في وجه العاصفة

الإستحضار التاريخي للتيار الإصلاحي في السياسة الايرانية

فراس الياس
عن الكاتب

مدير برنامج الدراسات الايرانية في مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية



شكل التيار الإصلاحي علامة فارة في التاريخ السياسي الإيراني الحديث بعد نجاح ثورة 1979، حيث إستطاع أن يفرض نفسه من خلال الأفكار اليسارية واللبرالية التي كان ينادي بها، في ظل الموج الثوري العارم الذي ساد في إيران على يد السيد روح الله بن مصطفى الخميني في تلك الفترة، وفي الوقت الذي تمكن فيه الخميني نفسه، من القضاء على كل مؤسسات نظام الشاه، بعد أن ثبت أركان الحكم الجديد  في كل مجالات الجمهورية الوليدة، فإنه كان يعتقد بأن الحفاظ على مسحة لبرالية -يسارية يمثل ضرورة إستراتيجية بالنسبة لإيران، من إجل إبقاء جزءً من الباب مفتوح للتحاور مع الغرب.
فبعد نجاح الثورة في إيران عام 1979، سعى أول رئيس وزراء في عهد الثورة مهدي بازركان، وبعده رئيس الجمهورية أبو الحسن بني صدر إلى الذهاب بإتجاه الولايات المتحدة الأمريكية، مندفعين بما كانوا يحملونه من نظرة يسارية تقدمية لبناء إيران حديثة، إلا أن هذه الرغبة سرعان ما إصطدمت بالأيديولوجية الثورية التي جعلها المرشد الأعلى الخميني، الركيزة الرئيسة للنظام السياسي الجديد في إيران، فتم سحب الثقة من أبو الحسن بني صدر، أما مهدي بازركان فتمت تصفيته فيما بعد على يد الأجهزة الأمنية الإيرانية، وهو الذي قال الخميني بحقه بأن "معارضة بازركان ترقى إلى عصيان الله".
جاءت الحرب العراقية الإيرانية لتفرض سيطرة التيار المحافظ على الحياة السياسية الإيرانية، خصوصاً في ظل الإجراءات الثورية التي إعتمدها الخميني في فرض مزيداً من القيود على عمل الأحزاب والتيارات السياسية، إذ أصبح الحزب الجمهوري الإسلامي الذي أسسه الخميني، بمثابة الليبرو الذي يوجه العملية السياسية في إيران خلال مرحلة الثمانيات، وبما أن الخميني كان منشغلاً خلال هذه الفترة بترتيب البيت الإيراني الجديد بعد الثورة، فضلاً عن التحدي الحقيقي الذي مثلته الحرب مع العراق، فقد أصبح عمل التيارات السياسية، وخصوصاً الإصلاحية واليسارية والإشتراكية محفوفاً بالمخاطر، ليتلقى التيار الإصلاحي أولى الضربات الموجعة في عهد الثورة الوليدة، خصوصاً وأن أغلب قيادته واجهت نهايات مختلفة مابين الإعدام أو الإقامة الجبرية أو النفي الإختياري إلى خارج إيران.
وبعد وفاة الخميني في 3 يونيو 1989، وصعود هاشمي رفسنجاني إلى سدة الرئاسة في إيران خلفاً لعلي خامنئي، وجد التيار الإصلاحي الفرصة مناسبة ليعيد ترتيب أوراقه من جديد، خصوصاً وأن رئيس الجمهورية الجديد، كان يحمل الكثير من الأفكار التي تتوائم مع توجهات الإصلاحيين في ذلك الوقت ومنها:
1. غياب الكاريزما الشخصية للخميني، ونجاح رفسنجاني في الدفع بالمرشد الأعلى علي خامنئي إلى منصب الولي الفقيه، -على الرغم من التشكيك في أهليته من قبل مجلس الخبراء-  وهو ماجعل المرشد يخضع له في الكثير من القرارات.
2. النظام الدولي الجديد بقيادة الولايات المتحدة، وإنعدام هامش المناورة الإستراتيجية لإيران.
3. حرب الخليج الثانية، وإقتناع التيار المحافظ في إيران بأن الواقع السياسي الإقليمي والدولي يتطلب تبني خيارات سياسية براغماتية بعيدة عن الخطاب الثوري الجامد، معتبرين أن الذهاب بنفس الخيارات العراقية سيعرضها للكثير من الصدمات الكبرى. 
4. جعلت إيران الهدف الرئيسي لمرحلة مابعد الحرب مع العراق، لإعادة الإعمار وتنشيط عجلت الإقتصاد والإنفتاح على العالم الخارجي، وهي كلها مهمات يصعب القيام بها من قبل التيار المحافظ.
5. إستراتيجيات الإحتواء المزدوج التي تبنتها الولايات المتحدة الأمريكية حيال العراق وإيران، فضلاً عن سياسات العزلة التي وجهتها، وهو مادفعها أيضاً إلى الإبتعاد عن الخطاب المتشنج مع الولايات المتحدة الأمريكية.
تمكن التيار الإصلاحي في إيران من فرض وجهة نظره الإصلاحية بناءً على ما سلف ذكره، وتحديداً في الأمور المتعلقة بالسياسة الخارجية، وعلى الرغم من الصراع الذي ظهر لاحقاً بين مؤسستي الرئاسة والمرشد، خصوصاً فيما يتعلق بوجهة نظرهما للعلاقة مع الغرب من جهة، ومفردات الخطاب السياسي من جهة أخرى، إلا أن الغلبة كانت في النهاية لمؤسسة الرئاسة، كون رفسنجاني كان أكثر تأثيراً من خامنئي، وهو ماتبلور بالنجاح الثاني للإصلاحيين، والمتمثل بصعود محمد خاتمي للرئاسة، خلال الفترة من 1997-2005.

براغماتية التيار الإصلاحي

مثل الخطاب الحضاري الذي كان يتبناه الاصلاحيون، إنقلابا نوعياً في الحياة السياسية الإيرانية بعد الثورة، إذ إستطاع أن يقدم النموذج الثوري الإيراني في إطار حضاري واضح، وذلك من خلال تبنيه فكرة حوار الحضارات، والتي جاءت كرد فعل على فكرة صراع الحضارات التي تتبنها الولايات المتحدة الأمريكية، وأشار فيها أيضاً بأن الجمهورية الإسلامية في إيران تقدم نموذج حضاري للإسلام، وذلك من خلال المزاوجة مابين البعد الحضاري والديني، وأن الإسلام الإيراني يمتلك عمقاً حضارياً يختلف كثيراً عن النماذج الإسلامية الأخرى، وبالتالي على العالم الغربي أن يدرك جيداً أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه إيران في المنطقة والعالم.
في حقيقة الأمر يمكن القول بأن الأفكار التي إستطاع التيار الإصلاحي مزجها في تحركات السياسة الخارجية الإيرانية في عهد الرئيس خاتمي، هي ترجمة شفافة للأفكار الأيديولوجية والثورية التي يتبناها التيار المحافظ، وكذلك المرشد على خامنئي، فمفاهيم العالمية والمكانة المرموقة والنفوذ المؤثر، هي مبادئ يؤمن بها التيارين في إيران، إلا أن الفارق الوحيد بينها، أن الأول يوظف القوة الناعمة، والثاني يوظف القوة الصلبة، الأول يجعل من المدرسة المثالية أو لنقل اللبرالية الجديدة منطلقاً سياسياً له، أما الثاني فيجعل من المدرسة الواقعية بشقيها الدفاعي والهجومي مرتكزاً لها، وبالنهاية تشكل الذات الإيرانية المنطلق الرئيس لصناع القرار في إيران، سواءً كانوا محافظين أم إصلاحيين أم متشددين.
حقق النهج البراغماتي أو لنقل اليسار الديني للتيار الإصلاحي، فوائد كبيرة على صعيد السياسة الخارجية الإيرانية، إذ تمكنت إيران من أن تفرض نفسها لاعباً مؤثراً في أبرز ملفين واجها منطقة الشرق الأوسط، وهما الحرب على أفغانستان والعراق، أذ لعبت إيران دوراً مركزياً في الحرب الأمريكية على العراق، والذي يدلل على ذلك ما قاله "محمد علي أبطحي" نائب الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي للشؤون القانونية والبرلمانية، في مؤتمر الخليج وتحديات المستقبل، الذي عقد في إمارة أبو ظبي يوم 13 يناير 2004 حيث قال:"لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة، لكننا حصلنا على مكافأة، وأصبحنا ضمن محور الشر"!، وكان الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد قد كرر مثل ذلك وهو في زيارته لنيويورك لحضور اجتماعات الأمم المتحدة في لقاء له مع صحيفة نيويورك تايمز في 26 سبتمير 2008 حيث قال: "إن إيران قدمت يد العون للولايات المتحدة فيما يتعلق بأفغانستان، وكانت نتيجة هذه المساعدات توجيه الرئيس الأمريكي تهديدات مباشرة لشن هجوم عسكري ضدنا، كما أن بلادنا قدمت مساعدات لأمريكا في إعادة الهدوء والإستقرار إلى العراق".
وفي كتاب صدر في مارس 2016، بعنوان "الموفد"  لزلماي خليل زاده السفير الأمريكي الاسبق في العراق بعد الغزو، أشار إلى لقاء جمع مسؤوليين بالإدارة الأمريكية لم يسمهم، ومحمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني الحالي، والذي كان سفير إيران لدى الأمم المتحدة وقت الحرب على العراق مارس 2003، تضمن اللقاء برواية خليل زاد طلباً أمريكياً من الجانب الإيراني بعدم التعرض للمقاتلات الأمريكية، إذا ما إخترقت الأجواء الإيرانية بطريق الخطأ، وهو الطلب الذي قابله ظريف بالموافقة، وعرضاً أمريكياً آخر برغبة الولايات المتحدة الشديدة في أن يتبوأ كبار السياسيين الموالين لإيران، والمعارضين لنظام الرئيس العراقي صدام حسين مقاعد من الحكومة التوافقية، التي ترغب الولايات المتحدة تمكينها بعد الحرب، ويتابع خليل زاد أن قناة الحوار هذه قد أُغلقت بسبب ما أسماها إتهامات الرئيس بوش في مايو 2003 للجانب الإيراني بإيوائه عناصر من تنظيم القاعدة، كانوا قد تورطوا في أعمال عسكرية معادية للولايات المتحدة على الأراضي السعودية، وراح ضحيتها ثمان أمريكيين.
إلا أن البراغماتية السياسية للتيار الإصلاحي إصطدمت مرة أخرى بصعود اليميني المحافظ أحمدي نجاد إلى سدة الرئاسة، بعد فوزه في رئاسيات 2005، ليدخل التيار الإصلاحي مرة أخرى في سبات إمتدة لتسع سنوات حتى مجيء الرئيس الحالي حسن  روحاني، إلا أنه قبل ذلك لابد من القول بأن التيار الإصلاحي عانى كثيراً خلال هذه الفترة، إذ تعرضت أغلب قيادة هذا التيار إلى مضايقات أمنية وقضائية، خصوصاً بعد إنتخابات الرئاسة في 2009، والتي كان على أثرها إحتجاز المرشح الرئاسي مير حسين موسوي، وكذلك مهدي كروبي الأب الروحي للتيار، فضلاً عن الزج بمئات المناصرين لهذا التيار، على خلفية الإحتجاجات الكبرى التي إجتاحت شوارع إيران، بسبب الشكوك الكبيرة حول نزاهة الإنتخابات، فيما عرف آنذاك بالحركة الخضراء.

نقاط الخلاف بين التيار الحافظ والإصلاحي

شكل الموقف من الإتفاق النووي الإيراني والرؤية السياسية للعالم، أبرز قضيتين للخلاف بين التيار المحافظ والإصلاحي، ففيما يتعلق بالإتفاق النووي، يعتبر التيار المحافظ الإتفاق النووي هو مؤامرة دولية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، من أجل القفز على الإستحقاقات القومية الإيرانية "العسكرية"، وينبغي عدم التفريط بالقوة النووية الإيرانية، كونها الضامن الوحيد لبقاء إيران قوية، كما أنها ترتبط إرتباطاً وثيقاً برؤية التيار المحافظ للعالم، والذي تتمحور حول عقيدة التمهيد، إذ يعتقد التيار المحافظ بأن الحفاظ على القوة النووية، وعدم تقديم تنازلات تمس جوهر الإتفاق، يشكل ضرورة كبرى، بل هي إحدى الضروريات الأساسية لتمهيد الأرض "لقدوم المهدي"، ولابد من " تهيئة الاداة المناسبة للإمام لمواجهة عالم الشر"، في حين يذهب التيار الإصلاحي إلى تعريف الإتفاق النووي على أساس أنه مفتاح مهم لإعادة إندماج إيران كعضو طبيعي في النظام الدولي، أي لابد من إزالة أي شكوك أو نوايا غير سلمية يحملها الغير حيال إيران، وبالتالي فهو ملف خاضع لتنازلات مقيدة، طالما أنه يشكل أحد ملفات التفاوض مع القوى الكبرى، وهو مايرفضه المرشد والحرس الثوري الإيراني، كما أن التيار الإصلاحي له مفهومه الخاص بعقيد التمهيد، والتي يشير إليها بأنها قيمة رمزية روحية، ينبغي أن تكون خارج إطار التبويب السياسي، وبالتالي عدم المزج مابين ظهور المهدي والممارسات السياسية الإيرانية.
وفي الوقت الذي سعى فيها أحمدي نجاد إلى تكريس الرؤى السياسية التي حملها التيار الأول، سعى الرئيس روحاني إلى ترجمة رؤى التيار الثاني، وهو ماجعل الواقع السياسي الإيراني يعاني من حالة عدم الإستقرار السياسي والإقتصادي والإجتماعي، بل وحتى الأمني في الأونة الأخيرة، إذ شكلت العقوبات الدولية المتصاعدة حيال إيران منذ بداية وصول الرئيس ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، إحدى أبرز نقاط الحرج التي تعتري إدارة الرئيس روحاني، وهو ماجعله في مرمى سهام النقد الموجهة من قبل المرشد والحرس الثوري الإيراني، بل أنه على الرغم من المحاولات المستمرة من قبل الرئيس روحاني لمسايرة الخط الثوري، إلا أنه يبدوا غير قادر على مجارات المد العارم الذي تعيشه إيران، خصوصاً وأن إيران اليوم تعيش ازمة داخلية ، إذ لازالت الإحتجاجات الشعبية بسبب سوء الخدمات والتضخم الإقتصادي وانهيار العملة، مستمرة منذ ديسمبر 2017 الماضي، والتي تتحمل حكومة الرئيس روحاني جزءً كبيراً منها، كونه كان من أشد المدافعين عن الإتفاق النووي، إلا أنه لم يتمكن من الإفادة من مزايا هذا الإتفاق قبل أن تنسحب منه الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ماجعل صوت القادة في الحرس الثوري الإيراني يعلو على صوت الرئيس روحاني، وليس أدل على ذلك من رفضهم الحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية، بناءً على دعوة الرئيس ترامب، في حين نجد أن الماد 113 من الدستور الإيراني تنص على أن قادة القوات العسكرية في إيران، هم أعضاء في المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، الذي يرأسه رئيس الجمهورية، بما يدلل على شرخ في مركزية النظام!.

مستقبل سياسي ضبابي

يمكن القول بأن المستقبل السياسي للرئيس روحاني وكذلك التيار الإصلاحي، أمام تحديات صعبة، خصوصاً وأن هناك 80 نائباً في مجلس الشورى الإيراني من التيار المحافظ، قدموا طلباً لإستجواب الرئيس روحاني في يوم 2 أغسطس 2018، وبناءً على ذلك وجه رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني كتاب إستدعاء للرئيس روحاني من أجل المثول أمام النواب خلال فترة 30 يوماً، علماً بأن محاولة الإستجواب هذه تأتي متماهية مع الإحتجاجات الكبرى التي تشهدها المدن الإيرانية الكبرى كطهران وشيراز وأصفهان وكرج وغيرها، إحتجاجاً على تردي الأوضاع الإقتصادية والمعاشية في البلاد، وهو ما يعيد للذاكرة ما حصل مع الرئيس أبو الحسن بني صدر في السابق، عندما إصطدم مع المرشد الأعلى الخميني، وكان من نتيجة هذا الإصطدام سحب الثقة منه، ونفيه خارج إيران، وبعدها تم تحجيم دور التيار الإصلاحي كثيراً في الحياة السياسية الإيرانية لفترة طويلة.

روحاني في كماشة التيار المحافظ

أن محاولات إحتواء الرئيس روحاني ومعه التيار الإصلاحي في الواجهة السياسية الإيرانية، إزدادت خلال الفترة الماضية، خصوصاً بعد إقتناع المرشد الأعلى والحرس الثوري أن لاجدوى من المفاوضات مع الولايات المتحدة، وضرورة العودة إلى القوة الصلبة للحفاظ على الحقوق الإستراتيجية الإيرانية، ففي وقت سابق من هذا العام ذكرت صحيفة "شرق رزنامة" المقربة من التيار الإصلاحي في إيران، بأن هناك ترتيبات سياسية تجري خلف الكواليس، للإعداد المبكر لمرحلة ما بعد خامنئي، ينقض فيها الحرس الثوري الإيراني على السلطة، من أجل الحفاظ عليها، مع اختيار مرشد جديد يأتمر بأوامر قيادة هذا الحرس، علماً أنه لا يمكن لأي شخصية دينية أن تصبح مرشداً أعلى في إيران، دون أن تمر عبر قناة الحرس الثوري.
وأشارت الصحيفة نفسها إلى أن التيار المحافظ ومعه أركان الدولة العميقة، قد إقتنع بأنه إذا ما إستمرت الأمور على ما هي عليه  داخلياً وخارجياً، فإن شخصية رئيس الجمهورية القادمة ستكون عسكرية، وهو ما عبر عنه "حسين الله كرم"، الأستاذ في الجامعة الحرة الإسلامية، بأنه ينبغي أن تكون شخصية عسكرية إستراتيجية، ووضع العديد من الخيارات ضمن إطار هذه الشخصية، كـ"قاسم سليماني (قائد قوة القدس)، ومحسن رضائي (القائد السابق للحرس الثوري الإيراني ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام)، إلى جانب محمد باقر قاليباف (قائد سابق  لسلاح الجو في الحرس الثوري ورئيس لمقر خاتم الأنبياء وعمدة طهران حالياً)، هذا إلى جانب شخصيات أخرى قد تكون قريبة من تفكير التيار المحافظ، كحسين دهقاني أو مسعود جزائري وغيرهما، ويبقى قاسم سليماني هو الأقرب والأكثر حظاً بين هذه الشخصيات، وذلك بحكم علاقاته داخلياً مع أركان الدولة العميقة، وحتى خارجياً، مع مختلف التيارات السياسية والحركات والمليشيات المسلحة التي تدور في الفلك الإيراني.

صراع سياسي مفتوح الخيارات

أصبح الصراع السياسي على أشده بين مختلف التيارات السياسية في إيران، فمن جهة بات الحرس الثوري غير مقتنع بالتصرفات التي تقوم بها حكومة الرئيس روحاني، خاصة الإقتصادية والأمنية منها، وفي السياق نفسه نجد بأن موضوع قداسة سلطة "ولاية الفقيه" أصبحت اليوم بحاجة لمراجعة مدى شرعية مرشدها الأعلى علي خامنئي، الذي يتربع على قمة هرم الدولة، علما أنه  أصبح المحور الرئيس لكل الإنتقادات الموجهة للنظام السياسي الإيراني، وتحديدا منذ إندلاع المظاهرات الإحتجاجية بإيران في ديسمبر من العام الماضي، لم يسلم من سهام النقد الموجهة إليه، سواء من قبل أحمدي نجاد أو من القيادات الإصلاحية، أو التيار الشيرازي، أو حزب نهضة آزادي، أو حركة التحرير وغيرها، والتي تشير جميعها، الى الازمة التي يعيشها النظام اليوم .
بالمجمل مثل التيار الإصلاحي الجواد الذي كان يقفز فيه التيار المحافظ على أزماته الداخلية والخارجية، فمنذ بدايات الثورة تمكن التيار الإصلاحي في إخراج إيران من عنق الزجاجة، كما أنه إستطاع من تحقيق نجاحات متباينة في إعادة إدماج إيران مع العالم خلال فترة العزلة التي فرضت على إيران في تسعينيات القرن الماضي، عن طريق الدور الذي لعبه في حربي أفغانستان والعراق، كما تمكن من الحفاظ على النفوذ الإيراني في العراق وسوريا واليمن، من خلال المفاوضات النووية، وتمكن من إعادة الشركات الأوروبية للعمل في إيران مرة أخرى، إلا أنه على مايبدوا بأن هناك خطوط مرسومة لهذا التيار في السياسة الإيرانية، بمعنى أنه أصبح بمثابة أداة للتنفيس عن أزمات النظام السياسي الثوري الإيراني، ففي كل مرة يقترب فيها من النجاح، يعود لينتكس مرة أخرى، فعلى الرغم من سيطرته على الشارع الإيراني، إلا أن سيطرته على الشارع لاتستطيع الصمود أمام المؤسسات الثورية أو العابرة للسلطات، التي يسيطر عليها التيار المحافظ وأدوات الدولة العميقة على مايبدو، فكل قيادات وأنصار التيار الإصلاحي تدرك اليوم بأن مستقبلها السياسي أصبح خاضع لخيارات مفتوحة، وجميعها محفوفة بالمخاطر.