النسق الجيلي في فهم ظاهرة الاحتجاج الاجتماعي في العراق

انتفاضة شباب تشرين أنموذجا

د. باسل حسين
About

أكاديمي وباحث عراقي

تصوير الغلاف: خالد محمد

لعل من نافلة القول، أن حركة الاحتجاج الشبابي في العراق قد شكلت مفاجأة للداخل وللعالم ليس في كثافة الكتلة البشرية التي استطاع الشباب حشدها فحسب، بل في ديناميتها وتأثيرها الواسع في قطاعات اجتماعية وثقافية وسياسية، مما دفع كثيراً من  الباحثين والمهتمين في الشأن العراقي إلى البحث عن محركات هذه الانتفاضة وقاداتها وأهدافها ومآلاتها في محاولة للفهم والاستيعاب قبل اللجوء إلى التفسير.

ولا شك أننا نشهد نوعاً جديداً من التظاهرات لم يكن مألوفاً عماده الشباب، والتي أستطيع أن أطلق عليها (الموجة الشبابية الأولى للاحتجاج الاجتماعي)، ودافعهم الأساس هو المعاناة والشعور بالاستبعاد من دائرة الاهتمام والتأثير الاقتصادي والسياسي.

لكن هذا النوع ليس إلا تعبيراً عن ولادة "نسق جيلي جديد" يمكن فهمه عبر مفهوم النسق الذي بلور نظريته تالكوت بارسونز، عرّفه أنه "وحدة اجتماعية ضمن نظام اجتماعي له تفاعله الخاص به ووظيفة معينة". ثم حاول نيكلاس لومان تطوير هذا المفهوم من خلال جعله نموذجاً مركباً يتجاوز التركيب الاجتماعي إلى مجالات أخرى.

وهذا النسق الجيلي ليس اكتشافاً جديداً، فقد أثاره رائد نظرية الأجيال أو مؤسس علم الأجيال عالم الاجتماع كارل مانهايم في مقالته الموسومة "مشكلة الأجيال" في عام 1923، على الرغم من أن العلّامة ابن خلدون قد تطرق إليه في مقاربة مختلفة حول الجيل في نشوء الدول واضمحلالها حيث قدّر الجيل بأربعين سنة.

وتقوم نظرية الأجيال التي طرحها مانهايم على فكرة مفادها أن مجموعة بشرية متقاربة في الأعمار، عملت حدثاً تاريخياً معيناً في زمن ما وعملت على تشكيل وعي لديها بأهمية الاجتماع. ويركز مانهايم على ما يطلق عليه بـ"موقع الجيل" من خلال تفاعل الوعي الاجتماعي مع منظور الشباب ليكوِّن نضوجاً في وقت وزمان محدد. وتشكّل الأحداث الرئيسة للعصر الذي يعيشه هذا الشباب بمثابة التكوين الفاعل وتجارب مبكرة للأفكار والسلوكيات اللاحقة. بيد أن مانهايم لا يفترض معادلةً حتميةً بين هذا الاجتماع وبين بناء وعيٍ مشتركٍ أصيلٍ ومائزٍ، ويربط ذلك بالقدرة على إحداث التغيير الاجتماعي على نحو متسارع وعميق.

وليس من قبيل المبالغة القول، أن دراسة حركة الاحتجاج الاجتماعي من خلال بنية النسق الجيلي يعد منهجاً أكثر نجاعة في بناء مقاربة موضوعية قوامها بنية أو فئة اجتماعية من جيل الشباب صاغت وعيه أحداث تاريخية عملت على تكوين وعيه بحثاً عن إحداث تغيير في واقعه المأزوم والمتردي الذي قاده إلى أن يكون في أدنى درجات سلم التأثير الوظيفي في المجتمع. هذا النسق الجيلي يمثل نوعاً جديداً في المشهد العراقي يتسم بالخصائص الآتية:

1. حيث كونه جمهور ذو غالبية شيعية (فيما عدا بغداد التي تتكون من جمهور مختلط "سني وشيعي" من دون ايلاء أي اهتمام لخط الانقسام الطائفي) من الشباب الغاضب والناقم على ظروفه وعلى البيئة التي يعيش فيها والتي يحملها مسؤولية أوضاعه وفي مقدمتها البيئة السياسية.
2. هذا النسق الجيلي نشأ بعد عام 2003 أي بعد احتلال العراق وتكوين نظام سياسي مغاير شكّلت الأحداث التي عاشها والبيئة المحيطة الداخلية والخارجية المحرك الأساس في تكوين وعيه.
3. مثّل العالم المنفتح والمتعدد سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو وسائل الاتصال الأخرى بمثابة مصدرٍ أساسيٍّ من مصادر التكوين الفردي أو الجمعي على مختلف الأصعدة.
4. عاش هذا الجيل نمطاً مختلفاً عن التنشئة الاجتماعية والسياسية للأجيال السابقة بل يكاد أن يكون بمثابة القطيعة بين الأجيال السابقة وبداية ولادةٌ لأنساق جيلية مختلفة.
5. يختلف هذا الجيل عن الطبقة السياسية التي تحكم مصائره اختلافاً جذرياً، ولذا فان خطوط التواصل والاتصال تكاد أن تكون مقطوعة تقريبا بينهما، لأن جيل السلطة جيل ماضوي بل غارق في الماضوية وعاش في خضوع وعدم ثقة ورعب مستمر يتّسم سلوكه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي بنهمٍ وجشعٍ لا متناهٍ في حدّه، مع نسق جيلي عاش في بيئة منفتحة على ثقافات العالم غير مهتم كثيراً بالصراعات التي تنشغل فيها الطبقة السياسية.
6. لا ينتمي هذا النسق إلى أيديولوجية سياسية أو أنه يتبع نمطاً من أدلجة اللاهوت السياسي، ولذا نلاحظ أنه يحتوي في داخله على أنماط متعددة من الانتماءات الفردية، لكن يجمعهم هذا النسق الجيلي بما يحمله من معاناة ورغبة في التغيير والانقلاب على الواقع الذي يعيشونه.
7. امتاز هذا النسق في قدرته الفائقة على التحشيد بأعداد كبيرة ليس في بغداد فحسب وإنما في كثير من المحافظات الأخرى، لاسيّما المحافظات ذات الغالبية الشيعية (وبالتأكيد أن هذا الجمهور لقي مساندةً كبيرةً من الجمهور السنيّ إلا أن ما منعهم من الخروج هو خشية اتهامهم بتهم جاهزة وفي مقدمتها الإرهاب).
8. يعيش هذا الجيل ظروفاً اقتصاديةً قاسيةً مع تردي الواقع الاجتماعي المعيشي والحياتي بما يحمله من تمثّلات، فعلى سبيل المثال تشير احصاءات وزارة التخطيط في نهاية عام 2018، أن "معدل البطالة بين الشاب للفئة العمرية بين 15 إلى 29 سنة يبلغ 22.6%، 56.3% منهم من الإناث". في حين أعلن صندوق النقد الدولي في مايو من نفس العام أن نسبة البطالة بين الشباب هي 40% وهي نسبة تقارب الضعف من الاحصاءات الرسمية العراقية.

ومما زاد الأمر اضطراباً وتعقيداً أن  كل محاولة للشباب لخرق جدار اللامبالاة من السلطة كانت تجابه بسيل من الاتهامات الجاهزة ومحاولات القمع من قبل السلطات العراقية كآليّة دفاع مسبقة للتخلص من عبء الاستجابة للمطالب، وما عدد الضحايا بسلب أرواح (320) متظاهراً وجرح ما يقارب خمسة عشر ألفاً منهم إلا تجسيداً فاضحاً وكاشفاً لغرائزية السلطة وبطشها.

ومع أن حركات الاحتجاج الاجتماعي الشبابية خرجت احتجاجاً على أوضاعها وتبدّت على شكل مطالب اقتصادية في معظمها، لكنها تبلورت فيما بعد لتصبح أكثر نضجاً نحو مطالب سياسية تتعلق بتغير جوهري وكبير في بنية النظام السياسي أو بشعارات تدعو إلى محاربة النفوذ الإيراني لاسيّما بعد الاتهامات بأن عناصر إيرانية أو مليشيات تابعة لإيران قد استهدفت المتظاهرين واستخدمت القوة المفرطة ضدهم.

صفوة القول، أن هذا النسق الجيلي استطاع أن يكوّن الكتلة الحرجة التي ستضغط على النظام السياسي، لاسيّما بعد أن استطاع أن يحصل على شرعية داخلية من خلال كثافة الكتلة الاجتماعية التي التفّت من حوله وتبنّت شعاراته من نقابات مهنية وفعّاليات طلابية أو مجتمع مدنيّ أو باقي مفاصل المجتمع الأخرى، فضلاً عن شرعية خارجية أممية ودولية متزايدة. وإن استمرت السلطة السياسية بمختلف عناوينها ولاسيّما التنفيذية والتشريعية في إنكار الأزمة والتعالي على المتظاهرين وعدم التكيف الإيجابي مع مطالبهم، فإن هذا النسق مستعد أن يذهب بعيداً في المواجهة مع السلطة، إذا ما شعر أن السلطة غير جدّية في الاستجابة لمطالبه.