أجياله . 

المبحث الثالث 
العراق ومؤشرات الفساد 
أولا  : العراق إخفاق  وموقع  في خريطة الفساد الدولية:

تنشر منظمة الشفافية الدولية الدولية (  Transparency International  (TI تقريرا سنويا عن حالة الفساد في العالم، ومدى تفشيه في المجتمعات والمؤسسات بموجب معايير معروفة, ويمنح خبراء المنظمة كل دولة درجة تتراوح (1-10 ), وكلما اقتربت الدرجة من 10  كانت اقل فسادا والعكس صحيح كلما ابتعدت الدول عن قيمة 10 واقتربت من الواحد الصحيح صنفت أكثر فسادا.
وتشير نتائج منظمة الشفافية الدولية أن البلدان التي تعاني من نزاعات طويلة الأمد، وتصدع بعض آليات الحكم الرشيد هي البلدان ذاتها التي يستشري فيها الفساد على نطاق واسع، فعندما تضعف مؤسسات الدولة أو تنعدم من الأساس يخرج الفساد عن نطاق السيطرة، ومن ثم تُهدر الموارد العامة، ويؤدي هذا الوضع إلى حالة عدم الاستقرار وشيوع ثقافة الإفلات من العقاب، وتضيف المنظمة إن انتشار الفساد يؤدي أيضا إلى انحسار ثقة أفراد الشعب في مؤسسات الدولة والحكومات الناشئة التي يُفترض أنها تحمي استمرار الدولة واستقرارها، وينطبق هذا الحال بشكل كبير على العراق لاسيما بعد عام 2003, الذي يقبع في ذيل مؤشر الفساد لمنظمة الشفافية الدولية ليكون من أكثر بلدان العالم فسادا ومن المتوقع أن يبقى لفترة أطول . 
جدول 20
قيمة مؤشر مدركات الفساد للعراق وترتيبه على مستوى الدول المشاركة

المصدر  : 
Transparency International, Corruption Perceptions Index 2003-2016 .
https://www.transparency.org

ثانيا : حجم الفساد في العراق: 
تتولى عمليات رصد حالات الفساد في العراق مجموعة من الجهات الرقابية وهي  ( هيئة النزاهة, مكتب المفتش العام , القضاء , ديوان الرقابة المالية , البرلمان ) .
هيئة النزاهة :
تعد هيئة النزاهة من أهم المؤسسات التي تقوم بمكافحة الفساد والتي تم إنشائها  عام 2004, والغرض من إنشاء هذه الهيئة هو تطبيق قوانين مكافحة الفساد وتطبيق معايير الخدمة العامة واقتراح تشريعات إضافية عند الضرورة, ومن واجبات هذه الهيئة هو التحقيق في أي قضية فساد من خلال البلاغات التي تصل إلى هيئة النزاهة، ومن ثم تحوليها إلى المحاكم القضائية كما هو موضح في الجدول  21
جدول 21
عدد البلاغات التي وصلت هيئة النزاهة والقضايا المحالة إلى المحاكم
 للمدة  2004-2016

المصدر : هيئة النزاهة , التقرير السنوي  , الإعداد 2006 -2016  .
وبموجب القضايا التي حققت هيئة النزاهة فيها وأحيلت إلى المحاكم أمكن تحديد الأموال المرصودة من عمليات الفساد التي حصرتها هيئة النزاهة  وبموجب الجدول الآتي  
جدول 22
حجم الأموال المرصودة بعمليات فساد من قبل هيئة النزاهة
للمدة 2005 - 2016(مليار دينار)

المصدر : هيئة النزاهة , التقرير السنوي  , الإعداد 2006 -2016  .
 العمود (4) مجموع ما ورد في الجدول للسنوات 2005 - 2016   احتسب من قبل الفريق البحثي .
إن الأموال المرصودة جاءت من عمليات فساد بأشكال  مختلفة منها: الإضرار المتعمدة بالمال العام والإهمال وتجاوز حدود الوظيفة والرشوة والاختلاس والتزوير ومخالفة الأوامر والتعليمات وغيرها الجدول 21.
مكتب المفتش العام: 
تأسس مكتب المفتش العام في عام 2004 ويهدف إلى تبني برنامج فعال لإخضاع أداء الوزارات لإجراء مراجعة وتدقيق وتحقيق لرفع مستويات المسؤولية والنزاهة والإشراف والحد من وقوع أعمال التبذير والغش وإساءة استخدام السلطة والتعرف على الأعمال المخالفة للقوانين ومحاربة الفساد الإداري, وبموجب القضايا الواصلة إلى مكتب المفتش العام يمكن حصر حجم أموال الفساد من خلال الجدولين  23 و24.
جدول 23
إجمالي أموال الفساد في قضايا مكتب المفتش العام لوزارة المالية
للمدة 2009-2016(مليار دينار)

المصدر  : التقرير السنوي , وزارة المالية مكتب المفتش العام , التقارير 2009-2016
2013  : غير متوفرة   العمود (4)  احتساب الباحثين 
الجدول 24
إجمالي مبالغ الفساد المرصودة من قبل هيئة النزاهة ومكتب المفتش العام/ وزارة المالية

المصدر : احتساب الباحثين من الجدولين السابقين 
وقد أشار تقرير للأمم المتحدة عن الفساد في العراق بأن هناك صفقات تقدر بمبلغ 17 مليار دولار سرقت من خلال  تهريب النفط والشركات الوهمية والعقود التي لم تتحقق قط  ، كما أشار تقرير الفساد العالمي لعام 2005 إلى فساد سلطة الائتلاف ووزارة التجارة باختلاس 40 مليون دولار في أموال صرفت من تخصيصات النفط مقابل الغذاء    كل هذه المعطيات قادت لاستشراء الفساد لجميع قطاعات الدولة ولاسيما الأمنية والخدمية والصحية والتعليمية والسياسية وتهريب الآثار وشراء المناصب والتزوير بجميع أشكاله وحتى ما يخص قوت المواطن . والجدول 25 يوضح نسب الفساد في القطاعات الحكومي
جدول 25
نسب الفساد في القطاعات الحكومية العراقية

المصدر: حسن فارس عبود , 2014 , تقيم حجم ظاهرة الفساد في المؤسسات الحكومية العراقية, الأكاديمية العراقية لمكافحة الفساد .

ثالثا: العراق ملاذا امنا لغسل أموال الفساد: 
اتسم العراق بعد الاحتلال عام 2003 بغياب شبه كامل للرقابة الحكومية بكل مؤسساتها، وما خلفه من تدمير للبنى التحتية وانكشاف السوق العراقية، وأصبح العراق بيئة ملائمة لغسل أموال الفساد بحماية العناصر المساهمة  في ذلك وإبعادهم عن المسائلة القانونية . 
إن عملية غسيل الأموال بالعراق غير معقدة من حيث المراحل حيث تدخل الأموال بسهولة عالية دون المرور بالمراحل المتعارف عليها، بسبب تردي الوضع الأمني وعدم كفاءة الأجهزة الرقابية الحكومية، الأمر الذي يجعل الاقتصاد العراقي عرضة للتخريب، وقد سُجلت ألاف الحالات لدى بعض الأجهزة الرقابية وبخاصةً في المحافظات العراقية الوسطى والجنوبية حيث يمارس الأشخاص نشاطات غسيل الأموال بسهولة؛ ومما ساعد على ذلك القطاع المالي  والمصرفي الذي سرّعَ من عمليات التحايل، بالإضافة إلى النظام الآلي لتحويل الأموال، الذي سهل إتمام عمليات مشبوهة لغسيل الأموال، كما أن استخدام شبكة الانترنت أدت هي الأخرى إلى توسع عمليات التحايل من خلال استخدامها من قبل عصابات غسيل الأموال للاستفادة من السرعة الخاطفة للتحويلات النقدية عبر العالم، أو بين الحسابات في الدولة الواحدة، وتبين أن (25%) من الرسائل الالكترونية المرسلة بين البنوك والأشخاص لا تتضمن المعلومات التفصيلية الخاصة بهذه التحويلات، وقد قدرت الأموال المغسولة في الفترة 2006-2014  بـ  360 مليار دولار .
رابعا : الفساد وهدر الموازنات: 
لقد ارتفع حجم الموازنات الحكومية السنوية بشقيها الاستثماري والتشغيلي ويبدو لم تأت ثمارها على ارض الواقع، فعند حسابها ومطابقتها مع المشاريع المنفذة  يلاحظ إن  25% منها فقط ما تم صرفه والباقي أهدر بشكل كامل، وتبين انه على الرغم من العجز الذي حققته الموازنة في السنوات الثلاثة الأخيرة نتيجة انخفاض أسعار النفط, إلا أنها حققت فوائض مالية كبيرة للسنوات 2004-2013 كان من الممكن استغلالها بشكل أفضل في مجالات مختلفة بعيدا عن قنوات الفساد، وتعد تلك الفوائض شكلا من أشكال الفساد في اقتصاد ريعي مثل الاقتصاد العراقي الجدول 26. 
جدول 26
أجمالي الإيراد والإنفاق والعجز أو الفائض لموازنة العراق
للمدة 2003-2016 ( مليون دينار)

المصدر: 1-البنك المركزي العراقي , قاعدة البيانات                   http://www.cbi.iq
2- البنك المركزي العراقي , المجموعة الإحصائية للبنك المركزي العراقي, عدد خاص ,2003.             
3-البنك المركزي العراقي , النشرة السنوية , سنوات مختلفة .
4-البنك المركزي العراقي , التقرير الاقتصادي السنوي للبنك المركزي العراقي لعام 2003 ومطلع عام 2004 , الإصدار 2004 .
5-وزارة المالية .

المبحث الرابع
الاقتصاد العراقي
في دائرة الدول المدينة
الدين العام خيار الحكومة في تمويل اقتصادها لمواجهة أزمتها المالية

بعد ان شهد العراق صدمتين هما انخفاض الإيرادات النفطية واحتلال الإرهاب لثلث العراق وضعت الحكومة عددا من الإجراءات لضبط الإنفاق والحد من الفساد المالي الذي تعاني منه الحكومة واستمرت الإجراءات للسنوات 2015 - 2017 ومن المتوقع أن يتم تمويل العجز في الحسابات من خلال زيادة التمويل النقدي غير المباشر من قبل البنك المركزي العراقي واعتماد السحب من الاحتياطي المالي والاقتراض المحلي والخارجي، وبلغ مجموع الدين العام حدا كبيرا ليصل إلى ما يزيد عن 100 مليار دولار، وقد بلغت نسبة الدين العام إلى إجمالي الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 70 % في سنة 2016 بعد ان كانت النسبة 56% في سنة 2015 ومن المتوقع ان يرتفع إلى نسبة أعلى في سنة 2017 . ويتوقع ان تصل النسبة إلى 85% في سنة 2018  . وكذلك يتوقع أن يصل  حجم الاحتياطيات من العملات الأجنبية إلى 31 مليار دولار سنة 2018  ، ولقد بدأت الحكومة العراقية بالاعتماد على الدين العام في تمويل موازنتها التشغيلية نتيجة الأزمة التي تعاني منها وكان هناك نمو كبير في حجم الدين العام الأجنبي والمحلي .الجدول 27
الجدول 27
مجموع الدين العام في العراق للسنوات 2015 - 2021 ( مليار دولار )

المصدر : 
IMF , Iraq: Letter of Intent, Memorandum of Economic Financial Policies, and Technical Memorandum of Understanding, 2016.p 30.
IMF; and World Bank staff projections.2016 . p10
إن من المفيد التذكير بأن صندوق النقد الدولي قد أشر ضرورة تعزيز إدارة الدين العام من خلال دعم إحدى المنظمات الدولية وهي الوكالة اليابانية للتعاون الدوليJapanese International Cooperation Agency (JICA),  واعتبارا من تشرين الأول / أكتوبر 2015، حيث عقدت حلقة عمل بهذا الشأن وكذلك دعم خبير في إدارة الديون منال وكالة اليابانية للتعاون الدولي، وحزمة من البرامج التدريبية تتألف من سلسلة من الحلقات الدراسية والتدريب العملي لتعزيز قدرة مديرية الدين العام في العراق بالتعاون مع دول الجوار والمؤسسات المالية الدولية. كخطوة أولى. وقد وضعت آليات الرصد والمتابعة من خلال مراجعة ربع سنوية لعدد من المؤشرات وهي الرصيد الأولي غير النفطي من إجمالي الدين العام ، المخزون من صافي الموجودات المحلية للبنك المركزي، واحتياطيات النقد الأجنبي الرسمية، والمتأخرات الخارجية والإنفاق والاستثمار غير النفطي  .
وقد توقع الصندوق في بعض تقاريره أن تستقر نسبة الدين العام / الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2018 ومن ثم تبدأ بالانخفاض ويتوقع ان تصل إلى 53% في سنة 2021 وهناك من توقع انخفاض النسبة إلى 57% وقد أشار الصندوق في تقاريره إلى تلك التوقعات المتباينة، اعتمدت الحكومة إجراءات مالية لاحتواء التدهور الكبير في احتياطي العملات الأجنبية ووقف الزيادة في الدين العام، وعلى الرغم من  المساعدات التي قدمتها المؤسسات المالية الدولية يتوقع أن تكون نسبة الدين العام للناتج المحلي الإجمالي 63% في سنة 2018 ويتوقع انخفاض النسبة سنة 2021 الى 53% . 

قدرة العراق على تحمل الديون الخارجية
ورث العراق بعد عام 2003 تركة ثقيلة بديون خارجية ضخمة, وعلى الرغم من ذلك فأنه  بعد عام 2004  حصل تخفيض ديون العراق بما يقارب 40% من الديون من قبل الجهات المانحة, إلا إن العراق في السنوات الأخيرة ونتيجة انخفاض أسعار النفط وتحمل الموازنة بنفقات لا تستطيع تخفيضها أجبرت العراق على الاقتراض من جديد .
ويظهر الجدول 27 نسبة الدين إلى أجمالي الناتج المحلي ويتبن انه في حالة تصحيح أوضاع المالية العامة على النحو الموصى به من قبل صندوق النقد الدولي، يُتوقع أن يظل العراق قادرا على مواصلة تحمل أعباء الدين في الأجل المتوسط، فقد أدى رفع التوقعات بشأن إجمالي الناتج المحلي في الماضي -وبشأن إنتاج النفط وأسعاره المستقبلية- إلى حدوث تحسن كبير في استمرارية القدرة على تحمل الدين مقارنة بما كان في طلب عقد اتفاق الاستعداد  ويصل الدين إلى ذروته في عام 2018  إلى 40% من الناتج المحلي ويتوقع أن يتراجع إلى  31% في نهاية فترة التنبؤ .
غير إن القدرة على الاستمرار في تحمل أعباء الدين لا تزال تواجه مخاطر يفرضها تنفيذ خطط تصحيح أوضاع المالية العامة وارتفاع مستوى الدين الخارجي والاحتياجات التمويلية الإجمالية.
وتشير اختبارات القدرة على تحمل الضغوط في إطار تحليل استمرارية القدرة على تحمل الدين الخارجي إلى أن نسبة الدين الخارجي في العراق تتأثر كذلك بالصدمات. وبينما مسار الدين الخارجي في العراق لن يرتفع إلا بصورة هامشية كرد فعل في مواجهة صدمة في أسعار الفائدة أو صدمة في النمو ، فإن وقوع صدمة في الحساب الجاري وانخفاض سعر الصرف الحقيقي سيؤديان إلى ارتفاع كبير في الدين الخارجي  الجدولان 28 و 29 . 
جدول  28
 ديون العراق الداخلية والخارجية للسنوات
(2004-2016)
المصدر  
الجدول 29
نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي في العراق للمدة 2004 -2021

المصدر  : احتساب الباحثين بالاعتماد على الجدول السابق 
* تقديري 

المبحث الخامس
الاقتصاد العراقي  والسيناريوهات المتوقعة

إن من أهم ما يجب التركيز عليه لبناء سيناريوهات للاقتصاد العراقي وفق الحالة المتشائمة والحالة المتفائلة  الأخذ  بنظر الاعتبار ما يلي : 
1.إن النمو الكبير في عدد السكان والذي يتوقع له أن يصل إلى الضعف في سنة 2050 يطرح تحديا كبيرا على الحكومات الممسكة بالأمر. 
2. التدني الكبير في مؤشرات نوعية الحياة في العراق وهذا ما أشرته العديد من التقارير ومنها تدني مقومات صحة الفرد وتوفر الخدمات الأساسية وحالات سوء التغذية وحماية البيئة وتفاقم ظاهرة التلوث بكل أشكاله وتصحر الأراضي الزراعية وزيادة كبيرة في ملوحة المياه العذبة وشحتها، تعد مؤشرات إنذار لتبني أهداف وسياسات واضحة في الأجلين القصير والطويل . 
 3. إن النزوح والتشرد والهجرة، وهذا ما يوصف به المجتمع العراقي في العشر سنوات الماضية، يضع على الحكومة تبعات اقتصادية كبيرة، وإنّ هناك ضغوطا داخلية وخارجية ستفرض لحاجة تلك الفئات من البشر لتلبية تطلعاتهم وأساسياتهم وهم في الوقت نفسه يشكّلون تهديداً مضاعفا في العقدين القادمين من القرن الحادي والعشرين.  
4. التنمية الاقتصادية غير المتوازنة، والتي أشرتها عدة تقارير دولية وحالات التباين الكبير بين فئات المجتمع أولا وبين المدن والمحافظات ثانيا وبين السياسيين والمجتمع بشكل عام ثالثا؛ خلق خللا تنمويا ويبدو بأن الفجوة ستزداد في العقدين القادمين بحكم التشريعات والقوانين التي تحمي حالات اللاتوازن والتباين وهذا يمثل تحديا يستلزم معالجته.  
5. العنف والتوترات وعدم الاستقرار بين ظهراني المجتمع والذي قوض قدرة الدولة والحكومة على توفير الأمن، وتنامي هاجس الخوف في المجتمع وعدم الثقة، مما قاد لمزيد من العنف وزادت الضغوط على المؤسسة الأمنية وخلق حالة من عدم الثقة بين المؤسسة والمجتمع، وبدت هناك حلقة يدور فيها المجتمع طيلة السنوات العشر الماضية فبدد الموارد المالية والبشرية يطرح تحديا كبيرا على الحكومة في كيفية التعامل وفق معايير الأمن والاقتصاد في آن معا مما يستلزم التأكيد على سياسة بناء الثقة وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية .   
6. لقد وجد العراق فراغا كبيرا في رأس المال البشري بسبب حالة عدم الاستقرار التي اجتاحت العراق وأيضا بسبب الاستعداء والثأر وعدم التسامح وقد تعدى ذلك إلى هجرة رأس المال بحثا عن الأمن والاستقرار والابتعاد عن الاستهداف، وقد تعطلت الماكنة الاستثمارية والإنتاجية والتجارية، وكذلك استهدف النشاط العقاري أيًّا كان استثماراً خاصا أم حكوميا، ورافق هذا غياب كامل للفرص المتاحة ، فشكل هذا ضغطاً إضافيا على المجتمع، وارتفعت نسب البطالة والفقر فمثلا تجاوزت نسبة الفقر 23% وكذلك نسبة البطالة في القوة العاملة العراقية فقد تجاوزت 40% .
7. يبدو أن الدولة بمؤسساتها الحاكمة لم تكن لتدرك بأن الفقر والتدهور الاقتصادي يجهد قوتها وإن توفير الحاجات الأساسية لمن لم يتمكن من تلبيتها يستلزم تمكين المؤسسات الحكومية المعنية  بالحماية الاجتماعية للتمييز بين الفقير وغير الفقير أي بين من يملك الحد الأدنى وبين من لا يملك الحد الأدنى للحياة، وهذا يشكل العامل الأساس للضغط وبعكسه يعني تشويه البرامج المعنية بالحماية الاجتماعية، وقد أشرت العديد من التقارير وبمؤشرات البيانات الحكومية ذلك. 
8. لم تستطع الحكومة ترسيخ دعم المناطق الريفية وإهمال قطاعات واسعة منها الطرق والمواصلات ووسائل النقل المتنوعة مما ضيع عن العراق فرصا في الإنتاج والنمو وخلق في الوقت نفسه ضغطا على المدن من خلال تدفق المهاجرين من الريف إلى المدينة علما بأن دولا نامية مرت بمثل هذه التحديات يمكن الاستعانة بتجربتها .
9. إن توفير الخدمات الصحية والتعليم والصرف الصحي والخدمات البلدية يشكل العامل الأهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وفشل الحكومة في توفير الطاقة الكهربائية في الإنتاج والتوزيع لعقود خلق المزيد الضغط على الاقتصاد والمجتمع، يقابله مزيد من النفقات التي يتحملها الفرد والأسرة لتوفير الحد الأدنى من خدمة الكهرباء عن طريق المولدات الخاصة التي شابها الفساد وسوء التنظيم وشجع المستثمرين المحليين للعزوف عن استثماراتهم وبعث للمستثمرين الأجانب بإشارة مفادها عدم إمكانية الاستثمار في هذا البلد .
اعتُمدت منهجية وضع سيناريو معتدل على معطيات تنبؤية وتوقعية لعدد من متغيرات الاقتصاد العراقي ووفق تلك المنهجية سيتم تحديد مجال حركة عمل الاقتصاد العراقي تتراوح بين نسبة تحسن نحو الأفضل لا تتعدى 30% عن الصيغة المعتدلة ونسبة تدني نحو الأسوأ لا تتعدى    -30% عن الصيغة المعتدلة وباحتمالية ميل نحو الأسوأ تصل 30% ونحو الأفضل 20% والاحتمال المعتدل 50% وفيما يلي السيناريو المعتدل     
المرحلة الأولى : السنوات 2018 - 2023 
المعطيات الاقتصادية التنبؤية في العراق:
1. نمو سكاني كبير 
2. تغيرات طفيفة في أسعار النفط 
3. عدم استقرار سياسي واقتصادي مالي عالمي وإقليمي ومحلي .   
السياسات الاقتصادية النقدية والمالية للحكومات العراقية
1. زيادة ملحوظة في إيرادات النفط الناتجة عن ارتفاع الأسعار النفط في السوق العالمية 
2. زيادة نسبية ومهمة في الإنتاج والتسويق 
3. استمرار الضائقة المالية وعدم القدرة على سداد الالتزامات 
4. عدم قدرة الحكومة على تطبيق القوانين المالية الضريبية والتعريفة الجمركية 
5. تنامي الحاجة للمزيد من الإنفاق الحكومي 
6. غياب النشاطات الاستثمارية الحكومية والخاصة 
7. تدهور مستمر في خدمات البنية التحتية في عموم العراق . 
8. استمرار الفساد وظهور صيغ جديدة في تنويع الفساد 
9. استمرار الجهاز المصرفي على حاله وتعطل في دور الاقتصادي 
.10 تدني كبير في خدمات البنية التحتية الصحية والتربوية والتعليمية
النتائج وفق التغيرات المؤشرات الكمية والنوعية: 
1.نمو بطيء بالناتج المحلي الإجمالي 
2. استمرار العجز في ميزان المدفوعات 
3. استمرار العجز في الموازنة الحكومية 
4. تزايد الدين العام ونسبته في الناتج المحلي الإجمالي مع استقرار نسبي في سعر الصرف 
المرحلة الثانية : 2024 - 2030 
المعطيات الاقتصادية التنبؤية في العراق:
1. نمو سكاني كبير ليتجاوز عدد سكان العراق 40 مليون نسمة . 
2. تغيرات طفيفة في أسعار النفط ليصل أعلاها 90 دولار للبرميل الواحد في سنة 2030
3. استمرار عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والمالي العالمي والإقليمي والمحلي .   
السياسات الاقتصادية النقدية والمالية للحكومات العراقية:
1. استمرار ارتفاع أسعار النفط  ليصل إلى 90 دولار للبرميل في سنة 2030 مما يؤشر زيادة كبيرة نسبيا في إيرادات الموارد النفطية مع استمرار زيادة الطاقات الإنتاجية لتصل 4 مليون برميل في اليوم الواحد لتتجاوز الإيرادات النفطية 125 مليار دولار. 
2. انفراج نسبي في الضائقة المالية     
3. محاولة الحكومة تطبيق بعض القوانين المالية الضريبية وعدم قدرتها في تطبيق التعرفة الجمركية 
4. تنامي الحاجة للمزيد من الإنفاق الحكومي مع غياب النشاطات الاستثمارية العامة والخاصة 
5. تدني في خدمات البنية التحتية في عموم العراق . 
6. استمرار الفساد وظهور صيغ جديدة في تنويع الفساد وزيادة انتشاره
7. استمرار الجهاز المصرفي على حاله وتعطل  دوره الاقتصادي 
8. تفاقم المشاكل  الصحية والتربوية والتعليمية. 
النتائج وفق التغيرات المؤشرات الكمية والنوعية: 
1. نمو بطيء بالناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى  300  مليار دولار  في سنة 2030  
2. استمرار العجز في ميزان المدفوعات 
3. استمرار العجز في الموازنة الحكومية نتيجة تنامي النفقات العامة  
المرحلة الثالثة : 3031 - 2040 
1. انتعاش نسبي في الاقتصاد العراقي نتيجة الارتفاع في سعر النفط ليصل إلى 120 دولار للبرميل الواحد مما يؤشر ارتفاع الإيرادات العامة للحكومة ومحاولتها تغطية نفقاتها . 
2. تنامي نفقات خدمة الدين العامة ومحاولة جدولة السداد لتلك الديون الكبيرة التي قد تصل لما يزيد عن 260 مليار دولار . 
3. نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة بسيطة وبداية انتعاش الاستثمار العام والخاص ومحاولة فرض تطبيق القوانين المالية وأهمها التعريفة الجمركية .
4. ارتفاع نسبة الفقر والحرمان لتصل إلى 40% في المناطق الغربية ويشهد العراق حالة من التباين الكبير في الدخل والثروة على مستوى الأفراد والمحافظات والمناطق.


الاستنتاجات والتوصيات 
استعرض التقرير بشكل موجز أداء الاقتصاد العراقي معززا ببعض المؤشرات المهمة وتمّ الوقوف على أهم مكامن الخلل والأمراض المستعصية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي عبر مراحل متعددة وتم التركيز على ما بعد سنة 2003، ومما لا شك فيه بأن مرحلة التحولات غالبا ما تتسم بمشاكل معقدة تسعى حكومات الدول لمعالجتها، ويبدو أن هذه المرحلة قد استغرقت أكثر مما ينبغي وتجذّرت العديد من الأمراض المستعصية، ومنها الفساد بكل أشكاله وتعرض العراق لصدمات كبيرة هزت أركان اقتصاده بسبب تدهور أسعار النفط في السوق العالمية، ولما كان الاقتصاد العراقي اقتصادا ريعيّا فقد بدا في مقدمة الدول التي تأثرت موارده المالية فانخفضت وأثرت على معظم قطاعات الاقتصاد، والصدمة الثانية تمثلت بالهجمة الإرهابية التي تعرض لها العراق فاحتل ثلثه من قبل الإرهاب، وهنا أضافت هذه الصدمة عبئا آخر على اقتصاد العراق بمحاربة الإرهاب وما تبع ذلك من عمليات نزوح وتوقف العديد من المؤسسات وتدمير البنية التحتية في المدن المحتلة، والمحررة إضافة لكل ذلك فقد كان الفساد على رأس الأمراض التي نخرت الاقتصاد العراقي بعد 2003 إضافة لتأثير عدم الاستقرار السياسي وغياب استراتيجية واضحة لعمل الاقتصاد ونشاطاته، ومن هنا وقع العراق في خضم أزمات وكوارث كبيرة وما زال.  
يقدم التقرير عددا من التوصيات التي لا بد على متخذ القرار العمل بموجبها بهدف تعزيز النشاط الاقتصادي وأداء القطاعات ومنها : 
1. العمل فورا على إعادة هيكلة القطاع المالي والمصرفي، ومحاولة دمج المصارف الأهلية بستة مصارف تتحول من صيغة البقالة المصرفية إلى صيغة المؤسسة المصرفية وكذلك إعادة هيكلة المصارف الحكومية والعمل على تحويلها لمؤسسات مصرفية وطنية . 
2. تطبيق قانون التعرفة الجمركية وفق الصيغ التي جاء بها القانون والسيطرة على المنافذ الحدودية بهدف أولا تحقيق الموارد المالية منها وثانيا تشجيع النشاطات الاقتصادية للاستثمارات الوطنية ووفق نمط يأخذ في الحسبان ال سلع والخدمات الضرورية والتكميلية والترفيهية . 
3. محاولة تأسيس صناديق استثمارية سيادية لعدد من النشاطات في العراق وأهمها صندوق للتقاعد وآخر للأوقاف وصندوق ثالث لاستثمار أموال القاصرين وفق نمط حديث ويعمل على مستوى العالم . 
4. محاولة اعتماد سياسة التقليل من الاستخدام النقدي باعتماد الآليات والتقنيات الرقمية الحديثة ومحاولة إعادة بناء الثقة بالنظام المالي العراقي، وضمان الودائع وتأمينها والعمل على تعبئة الموارد المحلية وفق السياقات المالية والمصرفية الصحيحة بضمانات دولية. 
5. محاولة إعادة النظر وهيكلة المنظومة الرقابية وتفعيل دور ديوان الرقابة المالية وعدم تشتيت جهود الأداء الرقابي، وكذلك هيكلة منظومة النوعية وتطويرها . 
6. العمل على فك الاشتباك الذي كان وما زال قائما بين القطاع العام والخاص والحكومي ووضع استراتيجية واضحة للحكومة تكون منطلقا لوضع أهداف واضحة وسياسات يمكن أن تأتي أوكلها ضمن الأمد الزمني المحدد . 
7. اعتماد صيغة التقارير الشهرية والفصلية والنصف سنوية والسنوية للبنك المركزي وتفعيل نشرة البنك المركزي وفق مبدأ الشفافية والإفصاح واعتماد الدقة والموضوعية بوصفها المادة التي يعتمدها متخذ القرار وصانع السياسات في عمله.